التقدم العلمي .. حالة من الجدال وأخرى من التحدي

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يستوقفني كثيرا أي منجز علمي، تنجزه البشرية، وأرى فيه امتدادا للحياة، هذه الحياة؛ التي منذ نشأتها الأولى؛ تقوم على هذا التقدم العلمي، ولا غير، فمنذ وقعت عين الإنسان على التراكمية الحسابية في الرياضيات على وجه الخصوص، بدأ طريقه نحو هذا المنجز الذي يتعزز يوما بعد يوم بفضل مجموعة من البشر.
وسخرت كل طاقاتها، وأوقاتها ومعارفها لأن تهدي العالم شيئا ما من هذا الإنجاز، ومع تراكم هذه الهدايا السخية يقف العالم اليوم مزهوا بما تم إنجازه في هذه الطريق، ولا تزال السفينة مبحرة الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى الرغم من هذا الإنجاز المقدر في عمر البشرية، إلا أنه يبقى لهذا الإنجاز حد لا يمكن تجاوزه، وهذا الحد هو الذي يغري كثير من العلماء في البحث والتقصي، وإعمال الفكر، مع ما يوقعهم ذلك في قضايا جدلية ربما تستمر طويلا، ومع ذلك تسجل البشرية بعلمائها المخلصين موقفا مشرفا في كل فترة زمنية تمر، وتفاخر البشرية بكل منجز يتحقق على واقع الناس ليكون خير معين، ويبقى الإنجاز العلمي هو رهان البقاء، ورهان تعمير الحياة، ورهان التميز بخلاف كل الكائنات الحية التي تعيش على سطح هذه البسيطة المحدودة مساحة وإمكانات، فالعقل البشري استطاع؛ ويستطيع؛ ان يتجاوز هذه المحدودية في كل شيء، ليصنع منها ما يبعث الدهشة، ويحلق بالخيال الى أوسع الحدود، وهذا هو الرهان الأكبر للبقاء والاستمرار.
فمع آخر إنجاز علمي، نقرأ الخبر التالي: «حط المسبار الأمريكي «إنسايت» على سطح المريخ الاثنين 24/‏‏11/‏‏2018م، وهي أول مرة يتحقق فيها مثل هذا الإنجاز العلمي منذ العام 2012. وسيعمل المسبار الذي أطلق في مايو الماضي على استكشاف أغوار وخبايا المريخ، في مهمة تستمر لمدة عامين. ويعتبر «إنسايت» هو أول مركبة فضائية مصممة لدراسة أعماق الكوكب الأحمر» – حسب https:/‏‏/‏‏www.france24.com – وإذا كانت «إنسايت» تقوم بهذا المجال الجديد، فإن مركبة «أبولو» سجلت «أول استحقاق بشري لغزو الفضاء، كمفهوم جديد في قائمة الـ «غزوات» البشرية، التي لم تتسعها الأرض على امتدادها الجغرافي، فكان الفضاء خير من يستوعب هذا الطموح البشري الكبير، وهي أول محطة أتاحت الفرصة لرائد الفضاء «نيل ارمسترونج» كأول رائد فضاء يضع قدميه على سطح القمر في عام 1969م، ومن بعده؛ من رواد الفضاء؛ حيث تشير بعض المصادر الى أن:» هناك (38) من رواد الفضاء قاموا برحلات الى الفضاء على مركبات فضائية من نوع «أبولو»، منهم (29) رائد فضاء اشتركوا في برنامج «أبولو» والآخرون يشتركون في بعثات «سكايلاب وأبولو – سويز» وأن الذين غادروا الأرض وقاموا برحلات الى القمر بلغ عددهم (24) رائد فضاء، و(12) من هؤلاء قاموا بالهبوط على سطح القمر، ومن ضمنهم (6) قاموا بقيادة عربة قمرية على سطح القمر» وتؤكد نفس المصادر انه تم في الفترة ما «بين 1968 ابولو 8 – وهي الرحلة الأولى لرواد الفضاء للذهاب الى القمر – وديسمبر 1972 ابولو 17 القيام بـ (9) بعثات الى القمر»- فقرة من عمود نوافذ نشر في 13/‏‏5/‏‏2017م.
هذا التاريخ الفضائي هو الذي يعكس هو امتداد لما تنجزه البشرية على سطح الكرة الأرضية لتظهر لنا محاولات العلماء في تأصيل البحث العلمي في مختلف المجالات، ومنها المجال الإنساني الرحب، الذي تتقاطع فيه مختلف التجارب المخبرية في مجال الطب الحيوي والفيزيائي، والنسيجي مع ما يقوم به العلماء في مجال الطاقة والتكنولوجيا الصناعية، ولعل مجال الاستنساخ هو المجال الذي راهن عليه العلماء في العصر الحديث؛ مع أواخر القرن العشرين المنصرم؛ ليكون لهم ميدانا واسعا للبحث والتجربة والتحري، وذلك للوصول الى مفاهيم عميقة في مجال البحث والتجربة، مع أن الاستنساخ أحدث صدمة مدوية في هذا الاتجاه، وذلك بعد موت «النعجة دوللي» بعد (6) أعواما من ميلادها، مع أن آراء العلماء تضاربت حول سبب الوفاة « استنسخت دوللي من خلايا أغنام بالغة، منذ حوالي 21 عاما، وانتشر وقتها مزاعم بأن عملية الاستنساخ تسببت في إصابتها بالشيخوخة المبكرة وما يتعلق بها من أمراض، وخاصة بعد نفوقها في 14 فبراير عام 2003، وكان عمرها 6 أعوام فقط؛ حيث عاشت في الفترة ما بين (5 يوليو 1996 – 14 فبراير 2003) ولكن الإنجاز أثار أيضا جدلا يستمر حتى اليوم حول أخلاقيات الاستنساخ، خصوصا مع تطوير الأساليب وبدء تطبيقها على البشر» – www.almasryalyoum.com – إلا أن هناك تقارير طبية تشير إلى أن واقع الاستنساخ لا يعكس الارتياح لدى العلماء خاصة بعد تجربة النعجة دوللي، التي فسر نفوقها على أنها وصلت الى مرحلة الشيخوخة قبل عمرها الافتراضي المقدر بـ (11 الى 12) عاما، ويقول الدكتور باتريك ديكسون وهو كاتب في أخلاقيات الاستنساخ البشري: «إن طبيعة نفوق النعجة دوللي قد تكون لها ردود فعل كبيرة على إمكانية استنساخ طفل آدمي»– وفق نفس المصدر -.
ويأتي اليوم الجدل نفسه مع إعلان العالم الصيني (خه جيان كوي) – ، وهو أستاذ مساعد في الجامعة الجنوبية للعلوم والتكنولوجيا بمدينة شنتشن الصينية- بـكشفه يوم الأربعاء 28/‏‏11/‏‏2018م «عن أول طفلين معدلين جينيا في العالم» وقال (خه جيان كوي) حسب المصدر) – NES Euro؛ مع رويترز( آخر تحديث 28/‏‏11/‏‏2018 – : « إنه استخدم تكنولوجيا تعرف باسم (كريسبر-كاس9) لتعديل جيني على توأمتين مولودتين هذا الشهر اسميهما «لولو» و «نانا». وأضاف « أن التعديل الجيني سيساعد على حماية التوأمتين من الإصابة بفيروس (HIV) المسبب لمرض نقص المناعة المكتسب الإيدز».
يذكر أن: «تكنولوجيا (كريسبر-كاس9) تتيح للعلماء قطع ونسخ الحامض النووي الوراثي DNA مما يزيد الآمال في إجراء إصلاح جيني للوقاية من الأمراض» غير أن هناك مخاوف بشأن السلامة وأخلاقيات العمل، حيث قال أكثر من 100 عالم في خطاب مفتوح إن استخدام تكنولوجيا (كريسبر-كاس9) لتعديل جينات الأجنة البشرية محفوف بالمخاطر وغير مبرر، وأضافوا «فُتحت أبواب جهنم». – نفس المصدر-.
المناقشة هنا لا تتقصى المشروعات العلمية التي ينجزها العلماء المتخصصون في مختلف مجالات الحياة، فهي كثيرة وعديدة ودقيقة ومتشعبة في مختلف مجالات الحياة اليومية، ولكنه يذهب أكثر الى مدى الحرص الذي يكونون عليه العلماء في الوصول الى نتائج غير مسبوقة في هذه المجالات، سواء في مجال تكنولوجيا الفضاء، او الطب البشري، مع كل ما يلاقونه من تحديات، فنية ومعرفية، وما يصطدمون به مع واقع المجتمعات التي ترتبك هي الأخرى مفاهيمها عن الحياة البشرية على وجه الخصوص، وخوفها الأكبر من أن تؤدي هذه الاكتشافات العلمية الى ما يدمر الحياة البشرية، ويوردها موارد الهلاك، وقد تابعنا بعض الأعمال الدرامية؛ كأعمال الخيال العلمي؛ من أن بعض المخلوقات التي وجدتها هذه التجارب، وتم تطبيقها على واقع الحياة تحولت الى كائنات عملاقة تدمر كل ما يعترض طريقها، وكانت واقعا صادما لمن أوجدها على واقع الحياة اليومية، بل لم يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل تعدى الأمر الى عدم مقدرة من أوجدها الى القضاء عليها، او الحد من قوتها الجبارة، وهذا ما يجعل كثير من العلماء يؤكد على عدم الانجرار مع ما يكتشفونه في المختبرات من اكتشافات مهمة في المجالات الحيوية للبشرية، خوف الوقوع في مستنقع عدم القدرة على السيطرة على هذه المخلوقات التي لا تحمل هوية محددة، وإنما تكون على حالتها الفطرية بلا تحكم، وبلا قدرة كافية على توظيفها التوظيف الذي يعين الإنسان على العيش آمنا مطمئنا في حياته اليومية.
اختم هنا بنص الآية الكريمة من قول الله عز وجل: (إنما الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) – سورة يونس، الآية (24) -. وإن لله في خلقه شؤون.