خطبة الجمعة: «العفو عن الزلات» أعظم وسائل الألفة وأكبر دوافع المحبة

من أهم سمات المؤمن أن يغفر وإن غضب –
المسلم المقتدي بنبيه أصفى الناس قلبا وأقرب إلى الله وأصوب في فعل الخير –

عرض: سيف بن سالم الفضيلي –
أكدت خطبة الجمعة التي تعدها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على أن من أهم سمات المؤمن أن يغفر وإن غضب، وأن من أعظم وسائل الألفة وأكبر دوافع المحبة صفاء القلب ونقاءه، ومتى كان العبد أكثر عفوا عن الزلات، وتجاوزا عن الأخطاء في حقه والإساءات، كان أقرب إلى الله، وأصوب في فعل الخير، وكان حب الناس له أكثر.

ودعت إلى أن يكون المسلمون أصفى الناس قلبا متحدين في اليسر والعسر اقتداء بهدي نبينا -صلى الله عليه وسلم- في نقاء سريرته واقتفاء آثاره في حسن خلقه وسيرته.
ونبهت إلى أن المسلم إذا رأى حقه ينتهك فلا يسوغ له التذرع بالعفو، وأوضحت أن حرص بعض الناس على الانتقام من أسبابه ضعف الإيمان .. وإلى ما جاء في الخطبة.
الحمد لله الذي جعل العفو شعار المسلمين، والصفح عن الزلات سيم الصالحين المفلحين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، حض على العفو وحبب إليه، ودعا إلى الصفح وما يقرب إليه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خير داع إلى الوفاق، ومحذر من الشقاق وسوء الأخلاق، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا عباد الله:

اتقوا الله في كل عمل، وراقبوه في السر والعلن، واعلموا أن من أعظم وسائل الألفة، وأكبر دوافع المحبة صفاء القلب ونقاءه، ومتى كان العبد أكثر عفوا عن الزلات، وتجاوزا عن الأخطاء في حقه والإساءات، كان أقرب إلى الله، وأصوب في فعل الخير، وكان حب الناس له أكثر، وما قال المؤمنون ويقولون (ولاَ تجعَل في قلوبنَا غِلاً للذين آمنوا). إلا لما علموا لها من فضل، ولنقاء النفس من أهمية وأجر، وإذا ما تأملنا وصف الله لعباده المؤمنين ألفيناه يقول عنهم (وإذا ما غضبوا هم يغفرون). تأملوا – يا عباد الله – قوله: (يغفرون) لم يقل: إذا غضبوا هم ينتقمون أو يسبون، أو يشتمون، وها هو المولى – جل وعلا- يخبرنا قصة من أعرض عن الانتقام حين قال: (لئِن بسطت إلي يدك لتقتُلني ما أنا بباسطٍ يديَ إليكَ لأقتُلك).
وان للعافي غير المنتقم لأجرا كبيرا يناله، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (فمن عَفَا وأصلحَ فأجرُهُ على الله). ولأهمية العفو وعدم الانتقام أنه كان ذلك هدي المصطفى عليه السلام، فقد قالت عنه عائشة – رضي الله عنها -: ((ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها))، ولأهميته قال أحد الصالحين: (ولم يقرن شيء إلى شيء أحسن من عفو إلى مقدرة، والحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام).

أيها المؤمنون:

إن لحرص بعض الناس على الانتقام أسبابا، منها ضعف الإيمان؛ فإن الله امتدح عباده المتقين بقوله: (والكَاظمينَ الغَيظ). ومن هو حريص عادة على الانتقام فلضعف في إيمانه؛ إذ لو كان إيمانه قويا لحرص على حسناته ألا تذهب هباء، ولحرص على إيمانه ألا يخدش بذنوب الانتقام، ومن أسباب الانتقام ضعف النفس البشرية؛ فإن المرء إن لم يروض نفسه على الصبر، وتحمل خطأ غيرها، أسرعت إلى التذمر ثم الانتقام؛ ولهذا كانت النفس محتاجة إلى مجاهدة، وقد وعد الله المجاهدين فيه هداية السبل (والذينَ جاهدوا فينا لَنَهدينهم سُبُلنا)، ولا ننسى أن الغضب سبب من أسباب الانتقام؛ ذلك أن الغضب قائد إلى عدم التحكم بالنفس، وعدم التحكم مؤد إلى شفاء الغليل بالانتقام والتشفي وغيرهما؛ لذلك كانت وصية النبي ثلاثا: ((لا تغضب))، ولذا كان من أهم سمات المؤمن أن يغفر وإن غضب، قال تعالى: (وإِذَا ما غَضِبُوا هُم يغفِرُون)، ومن أسباب الانتقام أيضا وجود سابقة سوء من المنتقم منه؛ كأن يكون سبق منه خطأ أو اعتداء؛ فيستغل الآخر الفرصة؛ فينتقم منه لأدنى شيء، ولكن تصرف العقلاء حين يحدث لهم مثل هذا أن يصبروا ويحتسبوا الأجر عند الله، ويدركوا تمام الإدراك أن للعفو لذة عظيمة يجد المرء حلاوتها في قلبه، قال أحد الحكماء: (لذة العفو أطيب من لذة التشفي) فضلا عن الأجر العظيم الذي يناله، والعاقل يدرك تماما أن الشماتة والتشفي لم يكونا يوما من شيم العقلاء فضاق عن المؤمنين المخلصين.

إخوة الإيمان:

إذا كان للانتقام أسباب فله آثار وعواقب، ولو لم يكن من عواقبه إلا أن ينقلب المجتمع غابة كئيبة لكفى، فتأملوا كيف يكون حال مجتمع لا يصفح فيه شخص عن خطأ غيره، ولا يتجاوز فيه إنسان عن مسيء، ولا عاقل عن مذنب، أيكون مجتمعا سويا عامرا بالإخاء، متوشحا بالود والصفاء؟! كلا، بل سيكون مجتمعا تسوده الشحناء والبغضاء، وكفى الانتقام قبحا ما يعيشه المنتقم من تعب نفسي، وجهد ذهني، كل ذلك تفكير في طريقة الانتقام، ووسيلة التشفي والإذلال، وأي قبح أكبر من هذا؟! قال أحد الحكماء: (أقبح أعمال المقتدرين الانتقام)، ومن الآثار التي يخلفها الانتقام أن ينتشر في المجتمع عدم ثقة الشخص بالآخر، فلمجرد خطأ في حقه، ولو دون قصد، فإنه سيظل خائفا متوجسا من تشفيه وانتقامه، فأي إسلام هذا، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))، ومن آثاره الخصام والعداوات، والهجران والمقاطعات. ونبينا يأمرنا بقوله: ((لا يحل لامرئ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال)).

أيها المسلمون:

إذا كان التشفي ممنوعا، فليس معنى هذا أن يسكت المرء عن حقه، بل إن مطالبته بحقه مشروعة، قال تعالى عن المؤمنين: (والذينَ إذا أصَابَهمُ البغيُ هُم ينتَصِرون)، فليس معنى عفو الإنسان أن يعيش جبانا عاجزا عن المطالبة بحقه، بل هذا مباح له، وإنما العفو أمر جائز، وله مواضعه، أما إن رأى الإنسان حقه ينتهك، وحماه يستباح، فلا يسوغ له التذرع بالعفو، بل يطالب بما له من حق، وإلا انتشر الباطل، وكثر الاعتداء وتجرأ الفاسدون على حقوق الناس.
فاتقوا الله – عباد الله – وكونوا عافين عن الناس صافحين، أصفياء أنقياء طاهرين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.

الحمد لله، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.

أما بعد، فيا عباد الله:

إن ابتلي الإنسان بحب الانتقام والرغبة فيه فإن ثمة علاجا لذلك وحلا، ومن ذلك أن يستشعر الأجر العظيم الذي أعده الله لمن يكظم غيظه (والكاظمينَ الغيظَ والعافِينَ عن الناسِ والله يحبُ المُحسِنِين). وأن يفكر في أسباب انتقامه، فعلاجه بعلاج سببه، فإن كان سببه ضعفا في الإيمان فليقو إيمانه، وليسع إلى طاعة ربه ومرضاته. ومن علاجه أيضا أن يتفكر في عواقب الانتقام؛ كزيادة الخصومة بين الناس، ونقض عرى المودة، وهذا لا يرضاه عاقل فضلا عن مسلم، ومن عواقبه التي ينبغي له أن يتفكر فيها فيجتنب الانتقام أن المنتقم المتشفي شخص يبغضه الله، وينبذه الناس، فأي صاحب يبقى لهذا المنتقم وهو لا يكاد يفرغ من عداوة أحد حتى ينتقل إلى آخر، فإذا فكر الإنسان في هذه العواقب ارتدعت نفسه، وكان أحرص الناس على ألفة، وأسرعهم إلى صفاء ومودة. ومن وسائل العلاج أن يقرأ الإنسان في هدي الأنبياء والمرسلين، وكيف كانوا يعاملون المخطئ في حقهم، أكانوا يصبرون أم ينتقمون؟ لا شك أنهم يصبرون ويعفون. وليتذكر محبة الله للصابرين، ومعيته (إن اللهَ مَعَ الصَابرين)، ثم ليتذكر أن هذه الدنيا قصيرة فانية، فالخير أن يشغلها الإنسان بالطاعات، لا بالخصومات والانتقام والعداوات، وليتذكر قول ربه (وكلُ صغيرٍ وكبيرٍ مُستطر)، وأن ثمة يوما يحاسب الله فيه الإنسان عن كل ما اقترف (فَمَن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يرهُ، ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يرهُ)، فإن أدرك الإنسان هذا وأنه قد يموت في أي لحظة، وأنه لن ينفعه يوم القيامة – بعد رحمة الله – إلا عمله، فإنه سيبادر إلى تصفية قلبه، وتنقيته من كل شائبة حقد، وكل حسد وبغض.
فاتقوا الله – أيها الإخوة المؤمنون – وكونوا أصفى الناس قلبا، متحدين في اليسر والعسر، واقتدوا بهدي نبيكم في نقاء سريرته، واقتفوا آثاره في حسن خلقه وسيرته، تلفوا خيرا عظيما، وأجرا كريما.
هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَ اللَهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَبِيِ يَا أَيُهَا الَذِينَ آَمَنُوا صَلُوا عَلَيهِ وَسَلِمُوا تَسلِيمًا).
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

عباد الله: (إِنَ اللَهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَكُم تَذَكَرُونَ).