رعاية أممية لاتفاق السلم بمالي

مختار بوروينة –
mokhtarbourouina@yahoo.fr –

دخل ميثاق السلم بدولة مالي مرحلة أخرى من المتابعة التنفيذية عبر الهيئة الأممية بتأكيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن ميثاق السلام الموقع بالأحرف الأولى، في شهر أكتوبر الماضي، من طرف حكومة مالي والأمم المتحدة من شأنه أن يعطي دفعا جديدا لتسريع تنفيذ اتفاق الجزائر من أجل السلام والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر.
ففي تقريره حول مالي المقدم يوم 19 أكتوبر 2018 لمجلس الأمن قال إنه «إذا كان معروفا أن هذا الميثاق لا يهدف إلى إعادة توثيق تدابير موجودة ولا استبدال اتفاق السلام، أعتقد صراحة أنه يمكن أن يعطي دفعا جديدا لتنفيذ هذا النص»، وبهذا فالاتفاق الجديد جاء ليعزز المسار الذي انطلق سنة 2015 تحت إشراف الوساطة الدولية بقيادة الجزائر .
وجاء إعداد هذا الميثاق الأممي بناء على طلب مجلس الأمن في اللائحة 2423 (2018) حتى «يتيح الفرصة لإعطاء نفس جديد لمسار السلام» والتأكيد على « الشعب والحكومة الماليين تحديد أسس سلام واستقرار دائمين بالاعتماد على اتفاق الجزائر»، خاصة وأن الميثاق الموقع من طرف حكومة مالي والأمم المتحدة يجعل من قرارات الوساطة الدولية إجبارية، ومن شأن هذا النص أن يبعث مجددا تنفيذ اتفاق السلام والمصالحة في مالي المنبثق على ميثاق الجزائر من خلال إزالة العوائق لتطبيقه.
يؤدي الطلب والتأكيد عبر هذا الميثاق ضمن مسار السلام إلى القيام بإصلاحات سياسية كاللامركزية وإصلاح قطاع الأمن وتعزيز دولة القانون والسهر على التنمية الاجتماعية والاقتصادية لمالي، كون الاستثمار في التنمية والاستقرار في مالي سيساهم بدرجة محسوسة في إيجاد مجتمعات شاملة ومسالمة ومنع انتشار الأزمات والتطرف وتهديدات السلم والأمن الدوليين في منطقة الساحل.
وبقدر ما سجل تقرير الأمين للأمم المتحدة التقدم المحرز مؤخرا في تنفيذ اتفاق السلام لا سيما تعيين السلطات الانتقالية في 21 مقاطعة بالنواحي الخمس لشمال مالي وبدء النشاط التدريجي للوحدات المختلطة للآلية العملياتية للتعاون في منطقتي «كيدال وتومبوكتو»، وكذا تبني الاستراتيجية الوطنية لإصلاح قطاع الأمن، إلا أنه دعا الأطراف المعنية إلى إتمام وضع استراتيجية وطنية لإعادة تشكيل وانتشار قوات الدفاع والأمن الماليين المتمثل دورها الرئيسي في وضع الاستقرار المستدام وضمان حماية السكان، مشيرا في هذا الخصوص إلى أن استمرار المساس بالأمن في وسط مالي لا سيما خلال الانتخابات الرئاسية يوضح مدى عمق الأزمة في المنطقة، مثلما وصف وضع حقوق الإنسان بالمقلق، وأن كل ادعاءات الانتهاك يجب أن يتبعها تحقيق شامل وإجراءات تهدف إلى أن يتحمل مرتكبو هذه الجرائم مسؤوليتهم.
وفي رسالة وجهها للأمة، بمناسبة الذكرى الـ58 لاستقلال بلده، كان الرئيس المالي، إبراهيم بوبكر كايتا، قد أكد أن تنفيذ اتفاق السلم والمصالحة في مالي، المنبثق عن اتفاق الجزائر، سيتم اتباعه بصرامة وحزم مع الحرص على ترقية التنمية الشاملة في مالي. وكان اتفاق السلم والمصالحة في مالي الموقع عليه في مايو 2015 وفي يونيو من السنة نفسها بين جميع الأطراف المالية في باماكو، أبرم بعد خمس جولات من الحوار انطلقت في يوليو 2014 تحت إشراف الوساطة الدولية بقيادة الجزائر.
من جهتهم قرر الموقعون على الاتفاق خلال الدورة الـ27 للجنة متابعة اتفاق السلم والمصالحة بمالي (حكومة وجماعات مسلحة للشمال ومراقبين)، التي عقدت في الأيام الأخيرة في باماكو، تفعيل المبادرة بديناميكية جديدة أكثر إنتاجية، في تنفيذ اتفاق السلم، حسبما أكد رئيس لجنة متابعة اتفاق السلم والمصالحة بمالي أحمد بوتاش .
في هذا السياق فإن المسعى الجديد يتمثل في احترام سلم التدرج خلال القيام بالأعمال والبدء بالأولوية قصد بلوغ نقطة اللاعودة، وأن الأعمال الأولوية متعلقة بالمسائل المؤسساتية للدفاع والأمن و تبني الاتفاق من طرف جميع طبقات المجتمع دون استثناء قصد تشجيع تنفيذ تساهمي، وإجباري وفق المتابعة الأممية .
وقد أكدت الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في شهر مايو الماضي خلال اجتماع مجلس الأمن حول السلام في إفريقيا على أهمية تطبيق اتفاق السلام المنبثق عن مسار الجزائر الذي يبقى الأداة الوحيدة الكفيلة بضمان استتباب الأمن في مالي ومنطقة الساحل.
وأوضحت الولايات المتحدة الأمريكية أن الحلول الأمنية سيما القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس لن تكون كافية لتسوية مسائل الحوكمة والتحديات الاقتصادية في المنطقة، مشيرة إلى ضرورة التركيز على مسار السلام في مالي مع البدء بالأسباب العميقة للنزاع، والتأكيد على أن اتفاق الجزائر يبقى أفضل أداة نحتكم إليها للشروع في مواجهة الوضع شمال مالي، مع توجيه نداء للأطراف المالية لتطبيق أحكام الاتفاق. بدورها صرحت مسؤولة الأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام، بنتو كيتا، التي قدمت تقريرا حول تقرير الأمين العام بشأن قوة مجموعة دول الساحل الخمس أن اتفاق السلام والمصالحة بمالي يمثل حجر أساس أي جهد يرمي إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، بالنظر إلى الطبيعة المعقدة و المتعددة الأبعاد للتحديات التي تواجهها منطقة الساحل، وتستدعي من الأطراف المالية مضاعفة الجهود لضمان تطبيق فعلي لأهم أحكام اتفاق الجزائر. في هذا السياق تم تجسيد جانب هام من اتفاق الجزائر. و يتعلق الأمر بإطلاق الآلية العملية للتنسيق (موك) من خلال تنصيب دورية مختلطة يشرف عليها القوات المسلحة المالية وتنسيقية حركات الوفاق و تنسيقية حركات الأزواد وذلك في شهر مايو الماضي بتمبوكتو (وسط مالي). كما لم تتوان الجزائر، الجارة لمالي، في التمسك باستقرار وبتنفيذ اتفاق باماكو للسلم والمصالحة الذي سهلته بصفتها راعية للوساطة الدولية، وهي تبذل جهودا معتبرة للإسراع في تنفيذه انطلاقا من التزامها الثابت والدائم لعودة الاستقرار والأمن على كافة التراب المالي، بإشرافها على الاجتماعات المنتظمة للجنة ومتابعة تنفيذ الاتفاق.