جرعة دواء

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

من ضمن أهداف هذا العام التي وضعتها لنفسي متابعة ساعات محددة من أعمال (مصطفى محمود) على اليوتيوب أثناء ذهابي وعودتي من العمل، جاء هذا بالتزامن مع هدف آخر ألا وهو قراءة القرآن كما لم أقرأه من قبل، فقد قررت أن لا أشغل نفسي بكم جزء ختمت، وكم صفحة أنهيت، بعد أن اكتشفت بأنني دائما ما كنت أضع لنفسي هذا الهدف الذي يبعدني عن الهدف الرئيسي من تلاوته، أقرأه اليوم بقلبي حتى لو لم أتم إلا صفحة واحدة، هذا التزامن جعلني أكتشف معاني جميلة ومذهلة فيما حولي.
فمنذ أيام أصبت بوعكة صحية، تعودت أن أصاب بها عند تغير الموسم، لكن هذه المرة شعرت بامتنان غريب لها، وأنا أحدث نفسي بأن هذه الوعكة قد تكون آلية جسمي التي يستعد فيها للموسم الجديد، وكأنها إعادة برمجة للخلايا تماما كما تتخلص الأفعى من جلدها، ويغير النسر أظافره، هذا الإدراك حول شعور الاستياء والشكوى من نوبة الزكام، إلى شيء يشبه (البهجة).
للدرجة التي وجدت نفسي في إحدى الفعاليات التي شاركت فيها ذلك الأسبوع، أطلق العنان لنوبة السعال للتعبير عن نفسها، غير آبهة بأن صوت سعلتي هو الوحيد الظاهر مع صوت المحاضرين، كنت مشغولة بها، شعور عارم بالامتنان راودني، وأنا أتفكر في هذه النعمة العظيمة، وهذا النظام الرائع المسمى جسدي، للدرجة التي رفضت فيها تناول الأدوية، واثقة من أن هذا الإعجاز الرباني يعلم جيدا ما عليه القيام به، كنت أراقب الوضع كطفلة اكتشفت لعبة جديدة بشيء من الفرح، وأتخيل خلايا جسمي كما وصفها مصطفى محمود، بأنها فائقة الذكاء وأنها عالم منظم له قوانينه وأنظمته وأدواره التي يؤديها بدقة متناهية، علمت بأنه يجب في هذه الحالة عدم التدخل، موقنة أن الألم هو رسول الجسد للفت الانتباه لخلل ما فيه، المسارعة بأخذ الدواء قتل لهذا الرسول، كما يضعها بعض خبراء التطوير الذاتي.
في اليوم الرابع وتحت إلحاح زوجي العزيز بعد أن اشتدت وطأة المرض ذهبت لزيارة الطبيب، شعرت كأنني خنت بهذا جسدي وخذلته، وتدخلت في عمله بدون وجه حق، شعرت بأن خلايا جسمي تعاتبني، والألم يغادر جسمي ولكن تنتابني نوبة من الخمول والشعور بعدم الأريحية من مفعول الدواء الذي أصابني بما يشبه النعاس.
كانت جرعة واحدة ولكنها كانت كافية، لأن تلقنني درسا بعدم التدخل، والاكتفاء بالمراقبة في كثير من الأحيان هذا النظام الرباني الدقيق يعرف جيدا ما عليه القيام به.