من أقسام التكافل ومظاهره

د.أحمد بن يحيى الكندي –

سبق ذكر تكافل الفرد فتكافل الأسرة ثم اتساع ذلك ليشمل الجماعة، وقد خاطب الإسلام الفرد والجماعة ببث التعاون وروحه الدافعة للحراك والحياة الاجتماعية تفاعلا بناء ورقيا في التخلص من الأنانية والانكفاء على الذات ليصبح المجتمع الذي نعيش فيه جنة من التواد والتآلف والتحاب، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، ويكشف لنا الرسول صلى الله عليه وسلم صورة المجتمع المسلم الذي يدعو إليه مصورا حال أفراده في تكافلهم وتماسكهم بصورة رائعة في قوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، فبالله عليك أخي القاري الكريم أليس نبيك صلى الله عليه وسلم يدعوك هنا لتكون صورة إحساسك بآلام مجتمعك كإحساس العضو في الجسد في صورة جهاز عصبي واحد وجهاز دوري واحد، والإسلام في إطار التكافل يدعو إلى مجتمع محفوظ الحقوق والواجبات معنوية ومادية، ويصور الرسول صلى الله عليه وسلم صورة الجماعة المتكافلة التي تتعاون في شأن صلاح الجماعة ودرء الفساد عنها وإبعاد شبح خطره بمثال رائع يعبر عنه قوله: «مثل القائم على حدود الله، والواقع فيه كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا هذا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) وهذه الصورة صادقة للتكافل المادي ولكنها أصدق للتكافل المعنوي بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر ثقافة النصيحة.
وهناك التكافل بين المجتمعات الإنسانية على اختلاف أديانها وشرائعها، فمن حيث حرية المعتقد والدين شعارها{لكم دينكم ولي دين} ومن حيث الحقوق الإنسانية شعار الإسلام فيها مضمون بالخطاب القرآني {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، فالدعوة القرآنية تؤكد هنا التكافل الدولي لكي تعيش المجتمعات الإنسانية ضمن رباط من التعاون العالمي يهدف إلى تحقيق الشراكة الإنسانية بشكل صحيح من أجل إقامة تحقيق المصالح ودفع المفاسد وتبادل المنافع بين الإنسانية جمعاء، وذلك شامل لكل المنافع المادية والمعنوية، وفي كل الجوانب علمية أم ثقافية أم اقتصادية، ولكن ذلك مع محافظة كل مجتمع على خصوصياته فلا تهديد لتلك الخصوصيات ولا هدم ولا إلغاء، والقرآن يؤسس لمثل هذا التكافل في الآية الكريمة من خلال التأكيد على أساس ذلك التكافل وأصل منشئه، وهو وحدة أصلهم وجنسهم وضرورة تبادل منافعهم.
ومن مظاهر التكافل أيضا كفالة كبار السن، والإسلام يؤكد على كفالة كبار السن، فالقرآن تارة يوصي بحق الوالدين {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ}، {وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}،وتارة يقرن الوصية بتحسيس الموصى بالدور العظيم للوالدين وما تكبداه في تربيته خاصة الأم {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، وهذه الرعاية والكفالة للوالدين وكبار السن تجمع مع الجانب المادي الأخلاقي والنفسي والعاطفي لا سيما لشدة احتياجهما له: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}،{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، ويؤكد حديث (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) على عموم الرعاية لكل كبار السن.
وتأتي رعاية الأيتام معبرة عن صورة عظيمة للتكافل في الإسلام، والنصوص القرآنية التي خاطبت المسلم في اليتيم والتنبيه بالمسؤولية تجاهه مستجيشة في نفس المسلم مشاعر الرحمة والشفقة، بل وجه الخطاب لأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم ومعه أمته قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}{وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}، ويأتي اليتيم بعد الأقربين وقبل غيره من المحتاجين في حق العطاء وقد تكرر ذلك في القرآن مثل {وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم رعاية اليتيم كفالة في قوله: (أنا وكافل اليتيم كهاتين … وأشار إلى السبابة والوسطى) إنها منزلة تتطاول إليها النفوس وتتمناها، ولكن للنفوس التي فيها الحس والحياة والرقة والعطف، وإذا كان خطاب الكفالة لليتيم قويا مجلجلا فإن خطاب التحذير من مس أموالهم أو العبث بها أشد وأقوى وأكثر تغليظا وتحذيرا وتخويفا، وكل ذلك لضبط هذا التكافل وحمايته من مزالق الضعف وسط إغراء المادة، ويكفي في ذلك قول الحق {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}.
ومن مظاهر التكافل كفالة الفقراء والمساكين، ولدينا كم كبير من النصوص القرآنية والنبوية التي حضت على كفالة الفقراء والمساكين، واستشعار آلامهم والسعي إلى تنفيس كروبهم، ومد يد العون لهم، والفقراء والمساكين هم المقدمون في مصارف الزكاة لقول الله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ…}.
لقد عالج الإسلام مشكلة الفقر بتشريعات حكيمة ظاهرة الإعجاز، إذ فرض من خلال الزكاة نسبة 2,5 % في بعض وجوه المال والثروة وأكثر في وجوه أخرى، ولو طبق كل مالك لنصاب الغنى هذا الفرض الإلزامي لما رأينا فقيرا، وقد يظن البعض أن الزكاة على الأغنياء الكبار، وهذا الجهل بالزكاة ليس عذرا عند الله في تضييع فريضة واجبة، والحق أن من ملك قيمة 85 جراما من الذهب من غير مغارمه ولوازمه، على ألا يدخل في المغارم واللوازم المسقطة ما يعبر عنه الناس بالاستثمار، من ملك ذلك وجبت عليه الزكاة، وهكذا من ملك أكثر وقس على ذلك، فبالله عليكم هل سيبقى في بلادنا فقير لو أخرج الجميع زكاتهم، والإسلام لم يقصر الأمر على الزكاة بل فتح أبوابا أخرى من سبل الإنفاق لكي يصل المجتمع إلى حالة عبر عنها القرآن {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم}، وهذا مبدأ مالي عظيم مشرق فبموجبه يتم توزيع الثروة وتداولها في حراك مالي واجتماعي وأخلاقي سليم، وليس وفق الرأسمالية المظلمة الكالحة التي تتحكم فيها طبقة الأغنياء على مقدرات الأمم والشعوب.
ومن ضمن كفالة الفقير توفير فرصة العمل الكريم للفقراء العاطلين عن العمل، وهذا حق له يجب على الدولة أولا بل هو من أهم واجباتها وعلى المجتمع ثانيا فكلهم شركاء في حل هذه المشكلة.
ومن مظاهر التكافل في الإسلام العناية بحق الجار وتقرير حق الضيف والغريب، فالجار في ظل الإسلام الوارف له حق الرعاية والبر والصلة ورفع كل وجوه الأذى عنه، قال تعالى: {..وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ}، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحق من مقتضيات الإيمان فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره » وقال : (والله لا يؤمن والله لا يؤمن. قيل : ومن يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه)، وبين النبي صلى الله عليه وسلم عددا من حقوق الجار فقال: (إن مرض عدته وإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده)، وكذلك حض الإسلام على إكرام الضيف واعتبره من مقتضيات الإيمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وقال تعالى {… وَاِبْنِ السَّبِيلِ}.

إن هذه الجوانب والمظاهر أشار إليها الله في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم}، وفي سورة النساء{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، وغيرهما من الآيات.
واليوم نحن في مجتمعاتنا في أمس الحاجة إلى هذا التكافل، وهناك دواع كثيرة تدفع بضرورة التكافل ونشر ثقافته والعناية به وتشجيع الناس عليه.