هل تنجح روسيا كوسيط في عملية السلام؟

د. عبدالعاطى محمد –

منذ انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط عام 2014 والمبادرات الروسية بالتوسط بين الفلسطينيين وإسرائيل لا تتوقف، وأخرها ما جاء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف في زيارة له لروما مؤخرا عندما قال للصحفيين إن روسيا مستعدة لاستضافة اجتماع بين الفلسطينيين وإسرائيل والعمل كوسيط. فما هي الدوافع وراء العرض الروسي القديم الجديد، وهل تتضمن هذه الدوافع فرصا، وما هي العقبات التي تعترض هذا العرض؟.
أن يهتم وزير الخارجية الروسي بملف عملية السلام ليس مستغربا أو مفاجئا، ولكن التوقيت دائما ما يكون له دلالة مهمة تستحق التوقف عندها طويلا والتعامل معها بقدر كبير من الجدية. فروسيا هي إحدى أطراف اللجنة الرباعية الدولية المعنية بالقضية منذ عدة سنوات بجانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وطبيعي أن تدلي برأيها في المستجدات حتى لو لم يطلب منها التدخل بشكل صريح ومباشر. وفى عام 2016 كان هناك نشاط ملحوظ من جانب موسكو عندما دعت إلى عقد قمة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وقتها تزامن ذلك مع ظهور الدعوة إلى البحث عن مسار مختلف لعملية السلام ينقلها من المفاوضات الثنائية المباشرة بين الجانبين إلى مسار جماعي من خلال مؤتمر دولي يتمكن من إصدار قرارات جديدة من مجلس الأمن تفرض على إسرائيل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وتفي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ومع أن العرض الروسي وكذلك الدعوة للمؤتمر الدولي لم يقدر لأي منهما النجاح، لم تتوقف روسيا عن الدفع بأن يكون لها دور يحرك المياه الراكدة، ليس من منطلق تصرف منفرد وإنما عبر مشاركة مع نفس الأطراف المعنية كلها وبشرط موافقة هذه الأطراف، وهكذا تكررت دعوة الوساطة الروسية في مايو الماضي ثم في لقاء لافروف ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. في ذلك اللقاء أعرب الوزير الروسي عن نية موسكو مناقشة التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين بهدف تعرفها على الكيفية التي بإمكان المجتمع الدولي القيام بها لاستئناف المفاوضات بعد أن انهارت تماما فرص السلام وازدياد الموقف تعقيدا مع نقل الولايات المتحدة لسفارتها إلى القدس واعترافها بالمدينة عاصمة لإسرائيل.
حتى زيارة لافروف الأخيرة لروما وتجديده الدعوة للوساطة كان للتحرك الروسي معنى مختلف عما أحاط بالدعوة الأخيرة من ظروف حيث يلعب التوقيت دورا مهما. فمن الواضح أن موسكو قد تخلت عن الضوابط القديمة التي حكمت موقفها منذ أن شاركت في مؤتمر مدريد للسلام 1991، ويقصد بذلك أن تتصرف بوصفها طرف من عدة أطراف وتحرص على الراعي الرئيس للعملية وهو الولايات المتحدة. لافروف هذه المرة تحدث بوصف موسكو وسيطا صريحا بديلا للولايات المتحدة، وهو أمر لم يحدث من أكثر من ربع قرن، في دلالة على مدى التغير الذي حدث في الأوضاع الإقليمية والدولية على السواء لصالح روسيا.
ما كان له أن يتحدث بثقة لافتة هذه المرة لولا وجود قراءة روسية معينة لحاضر الشرق الأوسط ومستقبله القريب بكل ما يشمله هذا الحاضر من تغيرات دراماتيكية على كافة الأصعدة أمنية كانت أم سياسية أم اقتصادية، وكلها تغيرات تسمح لروسيا بأن تكون لاعبا رئيسيا في ملفات المنطقة الحساسة أو الساخنة. يعلم لافروف أن السلطة الفلسطينية كانت قد أعلنت 2017 أن الولايات المتحدة لم تعد وسيطا نزيها في عملية السلام، وما ترتب على ذلك من تدهور واضح للعيان في العلاقات بين الجانبين (إغلاق الولايات المتحدة لمكاتب منظمة التحرير في واشنطن، ووقف المساعدات لوكالة غوث اللاجئين). ومن المنطقي أن تستغل موسكو القطيعة بين السلطة وواشنطن لتطرح نفسها بديلا للدور الأمريكي.
ويعلم لافروف أن الخطوة الأمريكية بنقل السفارة كانت ليس فقط انتهاكا لما اتفقت عليه اللجنة الرباعية كإطار عمل لأية مفاوضات بين السلطة وإسرائيل، وبالطبع يعد تحديا لروسيا أحد أعضاء هذه اللجنة، وإنما شكلت تحديا لبقية الخمسة الكبار في مجلس الأمن ولأعضاء الأمم المتحدة الـ 193. ومعلوم أنها خطوة قوبلت بالاستهجان والنقد من جانب كل هؤلاء ولم يؤيدها إلا نفر قليل من الدول. ويعلم أيضا أن الخطة الأمريكية التي أعدها جاريد كوشنر صهر ترامب وفريقه وعرفت إعلاميا بصفقة القرن أثارت لغطا شديدا وقوبلت بالرفض رسميا من جانب السلطة الفلسطينية فضلا عما لاقته من هجوم إعلامي من أوساط إعلامية عربية عديدة، وكل ذلك دون الإفصاح عن مضمون هذه الخطة (فقط جرت تسريبات، وفقط ليس لدينا سوى تعليقات من صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين أشارت إلى مضمونها وكانت تعليقات انتقدت الخطة بشدة ومثلت رفضا مسبقا لها من جانب السلطة الفلسطينية). واستنتجت روسيا من هذه التطورات أن الولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب بدأت تفقد دورها في عملية السلام بالشرق الأوسط إن لم تكن قد فقدته بالفعل، وبناء عليه باتت الفرصة أكثر إتاحة للقيام بدور البديل الصريح للدور الأمريكي. ولم يغب عن الخبراء الروس الذين يضعون التقارير للرئيس بوتين أن إدارة ترامب لا تضع أزمة الشرق الأوسط في أولوياتها، نعم لديها جهد تقوم به في هذا الصدد ولديها رؤية ما، ولكن الملف ذاته ليس في مقدمة الاهتمامات، فهناك ما هو أهم بالنسبة لها الآن وهو فك الصراع الاقتصادي مع الصين والمواجهة مع إيران وكوريا الشمالية.
ويعلم لافروف أن مستجدات الأزمة السورية فتحت لبلاده علاقة وطيدة مع إسرائيل تسمح لها بأن تتوسط بينها وبين الفلسطينيين. ومع أن هذه العلاقة قديمة ولعبت روسيا دورا ملحوظا في زيادة تدفق الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، إلا أن تحكم روسيا في مسار الأزمة السورية أعطى لها وزنا مهما عند الحكومة الإسرائيلية من منطلق أنها الضامن الأكبر لأمن إسرائيل ضد أية تهديدات تأتى من دمشق حاضرا ومستقبلا. وساعدت العلاقات الوطيدة التي أقامتها موسكو مع طهران على زيادة طمأنة إسرائيل على أمنها. وقد تكررت اللقاءات بين بوتين ونتانياهو العامين الأخيرين واتسمت بود ملحوظ . ما هو أكثر إثارة وأهمية من كل العوامل السابقة أن روسيا وغيرها من دول كبرى أعضاء في مجلس الأمن يقودون تيارا لفرض التعددية القطبية وإنهاء مسألة القطب الأوحد المتمثل في الولايات المتحدة والقائم منذ نهاية الاتحاد السوفيتي. ومع فرض هذا التوجه يجرى بناء نظام دولي جديد يعكس نفسه في دور مجلس الأمن ذاته بألا يكون عقبة دائما في تحقيق مبادئ الأمم المتحدة. ومن قواعد هذا النظام الدولي الجديد التعامل مع أي أزمة بمنظور شامل أي ربطها بالأزمات الأخرى واتخاذ مواقف موحدة تراعى التعدد في الأقطاب الدولية. فرنسا اقتربت كثيرا من موسكو في هذا الاتجاه وتقود ما يشبه التمرد على الولايات المتحدة غير مكترثة بردود الفعل الغاضبة من ترامب (تدعو إلى إنشاء جيش أوروبى واستخبارات مشتركة كخطوة للخروج من الرعاية الأمنية الأمريكية لأوروبا), وقد تحدث الرئيس الفرنسي ماكرون بوضوح في أكثر من مناسبة عن ضرورة تغيير قواعد النظام الدولي في اتجاه التعددية القطبية. روسيا في هذا الإطار ترى أن الاستقرار في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بحل القضية الفلسطينية، وأن استقرار ليبيا والعراق مثلا لن يتحققا طالما لا يوجد حل لهذه القضية. والمعنى هنا أنه إذا كانت واشنطن في عهد ترامب لا تعطى أولوية لهذه القضية فإن موسكو تفعل العكس، ومثل هذا التباين لابد وأن ينعكس على موقف الأطراف العربية المعنية وهي تراجع ما يرد من واشنطن من أنباء عن حل القضية الفلسطينية.
قد تبدو الفرص متاحة اليوم لدور روسي بديل لأن الظروف في الماضي لم تكن تسمح بذلك، بينما ظروف اليوم في المنطقة تتيح إمكانيات تحقيق هذا الدور. والطبيعي أن تتابع الأطراف العربية والفلسطينية المستجدات في الموقف الروسي للاستفادة منه. ولكن برغم كل ذلك يصعب الاستسلام للتفاؤل بحدوث انفراج حقيقي في عملية السلام وكذلك في فرص الدور الروسي المفترض لعدة أسباب موضوعية. فمن ناحية لم تتجاوب إسرائيل مع أية دعوة روسية كوسيط لأنها مؤمنة تماما بأن الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على أن تكون وسيطا. وإن أرادت موسكو ذلك فعليها أن تخترق البيت الإسرائيلي بقوة وهو ما ليس واضحا حتى الآن. ومن ناحية ثانية لا يزال الدور الأمريكي قائما برغم ما تعرض له من انتقادات والدليل أن مجلس الأمن وكذلك الجمعية العامة تركا الباب مفتوحا لهذا الدور بغض النظر عن ردود الفعل الغاضبة، ولذلك فإن شراكة موسكو مع واشنطن هي الأقرب عمليا وليس القيام بدور منفرد أو القيام بوساطة مستقلة عن الدور الأمريكي. ومن ناحية ثالثة لم تكشف موسكو عن رؤيتها للتسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل، فالمهم ليس القيام بدور الوسيط وإنما بطرح الحل الذي يقبله الطرفان، ثم استغلال علاقات التقارب مع كل منهما لتفعيل هذا الحل، وإلى أن يتم ذلك يمكن قياس الدور الروسي عمليا.