أشبــاح 1918 وعالمنا الخطر

ديفيد إجنيشس- واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –

ما الذي يمكن أن تقوله أشباحُ 1918 (ليس فقط الجنودُ الذين ذُبِحُوا في خنادق الحرب العالمية الأولى ولكن أيضا رجال الدولة الذين فشلوا في بسط سلام مستدام بعدها). ما الذي يمكن أن تقوله بعد قرنٍ لاحقا عن العالم الخطر الذي نقيم فيه اليوم؟ لا مهرب من اجترار الماضي وتقليب الخواطر في الحاضر. قبل أيام أنهت الولايات المتحدة لتوها انتخابات غاضبة اتسمت بانقسامات مريرة. ونحن كلنا نجهد أنفسنا في محاولة تفسير نتائجها. وفي الأثناء قاد الرئيس ترامب وفدا إلى باريس لإحياء ذكرى هدنةِ ما أسمتها المؤرخة مارجريت مكميلان «الحرب التي أنهت السلام». سألت بعض أصدقائي المؤرخين عن الدروس المستفادة من حرب 1918 «لأمريكا ما بعد انتخابات هذا الشهر». ذكروا بعض المواضيع المعهودة وهي هشاشة النظام العالمي وقت اندلاع تلك الحرب وحاليا والنتائج الضخمة والكارثية أحيانا التي يمكن أن تبدأ بأحداث بسيطة في الهوامش والأطراف والغطرسة المُفضِيَة لا محالة إلى فشل القادة الذين يفتقرون إلى المرونة والتواضع الذي يمكِّن القادة العظام من رؤية الأحداث بعيون خصومهم وبالتالي تجنب الكارثة.
دعونا نبدأ بموضوع القيادة. لسوء الحظ لعب ترامب في العامين الأولين دور المُقَسِّم الأعلى (على وزن القائد الأعلى- المترجم). فهو يميل إلى اعتبار نفسه الضحية في أي حدث درامي مما يجعل من المستحيل بالنسبة له أن يتعاطف مع منتقديه. وهو حين يرى «قشرة» بُرءٍ تتشكل فوق جرح عنصري أو عِرقي غالبا ما «يسلخها» لقد حوَّل ترامب الاستياء (الشعبي) إلى حركة قومية بالغة القوة. ويلاحظ المؤرخ الرئاسي إيفان توماس أن أسلوب ترامب المتصلب (غير التصالحي ) يشبه على نحو غريب أسلوب وودرو ويلسون، الرئيس الديمقراطي المثالي (الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين. تولى الرئاسة في الفترة 1913-1921- المترجم). فشل ويلسون في تحقيق حلم حياته بالتصديق على معاهدة عصبة الأمم لأنه لم يكن في مقدوره إيجاد أرضية مشتركة مع خصمه الرئيسي عضو مجلس الشيوخ الجمهوري هنري كابوت لودج. كتبت مكميلان في دراسة لها عن القيادة ظهرت مؤخرا تحت عنوان « نَاسُ التاريخ» أن القادة العظماء في الماضي أمكنهم « تجنب مصيدة الاعتقاد بأنهم على حق دائما.» وعن ويلسون قالت مكميلان «حين يكون مقتنعا بصواب قضيته كما هي حاله دائما كان يعتبر أولئك الذين يختلفون معه ليسوا مخطئين فقط ولكن أوغاد أيضا.»
هل يبدو هذا مألوفا. يلاحظ توماس أن ترامب ليس وحده من يعتبر خصومه السياسيين أناسا سيئين. فهذه الأيام « كل أحد يشعر أنه متفوق أخلاقيا على كل أحد آخر.» كان التسامح تقليديا قيمة أمريكية أساسية. لكن يظهر الآن عدمُ تسامحٍ أخلاقي يدفع إلى التعامل مع من لديهم آراء مختلفة كأعداء. على أساس هذه الخلفية، دعونا ننظر إلى الانتخابات النصفية. من المؤكد أن نتائجها مزيج من الإيجابي والسلبي. لكن إحساسي هو أن أمريكا اتخذت خطوة جماعية إلى الخلف(مبتعدة) عن حافة الهاوية يوم الانتخابات النصفية للكونجرس . كانت الانتخابات تتعلق إلى حد بعيد بقيادة ترامب. ويخبرنا الاقتراع لعضوية مجلس النواب، وهو أوسع مقياس نملكه لمعرفة ما تفكر فيه أمريكا، أن الشعب يريد تغييرا لأسلوب ترامب في الحكم.
كانت هذه الانتخابات «اختبار شخصية» لأمريكا في نظر ريك آتكينسون الذي رسمت مؤلفاته الثلاثة بعنوان «ثلاثية التحرير» صورة لا يمكن نسيانها لقيادة الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية في أوروبا. يقول آتكينسون «تجد نفسك مؤملا في ظهور منقذ. شخصٍ ما يعلو شأنه ويصبح رجل دولة. ولكن ذلك أمل لا يتحقق. فالسياسة عمل جماعي. تماما كما أن الحرب عمل جماعي». والوقاية الوحيدة من القيادة الكارثية هي «الحكم العام» الحصيف. من جانبه، يرى كاي بيرد وهو كاتب سِيَر حياتية حصل على جائزة بوليتزر ويعكف الآن على تأليف كتاب عن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أن التاريخ درس متكرر عن النتائج غير المقصودة. افتتان بيرد بالتاريخ بدأ مع كتاب باربارا توكمان «مدافع أغسطس». وهو عبارة عن سرد للمسار الذي قاد إلى الكارثة في عام 1914.
يقول عنه بيرد إنه حكاية ملحمية طويلة « عن الكيفية التي انزلق بها الجنرالات والملوك والرؤساء في الحرب. فكل جانب كان يعتقد أنها ستنتهي خلال أسابيع قليلة.» وبالنسبة لبيرد ثمة إحساس مخيف بأننا نقف «عند حافة الهاوية» مرة أخرى بسبب احتمال وقوعنا في أحكام سياسية خاطئة. يقول «كمؤرخ أشعر أن الأشياء التي تحدث الآن قد تترتب عنها عواقب غير مقصودة خصوصا مع رئيس يتصرف في انفراد وربما يوشك أن يوجد أزمة دستورية (بإنهاء خدمة المستشار الخاص روبرت مولر) دون أن يعلم إلى أين يتجه». نظريا، الديمقراطية نظام يصحح أخطاءه ذاتيا. فإذا اعتقد الناخبون أن البلد ينحرف في الاتجاه الخاطئ يمكنهم أن يفعلوا شيئا بانتخاب قادة جدد وتغيير المسار. ويبدو أن ذلك يحدث. فحتى مع انتصارات الجمهوريين في بعض السباقات الانتخابية المفتاحية لعضوية مجلس الشيوخ ومناصب حكام الولايات يبدو عدم رضا الناخبين عن ترامب واضحا.
كما وضح ذلك أيضا باطراد في استطلاعات الرأي العام. يمكن لترامب أن يتظاهر بأنه كسب الانتخابات النصفية وأن يواصل السير في درب يبدو أن أمريكا في معظمها ترفضه. لكن تلك ستكون مسيرة حمقى.