المراكز والتخوم.. تحولات عولمية مثيرة

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

ضمن سلسلة المقالات التي نهتم بها في الآونة الأخيرة، والتي تتقاطع فيها القضايا السياسية مع الإشكاليات الثقافية والإنسانية، وتبعات واستحقاقات ذلك على حالة العلاقات البشرية، نحاول في هذه السطور الوقوف عند إشكالية الحضارة الإنسانية المعاصرة والتي تعد نتاجاً لإسهام كل الثقافات والأمم حول العالم، من يوم بدأ الإنسان الأول خطواته على الأرض وإلى وقتنا الراهن.

ولعل علامة الاستفهام في هذا المقام هي :« ما الذي يدعونا إلى الخوض في تلك القضية الشائكة ومن جديد؟
باختصار مفيد أضحت الإنسانية في حالة صراع وجداني وإنساني، صراع عقلاني ربما يتحول عما قريب إلى مناوشات مسلحة، تسفر في نهاية المشهد عن حرب عالمية كبرى، ستكون مغايرة للحربين الكبريين في القرن الماضي. والشاهد أن المتابع لتطورات المشهد السياسي الدولي يكاد يؤمن بأن ما تنبأ به هنتنجتون عالم الاجتماع الأمريكي الأشهر في تسعينات القرن الماضي، بات يدق الأبواب بعنف، ونقصد بذلك رؤاه الشقاقية حول تصادم الحضارات، وصراع الثقافات، على الرغم أن الأصل في الإنسانية أنها بدأت جماعة صغيرة متفرقة لا يزيد عددها مجتمعة على بضعة ملايين، يعيش بعضها في عزلة وغفلة شبه تامتين عن بعضهما بالآخر، ولا تستغل من طاقة الأرض ومواردها إلا ما يقيم أودها لعمرها القصير قبل نحو ستة آلاف أو سبعة آلاف سنة، والآن تحولت إلى قرية كونية تجمع اليوم عبر أركان العالم الأربعة ما يزيد على ستة مليارات إنسان في اتصال وثيق وتفاعل مكثف وحركية دؤوبة، يستغلون من طاقة الأرض ومواردها ما يزيد على ثمانين ضعفا ما كان أسلافهم الأوائل يستغلونه، ويتمتعون بمتوسط عمري وحالة صحية ونظام غذائي ومستوى رفاه أعلى إلى حد لا يقارن، بهؤلاء الأسلاف، وبات السؤال الضخم كيف حدث هذا التحول الضخم في حظوظ البشر؟ المؤكد أن الجواب وقبل الخوض فيه يحمل في طياته رداً شافياً وافياً على هنتنجتون، بما يعني أن الإنسانية كانت ولا تزال مدعوة للتعايش المشترك، وللتعاون الخلاق، ذاك الذي مهد لها هذه الصيرورة في عالمنا المعاصر. الجواب يقودنا حكماً ونحن نتأمل مسار الإنسانية إلى القول إن البشرية التي خبرت قيام وسقوط الإمبراطوريات، وعاشت حروباً طاحنة، وامتلأت أرجاؤها بظواهر الطبيعة الغاضبة، ومرات بالأوبئة الفتاكة، قد وجدت رغم كل ذلك سبلا ما للتعايش الإنساني، ولإكمال مسيرة البشرية، وعليه فلم يقدر لشعب بعينه أن يقوم بإبادة شعب آخر، ولا سادت رؤية ايديولوجية بعينها على باقي النظريات، وبالقدر نفسه على مسار الأديان والثقافات التي انتشرت عبر عدة آلاف من السنين، سواء تلك المعروفة بالأديان التوحيدية الإبراهيمية، أو المذاهب الوضعية، لم يحدث أن سيطرت ديانة بعينها وأخضعت الخليقة لها طوعاً أو قسراً، ما يعني أن التعددية سنة من سنن الله في الكون، وأنه لكي تستقيم أحوال البشر فإنه لابد لهم من الإيمان بتلك الحتمية التاريخية.
والثابت أنه في ظل التباس المشاهد في العقدين الأخيرين من القرن الحادي والعشرين، يضحى التساؤل شاقاً وصعباً والأصعب هو البحث عن جواب السؤال المتقدم ومآلات الإنسانية.
أحد أفضل العقول الذي يقدم لنا رؤية محلقة عن الشبكة الإنسانية عبر التاريخ العالمي، يعد المؤرخ والمؤلف الأمريكي «وليام هاردي مكنيل»، والذي قدمت له سلسلة عالم المعرفة في شهر مارس الماضي مؤلفاً حقيقا بأن يقرأ ويناقش، يدرس ويكتب عنه، يقع في نحو خمسمائة صفحة تعد تراثاً إنسانياً بليغاً، يرشدنا إلى سبل الحياة لا إلى طرق الفناء. ولعل الرؤية المحورية التي يحاول المؤلف تقديمها وغالباً ما ستحل لنا جزءاً من الأحجية الحالية، تتصل بأنه في كل حالة انتقال للمركز الحضاري، كانت الحضارة الإنسانية تزداد تعقيداً على مرحلتها السابقة، وتدمج طوعاً أو كرهاً مزيدا من البشر ضمن دائرتها، فيتقارب البشر فيها حول نماذج وممارسات وأفكار بعينها، ويزداد في الوقت نفسه الافتراق بين متصدري العملية الحضارية والمقطوعين عنها». تفك لنا هذه الرؤية المحورية عدداً من لوغاريتمات المشهد الدولي الآني، ذلك أن قلب ومحور العالم القديم والذي كان الغرب تقليدياً، سواء في أوروبا لنحو أربعة قرون ونيف، وإلى ظهور الولايات المتحدة الأمريكية في شكلها الحالي عقب الحرب العالمية الثانية، قد بدأ يتغير وينتقل إلى الجانب الآسيوي بنوع خاص، والصين بلا شك في قلب المركز الحضاري الإنساني الجديد، وهذا ما يفسر لنا الصراع الجيواستراتيجي الحادث بين واشنطن مالئة الدنيا وشاغلة الناس، وبين بكين التي أضحت في مرحلة شبه إمبراطورية، سيما عبر ما يتوافر لها من احتياطيات نقدية هائلة، وفي هذا الإطار يتفهم المرء لماذا يبادر الرئيس الأمريكي بفرض جمارك تصل إلى 60 مليار دولار على واردات الصين، ويخيل إليه أنه عبر أفكار بائع العقارات وصانع الصفقات يمكنه أن يغير مجرى التاريخ أو يعدل مسارات الأزمنة، ويغيب عن ناظره أن هناك سننا طبيعية في التعديل والتبديل، قد مضت بها الحياة البشرية، وأنه مهما امتلكت بلاده من الرؤوس النووية ، فإن شيئاً لن يتغير، سوى تعميق الخلاقات بدون انتظار لحلول في المدى المنظور. يلفت «مكنيل» عبر سطور مؤلفه إلى أن أبحاث التاريخ العالمي تؤكد على أن الحضارة الإنسانية واحدة، وأنها انتقلت من هذا المركز إلى ذاك، مع حدوث إضافات وتحولات مع كل عملية انتقال، ومع تقارب البشر حول نموذج واحد للدولة والمجتمع، وفي الوقت عينه حدوث افتراق في الحالة الإنسانية بناء على مدى الاندماج في آخر مرحلة للتطور الحضاري أو القطيعة معها.
حديث «مكنيل» تثبته كتب التاريخ وأضابير الأحداث فقد بدأ التقدم الإنساني في جنوب غرب آسيا ومصر ووادي السند، وهي الحضارات أو الحضارة الواحدة التي يسميها المؤلف «ممر النيل – السند»، ومنها انتشرت الحضارة، بما فيها من التعقيد المتزايد في المجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة والتنسيق المتزايد للجهد البشري اللذان تكشفا في حياة الحضر، إلى مجتمعات أخرى في شرق آسيا وجنوبها حيث الصين والهند. لم يكن للمسيرة البشرية أن تتوقف حين تلاشت حضارات قديمة ملأت الدنيا ضجيجاً، وأفرزت نتاجاً ثرياً على كافة الأصعدة، فقد كان ولابد من ظهور مراكز حضارية جديدة حول العالم، فقد انتقلت سياقات الحضارة وإفرازات النهضة إلى جنوب أوروبا مع الحضارة اليونانية – الرومانية، ثم عاد المركز الحضاري إلى جنوب غرب آسيا ومصر مع ظهور الإسلام، ثم ينتقل إلى أوروبا الغربية ليعم بعدها العالم بأسره شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً.
فعلى سبيل المثال في ممر النيل – السند الذي شمل الحضارات المتفاعلة التي قامت في وديان مصر وبلاد ما بين النهرين وبلاد السند، تحول البشر من حياة الترحال ونمط الصيد والجمع، صيد الحيوان والطيور، وجمع الثمار والحبوب، إلى حياة الاستقرار والزراعة التي انبثقت عنها المدينة والحياة الحضرية، التي قامت على الإنتاج الزراعي القروي، ووفرت له احتياجاته الأمنية كالحماية من اللصوص، واحتياجاته الإنتاجية من أدوات كالفؤوس والمناجل والمحاريث الحديدية وتجهيزات كالقنوات والحواجز النهرية في مقابل الحصول من الريف على الريوع والضرائب.
ومن هنا ظهر نموذج الدولة الإمبراطورية التي رعت الحضارة ووسعت الاتصالات والروابط بين البشر ونسقت الجهد البشري على نحو غير مسبوق، ثم انتقل هذا النموذج إلى شرق آسيا، وهناك قامت الحضارة الصينية على محاصيل أخرى كالأرز، لكنها قامت على الدولة الإمبراطورية نفسها، والتكافل بين الريف والحضر.
وبالتزامن مع ذلك كانت الجماعات البشرية في الأمريكتين، اللتين شكلتا عالماً منفصلاً حتى العام 1492، تتطور في اتجاهات مماثلة لهذا التطور الأوراسي، وإن ظلت متخلفة عنه نوعياً وكمياً بسبب صغر حجمها وبيئتها وأنواعها النباتية والحيوانية غير المواتية للاتصال مقارنة بأوراسيا.
قراءة القديم تلقي بظلالها ولا شك على الأوضاع المعاصرة، وهنا شكل جديد من أشكال الإثارة، فلم تعد مسألة تغير المركز الحضارية مسألة يسيرة فهناك علاقة قوية بين المراكز والتخوم، بعضها أوجدته قرون الاستعمار الحديث بأدواته المختلفة وفي المقدمة منها العسكرية والقوة المسلحة، والبعض الآخر نتج عن الاستعمار الحديث في صورة الضغوطات المالية والمعرفية، وعليه فإن التحولات الآن حتماً ستكون ولادة متعثرة ومآزقها ستكون أشمل وأضخم، والخوف أيضاً أن تكون خسائرها أيضاً على هذا النحو.
على سبيل المثال ما يحدث بين أوروبا وأمريكا من ناحية، وبين أوروبا وآسيا من ناحية ثانية، فالعلاقة العضوية بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين أوروبا والتي استمرت قوية طوال سبعة عقود وأزيد ها هي تعاني اليوم من ملامح تفكك وتفسخ غير مسبوقتين، سيما منذ مجيء الرئيس ترامب إلى السلطة، وهو الرجل الذي لا يهتم إلا ببلاده ويسعى لأن تكون أمريكا من جديد رقما واحدا حول العالم، الأمر الذي دفعه للتضييق على الشركاء الأوروبيين، ومطالبتهم بحصص اكبر في تمويل الناتو، وفرض ضرائب عليهم وعلى منتجاتهم الأمر الذي جعل أحد المسؤولين الألمان الكبار مؤخراً يصرح بالقول: إن بلاده تعيش تحت استعمار أمريكي وأنه حان الوقت للخلاص من هذا الوضع الذي طال.
وبالانتقال إلى مجال جيوبولتيكي مغاير، أي العلاقات ما بين أوروبا وآسيا، فإننا نجد تقارباً واضحاً جداً لاسيما بعد أن زالت فكرة العدو الشيوعي الذي يتهدد دول أوروبا الغربية، تلك الفكرة التي مكنت الناتو من البقاء طويلاً في دول أوروبا بحجة الدفاع عنها.
تحرك المراكز الحضارية اليوم يطرح فكرة ربما لم تكن تخطر على بال أحد خلال العقود السابقة، ونعني بها طرح «أوراسيا» كمركز حضاري عالمي جديد يشمل أوروبا وآسيا، ذاك الذي لم يغب عن أعين كبار رجالات أوروبا مثل رئيس فرنسا الأشهر شارل ديجول، وفيه كان الحلم بقيام ونشوء علاقة عضوية بين الأوروبيين والآسيويين، لاسيما وأن الجغرافيا تدعمهم وتزخمهم من المحيط الأطلسي غرباً إلى جبال الأورال غرباً.
تحركات المراكز الحضارية كفيلة بخلق أوضاع سياسية مغايرة لما كانت عليه أحوال العالم طوال المائة عام الأخيرة، وغير مستبعد أن تنشأ حروب من أجل إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، وما يجري في بحر الصين الجنوبي خير دليل على ذلك، ففيما الصين تسعى لبناء جزر صناعية في منطقة ترى أنها تقع ضمن حدود مياهها الإقليمية، تؤكد واشنطن أنها مياه دولية، ومن هنا لن تقتصر المواجهة على المراكز الحضارية، إذ ستجد التخوم الدائرة في الفلكين الصيني والأمريكي أنفسها في مواجهة بالتبعية ما يعني أن أوضاع البشرية ستبقى قلقة وحائرة ومضطربة لعقود قادمة.
يطرح «ماكينل» في نهاية عمله الكبير عدة علامات استفهام تعطي قارئها إحساساً بعدم الأمان، من عينة إلى متى ستستمر التدفقات المعقدة التي تمدنا بأسباب الحياة، ولا يقصد هنا تدفقات الغذاء والطاقة وحسب، بل أيضاً تدفقات المعاني والآمال والتطلعات التي توحد البشر وتفصل بينهم بحدة أكثر من أي وقت مضى.
ويتساءل: هل ستنجو الحياة البشرية في عصر تحول مراكز الحضارات من الكوارث المستقبلية السياسية والعسكرية، الأحيائية والبيئية؟ وهل ستعرقل أنماط الحياة الحضرية التناسل الثقافي والأحيائي؟ وهل يستطيع البشر أن يتكيفوا بطريقة أو بأخرى مع ظروف جديدة تماماً، في معظمها من صنعنا كما فعل أسلافنا في الأزمان الماضية؟
والخلاصة أننا لكي نحافظ على ما في أيدينا، يتحتم علينا وعلى ذريتنا أن نغير طرقنا بأن نتعلم أن نعيش في آن معاً في شبكة كونية وفي جماعات أولية مختلفة ومتنوعة، وغير ذلك سوف يؤدي بنا إلى انهيار الشبكة الإنسانية الحالية، وهو ما قد يؤدي إلى إفقار شامل وانقراض كارثي، فانظر ماذا تُرى البشرية فاعلة؟.