الإنسان الصالح يتصرف بمسؤولية.. والفاسد دائما طريقه الالتفاف

حظوظ الشخص الصالح –
هلال بن علي اللواتي –

لا يمكن تهميش المباني المعرفية، أو غض الطرف عنها بأي حال من الأحوال، أو تجاوزها، فلا بد من أخذها في عين الاعتبار في كل عملية من العمليات الإنسانية التي يقوم بها كل فرد أو كل مؤسسة، فإن تلكم المباني المعرفية تشكل القاعدة الأساسية التي تنطلق منها المهارات والسلوكيات، وتتشكل وفقها شخصية الإنسان.

ينظر إلى موضوع الرجل الصالح وموقعه في المجتمع وإلى مسؤولياته وهل يوضع فيها بالاستحقاق من عدة حيثيات منها: من الحيثية الذاتية وكفاءاته، وتتفرع هذه الحيثية إلى مجموعة أقسام منها ما يتعلق بمستواه العلمي التخصصي، ومنها ما يتعلق بمهاراته وأدائه، ومنها ما يتعلق بأفق وعيه ورسمه للاستراتيجيات، ومنها ما يتعلق بصفاته الأخلاقية والآداب الاتيكيت، ومن حيثية مهامه المنصبية، ومن حيثية الجهة المسؤولة عن توظيفه، وهذه الحيثية أيضا تتفرع إلى عدة فروع وأقسام، منها ما يتعلق بكفاءات التوزيع حسب منظومة إدارة الموارد البشرية ومتطلباتها، ومنها ما يتعلق بمستوى تجرد المسؤول عن عواطفه ومحسوبياته، ومنها ما يتعلق بحجم التكليف الإداري، وهناك حيثيات أخرى تدخل في تحديد موقعية الرجل الصالح في موضع عمله، نتركها لكفاية ما ذكرناه للطرح في هذه المقالة، وسوف نتعرض إليها في ضمن السياق إن شاء الله تعالى.
وقد يُبحث في مقام مفهوم الصالح بلحاظين: الأول: الصلاح بلحاظه القيمي، والثاني: بلحاظ الرؤية الشخصية التي يتبناها الفرد المسؤول مثلاً، ولا شك في أن الصلاح لا ينبغي أن يخضع للرأي الشخصي وللتقييم المعتمد على الأهواء والرغبات الشخصية، فبهذه الحالة سوف تعم الفوضى بين بني البشر، إذن لا بد وأن يكون الصلاح يحملا في نفسه القيم الصحيحة، فمقومات الصلاح ذاتية، تنبع من ذاتيات الصلاح، وتؤيدها «الاحتياج الذاتي» للإنسان الذي يتقوم بالتصميم والتركيبة الوجودية التي صمم عليها الإنسان منذ أولى مراحل خلقته، وبهذا سوف يُقفل باب المحسوبيات والإقصاء والعزلة ووضعه في محل غير تخصصه ومؤهلاته.
ولا شك في أن الشخص الصالح لا يتمكن أن يضع نفسه في الموضع المناسب له من تلقاء نفسه، فإن دور المسؤول كإدارة الموارد البشرية، أو المسؤول المختص هو الأساس في توزيع الشخص الصالح حيث يتمكن من تفعيل قدراته ومؤهلاته بالشكل الصحيح ومنتج ومثمر، وهنا تكون المسؤولية الملقاة على عاتق الموزع والمدير توزيع المؤهلات في محالها كبيرة جدًا، فهل تقوم الجهات المختصة كإدارة الموارد البشرية بوضع الأشخاص المناسبين في المحال التي تناسب ومؤهلاتهم أم لا؟
الجواب: لا شك أن الإدارة الحديثة تسعى وبجهد جهيد في توزيع المؤهلات المناسبة في الأمكنة المناسبة، حيث ترغب كل المؤسسات في تطوير مشاريعها ونفسها وبالخصوص حيث أن السوق التنافسية على أشدها، وهذا النجاح والأسبقية والأفضلية لن تتحقق إلا بظهور المهارات القوية والقادرة على الإنتاج والتطوير والتنمية، الأمر الذي قد يبعث الاطمئنان في النفس على أن الوعي في المؤسسات بدأ يقوى، ويشتد في وضع الرجل المناسب في المحل المناسب.
إلا النفس الإنسانية تظل نفسًا إنسانية، تتصارع فيها الإرادات والقوى لتأخذ المحل القيادي فيها، وهذا الصراع الداخلي لا شك ينعكس على الواقع الحياتي، فيظهر الصراع الداخلي للنفس بأشكال وصور متعددة، فقد يظهر على شكل الحب أو على شكل البغض، أو على شكل صناعة المهارة، أو على شكل النقاش، أو على شكل التخطيط الهندسي، وغيرها من الأشكال، وهنا إذا لم يتم التحكم الإيجابي على ما بداخل النفس البشرية فإن التحكم على السلوك الخارجي سوف يكون صعبًا.
ولنقرب المعنى بالصيغة الآتية.. فهناك فرق كبير بين «المهارات اللينة» (Soft Skills)، وبين «المهارات الصلبة» (Hard Skills)، البحث فيها والعمل على تحقيقها وتطويرها أمر جميل؛ إلا أن المشكلة التي قد لا يلتفت إليها الكثيرون بسبب تغلف أغلب البرامج بأغلفة تجارية تسويقية لغرض تحصيل الأرباح، وهذه المشكلة تتخلص في الآتي: ما هي الدوافع وراء استعمال المهارات؟، وهل لهذه الدوافع أي أثر على أداء وفاعلية المهارات على أرض الواقع؟، ولنقرب المطلب عن موضوع الدوافع بهذا السؤال: هل يمكن أن تمارس المهارة بدوافع تخالف القيم الإنسانية؟، وهل البشرية مستعدة للمخاطرة في استعمال مثل هذه المهارات؟، أظن لو كان هناك طبيبا حاذقا وبارعا في أدق العمليات الجراحية، ولكن كان هذا الطبيب محسوبا على جهات غير مرضية دوليًا، ولربما يكون مطلوبا دوليا؛ وأصيب رجلٌ مهمٌ وهو شخصية بارزة دوليًا بما يحتاج إلى إجراء عملية جراحية، وكان العلاج الناجع غير متوفر إلا بيد هذا الطبيب فهل يستطيع أن يخاطر بحياة تلك الشخصية؟!، الجواب هو: ستتم الاستعانة بأطباء أقل منه درجة، ولكن الاستعانة بتلك الشخصية المطلوبة دوليًا سيكون أمرًا غير مقبول لدى الجهات المسؤولة ولدى العقلاء، إذن فإننا لا ننظر إلى المهارة بمعزل عن «الدوافع» وعن تاريخ صاحب المهارة، الأمر الذي يقودنا إلى الإعلان عن ضرورة الاهتمام بأمر آخر، وهو على حسب معطيات «علم النور» لا يقل أهمية عن ذات المهارة بل ويفوقها أهمية وهذا الأمر هو: «مصدر المهارات والصفات» (Source of the Adjectives and Skills).
وهنا ما يمكن تسميته بــ«مصنع الدوافع (The Factory of Motivation)، إذ يتبين أننا معاشر البشر نقدم «الدوافع» على المهارات مهما كانت ابتكارية، لأن عقولنا تدخلنا إلى عوالم النوايا، وهذا أمر مستساغ ومطلوب، بل ويدعو إليه العقلاء، فلو اندفع المرء إلى تبني صاحب المهارة ومن دون استبيان نواياه ودوافعه، ومن ثم قام بفعل غير صحيح لاستحق داعيه نقد العقلاء، ولربما عرض نفسه إلى العقوبة، واما استبيان الدوافع أمر غير صعب، وطرقه كثيرة، والأمر سهل. وعندما نرجع الأمر إلى الدوافع فهذا لا يعني أنها هي المصدر الأساسي للسلوك البشري، بل هناك مصدر أساسي تصدر منه الدوافع، وهو يعد المنبع الذي يلون الدوافع بألوان مختلفة، والتي مجمعها عنوان «الفضيلة» و«الرذيلة»، إذ لا يمكن لأي سلوك أن يخرج عن هاتين الصفتين، فمرجع جميع الدوافع والصفات إليهما، نعم سيبقى الكلام حول كيفية معرفة ما هو الفضيلة وما هو الرذيلة، وعن معيار التمييز قائما، والأمر في هذه الناحية أيضا سهل إن شاء الله تعالى، وإننا وجدنا الأقدمين قد بحثوا في هذا المجال وانتهوا إلى تحديد مصدر الصفات والتي تعتمد عليها المهارات في تقييمها وتثمينها، وفي تقييم صاحبها وتثمينه.
ونجد المؤسسات بكافة أنواعها وتوجهاتها لا يمكن أن تعين أو تختار من كانت دوافعه غير سلمية، أو كان يحمل تاريخًا غير صحي يتعلق بنفسيته أو عقله أو سلوكه، فلا يكتفون بالمهارات البدنية أو اليدوية أو الفكرية وغيرها، وهذا دليل أيضًا على أن المهارات بما هي هي غير مطلوبة مستقلة عن المتبنيات العقلية والفكرية، وعن المباني المعرفية التي تعتمد عليه، الأمر الذي يؤكد على ضرورة النظر إلى عالم الذات الداخلي، وكيف يعمل، وكيف يمكن إجراء التغييرات عليه، وما هي السبل لتحفيزه، وتطويره بما يتوافق وبيئة «الاحتياج الذاتي» الشامل. إذن.. لا يمكن تهميش المباني المعرفية، أو غض الطرف عنها بأي حال من الأحوال، أو تجاوزها، فلا بد من أخذها في عين الاعتبار في كل عملية من العمليات الإنسانية التي يقوم بها كل فرد أو كل مؤسسة، فإن تلكم المباني المعرفية تشكل القاعدة الأساسية التي تنطلق منها المهارات والسلوكيات، وتتشكل وفقها شخصية الإنسان.
فالإنسان الصالح يتحدد بمجموعة من المعايير القيمية التي تحمل في ذاته قيمة لها، فينبغي أن يختار يوضع في محله المناسب مع عدم الغفلة عن تطوير مهاراته ومستواه العلمي، وأما الجهة التي تقوم بتوظيفه فإن تراعي المعيار الموضوعي البعيد عن الشخصنة والمحسوبيات والإقصاء غير المبرر، والتهميش الكيدي أو التغافل عنه لزيادة الضغوط عليه حتى يقدم على الاستقالة، بقي أن نتعرف على أمر مهم وهو: ومثل هذه الإشكاليات غير مختصة بالمجتمع الشرقي، كلا، فإن مثل تلك التصرفات غير الموضوعية وغير المنصفة تتبع الصفات التي يتحلى بها الإنسان المسؤول على التوزيع، ولهذا من الجيد أن تكون له أوقات المحاسبة مع الذات، والاستعداد النفسي على تغيير ما ينبغي تغييره وفق المعادلات الصحيحة، وبشكل دائم كي لا يقع في محذور الإقصاء والتهميش والتغييب والتغيير والتبديل والتنقيل غير المبرر عقلا ولا شرعا ولا قانونا ولا عرفا، وأن ينتبه من يكون في مثل هذا الموقع من أن هناك مبدأ بقوة القانون والمعادلة الرياضية مفاده: «كما تدين تدان»، ولتكن المصلحة العليا والوعي لها نصب عين المسؤول على ذلك، وأن يكون مراقبا ومحاسبا نفسه وبشكل مستمر، ولا يتنسى الدعاء بالتوفيق في كل مهمة في الحياة، فإن الإنسان لا يتمكن من أن يخطو خطوة من دون الأقدار الإلهي، ومن دون توفيق منه.

 

تعامل الإسلام مع المفسدين في الأرض –
د. يوسف السرحني –

يُعد الفساد في الأرض بكل صوره وأشكاله ظاهرة اجتماعية بغيضة مقيتة، وآفة من آفات المجتمعات الإنسانية، ومرضًا خطيرًا، وداءً عضالًا، الفساد في الأرض حقيقته تخريب وتدمير، وإهلاك وإضرار لكل جوانب الحياة، ومرافق المجتمع الإنساني، ومطالب الناس وشؤونهم، لذا فإن الفساد ممقوت فطرةً، محرم شرعًا، ومجرم قانونًا، وقد عرف الشيخ محمد متولي الشعراوي الفساد في الأرض في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) سورة البقرة الآية»11» بقوله: «الفساد في الأرض هو أن تعمد إلى الصالح فتفسده».

ونحن إذا جئنا إلى كتاب الله تبارك وتعالى نجد أن في الغالب لا يذكر الفساد في الكتاب العزيز إلا وتذكر الأرض معه أو الإشارة إليها، بمعنى آخر ما ذكرت كلمة الفساد في القرآن الكريم في غالب استعمالاتها إلا جاءت مقترنة بكلمة الأرض أو ما يشير إلى الأرض، فقد وردت مادة (فسد) في القرآن الكريم خمسين مرة بثماني عشرة صيغة مختلفة، ويفهم من هذا أن ظاهرة الفساد في الأرض ليست ظاهرة فردية، أو فئوية، وليست ظاهرةً ضيقةً محدودةً؛ زمانًا أو مكانًا أو أقوامًا، وإنما هي ظاهرة كونية عامة تشمل كل مجتمع إنساني إن وجدت فيه أسباب الفساد بفعل الإنسان، فالفساد في الأرض سببه ما كسبت أيدي الناس، سببه طغيان الإنسان، وانحرافه عن منهج الله تعالى، وتنكبه عن الصراط المستقيم، وبعده عن أحكام، ومبادئ، وتعاليم الشرع الشريف، وتجاوزه الحد في كل شيء، يقول الله تعالى: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» سورة الروم الآية(41) ويقول تعالى: «كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ» سورة العلق الآيتان(6-7) ويقول تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» سورة الفجر الآيات (6-14) ويقول تعالى حكاية عن ملكة سبأ: «قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ» سورة النمل الآية (34).
الفساد صفة ملازمة لليهود ناقضي العهود ومشعلي الفتن، كما أنها صفة ملازمة للمنافقين والمتكبرين؛ يقول الله تعالى في شأن اليهود: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّـهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّـهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» سورة المائدة الآية (64) ويقول تعالى في شأن المنافقين: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ» سورة البقرة الآيتان (11-12) فلا عجب أن يظهر المفسد أمام الناس أنه مصلح لحاجة في نفسه، فنجده يدَّعي الإصلاح، وهو لا يدري أين محراب المسجد، ويدَّعي الإصلاح، وهو يلتف على القوانين لتحقيق مصالحه، ويدعي الإصلاح، وهو لا يراعي حقوق الآخرين، ويدعي الإصلاح، وهو لا يكترث بقضاء حوائج الناس، ويدعي الإصلاح، وهو يستغل نفوذه، ويدعي الإصلاح، وهو يفرض آراءه، ويدعي الإصلاح، وهو يتجاهل عيوبه، ويدَّعي الإصلاح، وهو لا يقيم لليوم الآخر وزنًا، ولا للعاقبة حسابًا.
ولا عجب أن يتهم المفسدُ المصلحَ أنه يريد الإفساد في الأرض، فهذه تهمة قديمة تدل على الإفلاس، والفشل، وتدل على الانهزامية، والسقوط، وهي فرية عفى عليها الزمن، لكن لغباء المفسدين في الأرض في كل عصر، وجهلهم المركب ما زالوا يتغنون بها، ويستخدمونها، ويصدحون بها ليل نهار، مقتفين في ذلك أثر إمامهم فرعون الذي كان يتهم موسى -عليه السلام- بذلك عبر آلياته الإعلامية، ووسائله الدعائية آنذاك، وعبر طرق التشويش والتضليل، وقلب الحقائق المتوفرة لديه، فكان يقول كما حكى الله تعالى عنه: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ» سورة غافر الآية (26) ويقول تعالى في شأن المتكبرين: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّـهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّـهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ» سورة البقرة الآيات (204-206).
للفساد صور شتى منها: الفساد الديني، والفساد الأخلاقي، والفساد السياسي، والفساد الإداري أو الوظيفي، والفساد البيئي؛ فالفساد الديني هو أس صور الفساد الأخرى، وقد اتخذ الفساد الديني صورًا شتى على رأسها إنكار وجود الله تعالى، أو الإشراك به، وكذا تبني الفكر الإرجائي الذي فرغ جملة (لا إله إلا الله) من مضمونها وجوهرها. أمَّا الفساد الأخلاقي فيتمثل في التجرد من الفضائل، والتخلي عن القيم؛ مما أدى إلى ممارسة الرذائل، وغشيان المنكرات، والتنصل عن المبادئ، وهذا يؤذن بذهاب الأمم وهلاكها، وفي هذا يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ومن الفساد الأخلاقي الإخلال بالأمانة بمفهومها الواسع، والتقصير في الواجب بكل أنواعه، أمَّا الفساد السياسي فهو الاستبداد، والتحكم في رقاب الناس وثرواتهم، أمَّا الفساد الإداري أو الوظيفي فيتمثل في استغلال المناصب والوظائف؛ بجعلها سلمًا للوجاهة والشخصنة، أو سلمًا لتحقيق أغراض شخصية، وأطماع فردية، أو سلمًا للتسلق على حساب الآخرين، أو سلمًا للتشفي والإقصاء، أو سلمًا للمحسوبية والمحاباة، أو سلمًا للتزلف والحظوة، وكذا يتمثل في السرقة والاختلاس، والرشوة والتحايل على القوانين، إضافة إلى استغلال الثغرات الموجودة في اللوائح المنظمة؛ كل ذلك لأجل جمع الثروة وتكثيرها، والانفلات من طائلة المساءلة وسلطة القانون.
أمَّا الفساد البيئي فمعناه التلوث والتغيرات المناخية التي تطرأ على البيئة البرية والبحرية والجوية، حيث تجاوزت في هذا العصر نسبة التلوث البيئي حدًا لم يسبق له مثيل من قبل في تاريخ البشرية.
إن الفساد بكل صوره وأنواعه هو السبب الأول لزوال الحضارات، وتلاشي الأمم، وهلاك الشعوب، وانهيار الدول، ولخطورة الفساد، وآثاره السيئة، وعواقبه الوخيمة، ونتائجه المدمرة، نهى الله تعالى عنه وحذر منه في محكم كتابه العزيز، فقال سبحانه وتعالى: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّـهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ» سورة الأعراف الآية»56” ويقول الله تعالى: «وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» سورة البقرة الآية (60) ويقول تعالى: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّـهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» سورة الأعراف الآية (74) ويقول تعالى: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» سورة هود الآية (85) ويقول تعالى: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» سورة الشعراء الآية (183) ويقول الله تعالى: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) سورة الشعراء الآيتان (151-152) ويقول تعالى: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» سورة الأعراف الآية (85)

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة: «والإصلاح الذي يطلبه الله منا أن نستديمه أو نرقيه، إنما يتأتى بإيجاد مقومات الحياة على وجه جميل… وهذا إصلاح في الأرض، لكن هل هذه كل المقومات الأساسية؟ لا؛ لأنه إن وجدت كل هذه المقومات الأساسية ثم وجد الغصب، والسرقة، والرشوة، والاختلاس، فسيفسد كل شيء، ولا يعدل كل ذلك ويقيمه ويجعله سويًا إلا الدين؛ لأنه كمنهج يمنع الإفساد في الأرض».
لقد بين الله تعالى جزاء المفسدين في الأرض في الدنيا والآخرة؛ يقول الله تعالى: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم» سورة المائدة الآية (33) ويقول تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» سورة المائدة الآية» (32) ويقول تعالى: «وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» سورة الرعد الآية (25).