فــتاوى لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة

الاعتقاد على ما يشهده الإنسان في النوم لا يعوّل عليه –
ﻫﻞ ﻳﺠﻮﺯ ﻟــﻲ ﺃﻥ ﺃﻋﺘﻘﺪ ﻣﺎ ﺃﺭﺍﻩ ﻓــﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﻭﺃﻣــﻮﺭ ﺍﻵﺧﺮﺓ، ﻓﻤﺜﻼ ﺭﺃﻳﺖ ذات ليلة قبرا من القبور ورأيت ﺃﻥ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻘﺒﺮ مدداً أو طريقاً ﺇﻟﻰ ﺟﻬﻨﻢ ﻳﺴــﺘﻤﺪ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻌﺬﺍﺏ، ﻛﺬﻟﻚ ﻫﻞ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺃﻋﺘﻘﺪ ﺑﻤﺼﻴﺮ ﻧﺎﺱ ﺭﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﻋﺎﻗﺒﺘﻬــﻢ ﺍﻟﻨﺎﺭ، ﻓﻤﺜﻼ أحضر لي في المنام ذات ليلية إنسان قد مات قريبا، فسألته عن مصيره فأخبرني أنه في النار. وسألته عن فرعون وأمثاله فقال إني أجدهم في النار، فهل يجوز لي أ، أعتقد بما رأيت؟

ﺍﻻﻋﺘﻘﺎﺩ ﺛﻤﺮﺓ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ، ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﻘــﺎﺩ ﻻ ﻳﺜﺒﺖ ﺑﺎﻟﻨﻘﻮﻝ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺗﺮﺓ، ﺃﻭ ﺑﺎﻟﻨﻘﻮﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻏﻴﺮ ﻧﺎﺻﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﻟﻮﻻﺗﻬﺎ، ﻓﻼ ﻳﺴــﻮﻍ ﺃﻥ ﻳﺴــﺘﻨﺘﺞ ﻣﻨﻬﺎ المعتقد بطريق الاســتنباط، فكيف يعول في الاعتقاد على ما يشهده الإنسان في النوم، ومــن المحتمل أن يتصور له الشــيطان فيلقي عليــه ما يلقيه من الشــبهات التي هي بمنأى عن الحقيقــة، فكيف مع ذلك يعــول على هذه الشبهات فيجزم بذلك، نعم يمكن للإنسان إذا رأى خيرا في النوم أن يتفاءل بذلك الخير، فــإذا رأى ميتا في النوم يخبره بأنه ســعيد وأنه من أهل الخير، وأن االله سبحانه وتعالى أكرمه بحسن الخاتمة، وأن االله سبحانه وتعالى أكرمه بالتوبة والمغفرة، يرجو له الخيــر، ولكن بجانب ذلك لا يقطــع بأن هذا الميت من أهل الســعادة، وكذلك إذا رأى العكس يعتبر بهذه الرؤيا ويخشى االله سبحانه وتعالى، ويسأل االله حسن الخاتمة، وأن يجيره من النار، ولكنــه لا يعتقد اعتقاداً جازما بأن الواقع كما رأى. واالله أعلم.

يعــزف بعض الطلبة عن التعمق في دراســة قســم العقيــدة، وذلك لما يرونه من عدم أهمية هذا القســم في الحياة الدينيــة والعملية، ومن بين اســتدلالاتهم على ما يرون أن كثيــرا من العلماء فــي معرض حديثهم يهيبون بالتعمق في دراســة الفقه، حتى وصل الحــال إلى وجود أفكار تنبعث من بين الطلبة داعية للابتعاد عن التخصص في هذا القســم، بين لنا جزاكم الله خيــرا تلك المكانة التي يحتلها هذا القســم بين أقســام الشريعة الإســلامية، دامغا تلك الأفكار، مع إيماننا بأن الدين الإسلامي الحنيف كل متكامل يكمل بعضه بعضا؟

العزوف عن دراســة العقيدة خطــأ كبير؛ فإن العقيدة هــي قاعدة العمل وأســاس الاســتقامة، ومصدر كل خير يأتي به العبد، وحســبكم أن القرآن الكريم عُني بالعقيــدة أكثر مما عنــي بالفقه، فما تَحَدُّثُه عــن آيات الله في الأنفس وفي الآفاق إلا لترســيخ العقيدة وتعميق جذورها، وكثيرا ما تتخلل آيات الأحكام آيــات ترتبط بالعقيدة، بل نجد نفس آيــات الأحكام كثيرا ما تختم بفواصل عقدية، وما ذلك إلا لأهميــة العقيدة، كيف والإيمان هو أهم سبب من أســباب النجاة كما يدل عليه تصديره على العمل فيما لا يحصى من آيات القرآن، فلينتبــه أولئك الذين يزهدون أو يُزهّدون في هذا العلم، وليرجعوا إلى صوابهم، والله أعلم.

الذي يردد أن الاختلاف بين العلماء رحمة، هل الاختلاف في المســائل الفقهية أم ـ أيضا ـ يشمل المسائل العقائدية؟

الاختلاف في المســائل الفقهيــة هو اختلاف رحمــة، وإن كانت بعض المسائل العقدية لا تصل إلى القطع لعدم وجود دليل قطعي يدل على ما هو الحق، كالاختلاف في الجنة التي كان فيهــا آدم، هل هي جنة الخلد أو جنة في الأرض؟ وإنما كان القول الأمثل يتأيــد بحجج ظنية لا تصل إلى درجة القطعيــة، فإن الاختلاف في ذلك لا يعدو أن يكــون من باب الاختلاف في الرأي الذي يحمــد ويعد رحمة، أما إن كان الأمر بخــلاف ذلك بحيث يرُدُّ المخالــف دليلا قطعيا ثابتا في كتاب الله ـ تعالى ـ أو في ســنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة وكانت دلالته على الحكم نصية فإن هذا الاختلاف مذموم ولا يعد رحمة بل هو نقمة، وذلك حتى في المســائل الفقهية لــو رد أحد من الناس حكما فقهيا منصوصا عليه في كتاب الله ـ تعالى ـ أو في السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعد ذلك الاختلاف رحمة.. فالاختلاف الذي هو رحمة إنما هو الاختلاف في فهم الأدلة إذا كانت ليست نصية، وكذلك يكون الاختلاف
رحمة عندما يكون في ترجيــح دليل على دليل آخر إذا كانت هذه الأدلة في نفســها ظنية من حيث ثبوتها وذلك كالأحاديث الآحادية أو تكون ظنية من حيث دلالاتها، وذلك في الأدلة غير النصية؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.

ما هو الســن الأمثل الذي يكون فيه الطفل قادرا على اســتيعاب التربية العقدية؟

ذلك يختلف باختلاف مدارك الأطفال، فمن الأطفال من يكونون مهيئين في مرحلة مبكرة لإدراك مثل هذه القضايا، ومنهم من يكونون بليدي الأذهان فتراعى هذه المدارك وتفاوته، فمن كان ألمعيّا قادرا على الاستيعاب يغذى بالمعارف في مرحلة مبكرة، ومن كان بخلاف ذلك يراعى فيه ـ أيضا ـ هذا الجانب ويعطى من الجرعات بقدر ما تحتمله مداركه. والله أعلم.

ما حكم من يهزأ من آراء من خالفه في الرأي في المسائل الفرعية بحجة ان الصواب والسنة مع العالم الذي يتبعه؟

مسائل الرأي يجب ألا يهزأ أحد فيها من رأي غيره، ما دام كل ذي رأي منها ينشد الحق ويحرص على اتباع ما يراه أرجح وليست أدلة شيء من تل الأقوال قطعية حتى يقطع عذر من خالفها، فإن الاختلاف فيها محمود، وعلى الإنسان أن لا يدعي العصمة لنفسه، بل عليه في مسائل الرأي أن يقول: «قولس صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب» لأنه يرى ان قوله صواب بسبب ما ترجح عنده من الدليل، ويرى قول غيره خطأ بسبب انه يرى الدليل يعضد غير ذلك القول، ولكن صوابه الذي يراه يحتمل الخطأ، وما يراه عند غيره من خطأ يحتمل الصواب، فهكذا مسائل الرأي، ليس للإنسان ان يهزأ فيها من رأي غيره، أو أن يسفهه، والله ـ تعالى ـ أعلم.