محاولات إسرائيلية لمنع الأوروبيين من الحديث عن معاناة الفلسطينيين

سمير عواد –

قبل فترة قصيرة نشر كريستوف رينيبيرغ وهو ناشط ألماني ينتمي إلى «شبكة التضامن مع فلسطين» ومقرها مدينة القاهرة، قائمة عبر الإنترنت، ذكر فيها بالتحديد عدد الفعاليات المتعلقة بالكلام عن معاناة الشعب الفلسطيني من النكبة إلى الاحتلال إلى وضع اللاسلم واللاحرب الراهن.
وأوضح في حديثه أن اللوبي اليهودي في أوروبا الذي يوصف عن حق بالذراع الطويلة لإسرائيل، يركز منذ فترة على إجهاض كافة المحاولات التي يقوم بها ناشطون أوروبيون متعاطفون مع الشعب الفلسطيني من خلال التعبير عن تضامنهم عبر ندوات يتحدث فيها سياسيون وإعلاميون تختلف آراؤهم عن غيرهم لأنهم ينتقدون سياسة الاحتلال الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.
وبحسب الإحصائيات التي تمكن من جمعها الناشط الألماني، فقد بلغ عدد الفعاليات التي كان الهدف منها تسليط الأضواء على معاناة الشعب الفلسطيني وفضح ممارسات إسرائيل التعسفية، 90 فعالية على الأقل بدءا من عام 2005 حتى منتصف العام الجاري 2018 ما بين منع تحقيقها أو التشويش عليها.
وبرأي الكاتب والصحفي الألماني المعروف هايكو فلوتاتو الذي عمل سنوات طويلة مراسلاً لصحيفة «زود دويتشه تسايتونج» في القاهرة، ويتابع عن كثب نشاطات اللوبي اليهودي في ألمانيا وأوروبا، أن اللوبي اليهودي ينفذ استراتيجية محددة منذ عام 2016 يسعى من خلالها إلى إثارة القلق لدى السياسيين والإعلاميين والناشطين الألمان وتهديدهم باتهامهم بمعاداة السامية إذا أبدوا تعاطفهم علناً مع الفلسطينيين.
وبحسب الصحفي هايكو فلوتاو، فإن آخر الأمثلة المقلقة على نشاط اللوبي اليهودي محاولته تعطيل ندوة في جامعة «لودفيغ – مكسيميليان» في مدينة ميونيخ للاستماع إلى محاضرة من قبل أندرياس تسوماخ، الكاتب والصحفي الألماني الذي تخصص في الدفاع عن الفلسطينيين ويبدي آراءه المتزنة حول عواقب الاحتلال الإسرائيلي في الندوات.
وحاول بروفيسور يهودي اسمه ميخائيل ماين، إقناع بلدية ميونيخ بإلغاء الندوة وإشعال جدل بأن هدفها نشر معاداة السامية والحقد ضد اليهود. وذكّر المسؤولين في بلدية ميونيخ بأن هدف الندوة الدعوة لمقاطعة إسرائيل مثل الدور في هذا السياق الذي يقوم به ناشطون في حملة عالمية تحمل اسم «بي دي أس» لمقاطعة إسرائيل وهي مستلهمة من حملة مماثلة قام بها ناشطون من مختلف بلدان العالم ضد النظام العنصري في جمهورية جنوب إفريقيا، الأمر الذي دفع الصحفي تسوماخ ليخرج عن نص المحاضرة ويتحدث عن العناصر اليهودية التي تحاول دائماً إفشال الندوات الناقدة لإسرائيل ومن الأمثلة التي ذكرها تسوماخ كان الحديث عن بنيامين واينتال، مراسل صحيفة «جيروزاليم بوست» اليمينية المتشددة الإسرائيلية في أوروبا، الذي استطاع أن يُجبر مصرف «بنك أوف جيماين فيرتشافت» كي يُغلق حساب صحيفة يهودية تدعو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين اسمها «الصوت اليهودي من أجل سلام عادل»، تحت طائلة التهديد بالكتابة سلباً عن المصرف الألماني. ونال تسوماخ تصفيقاً حاداً من الحضور في ندوة ميونيخ عندما أجرى مقارنة مع ممارسات الألمان النازيين مع اليهود قبل الحرب العالمية الثانية وأسلوب التهديد الذي يمارسه واينتال عندما قال: يُذكرنا قيام بنك ألماني بإغلاق حساب مؤسسة يهودية تدعو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بممارسات النازيين الألمان خلال فترة «المحرقة.. هولوكوست» التي راح ضحيتها ستة ملايين يهودي، وكيف كان النازيون يلغون الحسابات البنكية لليهود.
ولا يقتصر نشاط اللوبي اليهودي على إسكات سياسيين وإعلاميين ألمان لا ينتمون للديانة اليهودية وإنما لا يردعه التهجم والتقليل من أهمية يهود بينهم أقارب ضحايا المحرقة لمجرد أنهم لا يتفقون مع ممارسات إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. ومن الأصوات اليهودية التي تعبر عن ضيقها ذرعاً بسياسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، فيليتسيا لانغر، المحامية الإسرائيلية التي كانت تدافع عن المعتقلين الفلسطينيين إلى أن لجأت للعيش في ألمانيا بعدما وجدت عدم وجود فائدة لأن القوانين الإسرائيلية لا تعطي الفلسطينيين أي حق علاوة على أن الفلسطينيين يتعرضون للمحاكمة من قبل «محاكم عسكرية». بالإضافة إلى إيفلين – هيشت – جالينسكي، ابنة هاينز جالينسكي، الرئيس الأسبق للجالية اليهودية في ألمانيا، والتي لم تتأثر بتزييف والدها التاريخ الفلسطيني، وتنشر المقالات في ألمانيا وأوروبا وتركيا ودول عربية تتحدث فيها عن معاناة الشعب الفلسطيني وتدعو للضغط على إسرائيل لتنهي احتلالها للأراضي العربية. والناشر الألماني اليهودي رولف فرليغر المتخصص في رفع اليهود المتطرفين وإسرائيل شعار «معاداة السامية» للتقليل من أهمية منتقدي سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين. تجدر الإشارة إلى أن فرليغر كان عضواً بارزاً في مجلس الجالية اليهودية في ألمانيا ومات العديد من أفراد أسرته في معسكرات الاعتقال الألمانية ويرى أن إسرائيل تفعل بالفلسطينيين تماما مثل المعاملة التي لقاها يهود أوروبا على أيدي النازيين الألمان.
ويجد اللوبي اليهودي في ألمانيا تأييداً من قبل أعضاء في البرلمان الألماني مثل النائب فولكر بيك من حزب الخضر المعارض الذي تدخل شخصياً لإفشال انعقاد ندوة في المعهد العالي بمدينة كولون تحت عنوان «خمسون عاماً على احتلال إسرائيل فلسطين» وكان من المقرر تقديم عرض مصور عن «النكبة».
وبحسب الصحفي الألماني هايكو فلوتاو فإن المثال الذي يُثير القلق على الأكثر هو تعاون اليهود المتشددين في التقليل من أهمية شخصيات يهودية أممية لمجرد أنها تقوم بانتقاد إسرائيل مثل القاضي ريتشارد جولدستون، الذي حاول بعد العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2008/‏‏2009 وضع تقرير عن جرائم الحرب التي حصلت في هذه الحرب ورغم أنه حاول التحقيق في الجرائم التي تمت من قبل «حماس» وإسرائيل على حد سواء إلا أن اليهود حاربوه بشدة وأرغموه على التنحي عن رئاسة التحقيق في حرب غزة التي للعلم قُتل خلالها 13 إسرائيليا مقابل 1166 فلسطينيا.