خطورة البلاستيك

العلماء يعلمون.. والحكومة الأمريكية لا تحرِّك ساكناً –
بول ثاكر – واشنطن بوست –
ترجمة: قاسم مكي –

في يوليو الماضي صدَرَت عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال رسالة من شأنها أن تشد انتباه أي أب وأم. جاء في الرسالة أن العناصر الكيماوية الموجودة في مواد تلوين وحفظ وتعبئة الأطعمة يمكن أن تكون خطرة على الأطفال وأن تصنيعها لا يخضع لإجراءات مناسبة من جانب الحكومة الأمريكية. لقد وجدت مراجعة لحوالي 4 آلاف مادة مُضَافة للأغذية والأشربة أن 64% منها لم تختبر علميا للتحقق من أن تناولها آمن. فهذه المواد الكيماوية يمكن أن تكون مؤذية خصوصا للأطفال الصغار لأنهم لايزالون في مرحلة النمو. وهذا ما يجعلهم أكثر تعرضا (من الكبار) لأية آثار ضارة قد تترتب عن تناولها. لقد دعت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى إجراء إصلاحات في عملية وضع القواعد الإجرائية التي تنظِّم استخدام المواد المضافة للغذاء بإدارة الأغذية والأدوية في الولايات المتحدة وقدمت موجهات قد تكون أكثر إثارة للفزع منها إلى بث الاطمئنان.

موجهات الأكاديمية الأمريكية
لطب الأطفال

من بين هذه الموجهات :
* لا تستخدم موقد الميكرويف لتسخين الأطعمة أو السوائل في أوعية بلاستيكية
* اشتر كميات أقل من الأطعمة الجاهزة الطبخ
* تجنب وضع الآنية البلاستيكية في غسَّالة الأطباق.
هذه الموجهات من نوع النصائح الطبية التي تجعل الناس يغوصون في ذكرياتهم ويحسبون عدد المرات التي قاموا فيها بتسخين زجاجات حليب الأم في موقد المايكرويف أو وضعوا إناء بلاستيكيا لحفظ الطعام في غسَّالة الأطباق أو أرسلوا أطفالهم إلى دور الرعاية النهارية بشرائح فاكهة في حافظة بلاستيكية. إنها ذلك النوع من المعلومات الذي يجعلهم يتساءلون: إذا كانت هذه المواد تشكل خطرا على هذا النحو فلماذا توجد في كل مكان؟ أين هي حكومتنا؟ هذا سؤال جيد وله إجابة معقَّدة ومرعبة.

حملة لإخفاء الحقائق

كان العلماء يعرفون منذ بعض الوقت أن العديد من هذه المواد الكيماوية ضار. لكن مع تراكم المزيد من الأدلة على ضررها شنَّت الجهات التي تتولى تصنيعها حملةً تزداد شراسة وتمددا. تضمنت هذه الحملة نشر دراسات مضادة في المجلات العلمية التي تتودد وتتقرب للشركات. تهاجم هذه الدراسات العلماء والصحفيين الذين يتحدثون ويكتبون عن أخطار المواد الكيماوية وتبذل قُصَاراها للتشكيك في ضررها وتوظف كل التكتيكات الدفاعية التي سبق استخدامها من قِبَل صناعة التبغ والسجائر للدفاع عن منتجاتها. تتمتع إدارة الأغذية والأدوية في الولايات المتحدة بمستوى من الثقة أعلى كثيرا من تلك الثقة التي يوليها الناس للحكومة الفيدرالية عموما. لكن ربما يجب ألا تحظى بمثل هذا القدر من ثقتهم. فببساطة لا يخضع الكثير مما نستهلكه لإجراءات تنظيمية من جانبها. يقول إريك أولسون، المحامي بمجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية والموظف السابق بوكالة الحماية البيئية، «بصراحة هذا نظام يرتكز على الثقة في التزام الجهات (الشركات) المعنية بالضوابط من دون إشراف أو مراقبة (حكومية)». ويقول إن أداء وكالة حماية البيئة الأمريكية في حماية الناس من المواد الكيماوية الخطرة يتسم بالسوء لكن أداء إدارة الأغذية والأدوية يفوقها سوءا. فهما في حالة «صفاء» تام مع دوائر صناعة هذه المواد الكيماوية. ومع (نجاح) تشكيل مصالح الشركات لواقع علمي بديل وانعدام مواجهة هذا الواقع الزائف من جانب السلطات الفدرالية يتم التخلي عن المواطنين الأمريكيين العاديين كي يتعاملوا معه بأنفسهم في محاولة تحديد ما هو آمن (من الأطعمة) لهم ولأطفالهم.

قرار المشتري

ترددت أصداء تشخيص أولسون هذا في كتاب صدر مؤخرا عن جامعة روتجرز ومن تأليف البروفيسور نورا ماكيندريك بعنوان «الأمان أفضل الآن من الحسرة لاحقا: كيف يتجنب المستهلكون المواد السامة التي يتعرضون لها يوميا». ذكرت ماكيندريك أن العهد الحالي الذي يتسم بالتخلي عن الضوابط الإجرائية لتنظيم النشاط الاقتصادي يحمِّل الأبوين وخصوصا الأمهات عبئا لا لزوم له في عملية الاختيار المعقدة من بين بدائل عديدة لضمان أن المنتجات والأطعمة التي يشترونها آمنة لأطفالهم . وهي عملية تصفها الكاتبة بعبارة «الاستهلاك الوقائي.» وأضاف أن هذا الحكم مبني على إجماع أعضاء الأكاديمية الـ 67 ألف عضو الذين انخرطوا في أبحاث حول الأخطار التي تشكلها المواد الكيماوية للأطفال الصغار. ومنذ أعوام الخمسينات من القرن الماضي صارت أغلفة عبوات الأغذية مكدسة بمعلومات غير مفهومة في أحايين كثيرة وباطراد. ولم تقدم إدارة الغذاء والأدوية مساعدة مفيدة للناس الذين يريدون ببساطة شراء غذاء آمن. يقول ليوناردو تراساندي مدير شعبة طب الأطفال البيئي بمدرسة الطب التابعة لجامعة نيويورك وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن الأكاديمية أنفقت سنتين في مناقشة موضوع سلامة المواد المضافة للأغذية قبل أن تتوصل إلى أن إدارة الأغذية والأدوية لا تحمي الأطفال .

مادة البيسفينول

يقضي تراساندي الذي تدرب للعمل كطبيب معظم وقته في إجراء الأبحاث ونشر الدراسات لفهم الكيفية التي يتأثر بها الأطفال بمادة البيسفينول . وهي إحدى المواد الكيماوية العديدة التي سلطت عليها الأكاديمية الأضواء. (حسب موقع مايو كلينيك، البيسفينول مادة كيماوية صناعية تستخدم في أنواع معينة من البلاستيك منذ الستينات وتوجد في مادة البولي كاربونيت التي كثيرا ما تستخدم في حافظات الأطعمة والمشروبات بما في ذلك قناني الماء ـ المترجم). هذه المادة التي يمكن أن يكون لها تأثير مماثل لهرمون الإستروجين عند الإناث خطرة خصوصا للأطفال. فقد وجدت أبحاث عديدة أن تناول جرعات ضئيلة من البيسفينول قد تسبب جملة من الأمراض. فهي يمكنها أن « تحدث تغييرا في توقيت البلوغ وخفضا في الخصوبة وزيادة في السمنة (الشحوم في الجسم) والتأثير على النظامين العصبي والمناعي»، بحسب الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال. رغما عن ذلك يقول تراساندي: إن الحكومة تتجاهل الكثير من هذه الأبحاث الأكاديمية. وفي الأثناء لا يتم إخضاع العديد من المواد الكيماوية لضوابط قانونية. ويشير العلماء الذين درسوا عملية هذا التنظيم الإجرائي إلى وجود حملة تضليل موثقة جيدا ومتواصلة لعشرات السنين شنتها صناعة الأغذية بهدف التشويش على الجهات التنظيمية وواضعي السياسات والمستهلكين. ففي عام 2008 ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن الكونجرس يحقق في تأثير صناعة الأغذية على قرارات إدارة الأغذية والأدوية الحكومية. نوَّه هذا الخبر وأخبار أخرى منشورة أيضا إلى أن الكونجرس تمكن من تحديد مجموعة خاصة تعاقدت معها الشركات للقيام بأبحاث تصب في مصلحة صناعة المواد الكيماوية وتدحض الدراسات التي أثبتت بالدليل أضرارها الصحية . وورد في سلسلة تحقيقات لصحيفة ميلووكي سينتِنل جورنال حول الأخطار المحتملة للبيسفينول في عام 2009 أن حملة التضليل التي شنتها صناعة البلاستيك شملت إجراء تعديلات في صفحات موسوعة ويكيبيديا وهو ما أعتبر حينها شيء بالغ الغرابة. وتم فضح شركة قانونية تعمل كجماعة ضغط لمصلحة صناعة الكيماويات لمهاجمتها العلماء الذين وجدوا ضررا في استخدام المواد الكيماوية في الغذاء. كانت الشركة تدافع بهمة ونشاط عن هذه الصناعة ولا تكشف دائما عن صلاتها بها. وجاءت تغطية الواشنطن بوست وجورنال سينتينل في وقت يشهد وعيا متزايدا بمخاطر البيسفينول على صحة الأطفال.

تدليس علمي مدفوع الثمن

ستحظر لاحقا إحدى عشرة ولاية أمريكية استخدام الكيماويات في صناعة زجاجات حليب الأطفال. وكانت إدارة الأغذية والأدوية قد حظرت استخدامها في أكواب الأطفال والقناني عام 2012. لكن الأبحاث الجديدة وجدت أن العديد من بدائل مادة البيسفينول لها مخاطر شبيهة. وفي العام الماضي تصدى تراساندي إلى حملة التضليل العلمي المذكورة في مقال دعا فيه العلماء إلى رفع أصواتهم عندما لا يتصرف واضعو السياسات على أساس البيِّنات التي تتوصل إلى أن المواد الكيماوية ومبيدات الحشرات تشكل خطرا على الأطفال. وسلط الضوء على مثال واحد لعالم (باحث) متواطئ مع صناعة الغذاء رفض دليلا بأن مبيد الحشرات « كلوربيريفوس» يتسبب في الإصابة بالمرض ووصف العالم هذا الدليل بأنه «دليل علمي زائف». وقال تراساندي: إن تمويل الجماعات والعلماء الذين يطرحون هذه المزاعم المضادة (للعلم) لا يُكشَف عنه دائما. كما أن الدوريات العلمية ليست بمأمن من هذا التهريج. لقد لاحظت عدة تقارير استقصائية قام بها مركز النزاهة العامة الأمريكي وعدة جهات أخرى أن العلماء الذين موَّلَت أبحاثهم شركات كانوا يفضلون التعامل مع دوريتين علميتين محددتين في مجالي السموم والأدوية لنشر الدراسات التي تروج لسلامة المواد الكيماوية ومبيدات الحشرات هما دورية « Critical Reviews in Toxicology « ودورية Regulatory Toxicology and Pharmacology» . في عام 2002 وقَّع 43 عالما خطابا ينتقد حالات تضارب المصالح المتكررة وغير المعلن عنها وعلاقات صناعة الأغذية بأبحاث هذه الدورية الأخيرة. لقد سبق أن عمل رئيس تحريرها جيو جوري مستشارا لصناعة التبغ وكتب متشككا في مخاطر التدخين السلبي. كما أن الجهة التي تنشر هذه الدورية واسمها الجمعية الدولية للسموم والأدوية عقدت اجتماعاتها في مكتب شركة لوبي قانونية تدعم صناعة الكيماويات. يقلل الخبراء من قيمة هذه المطبوعات ويعتبرونها دوريات تنشر دراسات مدفوعة الثمن. يقول ديفيد مايكلز، الأستاذ بمدرسة الصحة العامة في جامعة جورج واشنطن ومؤلف كتاب بعنوان»التشكيك هو انتاجهم – كيف يهدد هجوم الصناعة على العلم صحتك « أن مهمة هاتين الدوريتين هي إنتاج ونشر الشكوك العلمية . يشرح ذلك بقوله «إنهم يقدمون ما يبدو ظاهريا مراجعات بين الأقران ويضفون الصدقية على علم الدفاع عن المنتجات وهو عبارة عن دراسات ارتزاقية لا تستهدف رفد المشروع العلمي لكن إحباط إجراءات الحمائية الخاصة بالصحة العامة والبيئة وهزيمة الدعاوى القضائية المتعلقة بهما. فالشركات التي تعارض النظم الإجرائية المعنية بحماية الصحة العامة والبيئة تدرج هذه الدراسات المزيفة والتحليلات المشكوك فيها والمنشورة بهذه المجلات الارتزاقية في الإجراءات التنظيمية أو الدعاوى القضائية لاختلاق بلبلة علمية.» ثم يقول مايكلز بعد ذلك يمكن لهذه الشركات أن تقول: « انظروا. ألا ترون أن الدراسات تتوصل إلى نتائج متضاربة. لذلك لا يوجد يقين علمي كاف يبرر إصدار إجراءات لحماية صحة الناس أو تعويض الضحايا.» فمثلا في ربيع هذا العام نوَّه المسؤولون بصناعة السيارات بدراسة وردت في دورية «Regulatory Toxicology and Pharmacology « بهدف هزيمة إجراءات تنظيمية مقترحة لحماية البيئة. وأرسل مركز أبحاث له علاقات قوية بصناعة التبغ خطابا في أغسطس الماضي إلى إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية يشير فيه إلى دراسة نشرت بهذه الدورية في محاولة منه لضمان تطبيق إجراءات أقل صرامة حول التبغ الممضوغ (الذي لا يطلق دخانا). تضيف المزيد إلى هذه الضوضاء مراكزُ أبحاث حرية السوق والمؤسسات المحافظة التي تمول مجموعات بحثية للتقليل من أهمية أخطار المواد الكيماوية والانتقاص من العلماء الذين يدرسونها والصحفيين الذين يكتبون عنها. من بين أبرز هذه الجهات المجلس الأمريكي للعلوم والصحة الذي حصل على تمويل من شركات صناعات كيماوية عديدة. مبرر وجود هذا المجلس كما يبدو الدفاع عن تقنية التكسير المائي ومادة البيسفيمول والمبيدات الحشرية. ومؤخرا دشن المجلس موقعا جديدا على الإنترنت يهاجم الصحفيين بمن فيهم أنا (كاتب هذا التقرير- المترجم) والعلماء الذين نوهوا بأن تمويل هذه الشركات للأبحاث يمكن أن يؤثر على النتائج البحثية. وهذا ما تأكد في عدد كبير من الأبحاث المنجزة. لا يوجد عدم يقين يذكر وسط العلماء المستقلين حول هذه المواد الكيماوية وآثارها على البشر. لكن بالنظر إلى التشويش العام المختلق حول هذه المسائل يقول تراساندي أنه لا يتوقع من الكونجرس أو الوكالات الفدرالية المعنية مناقشة قضية السلامة الكيماوية . لقد تم إعداد بيان الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بقصد تنبيه الرأي العام لهذه القضية وإطلاق حوار قومي حولها. ويتوقع تراساندي أن تُجبِر في النهاية ضغوطُ المستهلكين من أجل المزيد من الشفافية حول المواد الكيماوية في طعامنا الشركاتِ إلى إجراء تغييرات لحماية علاماتها التجارية. وحتى تتحرك حكومتنا أو يتغلب ضغط الرأي العام، علينا في كل مرة ونحن نتجول في ممرات الأرفف بمتاجر السوبرماركت ونتساءل عن المنتج الأكثر أمانا لصحة أفراد أسرنا أن نجد الإجابة بأنفسنا.

■ ■ الكاتب موظف سابق باللجنة المالية لمجلس الشيوخ. قاد التحقيقات الفيدرالية عن الفساد في مجالي العلوم والطب