فقاعة الديون الدولية

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

أطلق البنك الدولي مؤخرا مطبوعة إحصاءات الديون العالمية متضمنة إحصاءات وتحليلات عن الديون الخارجية وهياكلها والتدفقات المالية لاقتصادات العالم خلال عام 2017 كما تعرض المطبوعة الرصيد الشامل وبيانات التدفق لكل بلد بصورة منفردة، وللتجمعات الإقليمية. يأتي ذلك ضمن إطار عمل البنك الدولي المتعلق بمراقبة الجدارة الائتمانية للبلدان المتعاملة معه، وقال البنك ان أزمات الديون المتكررة، بما في ذلك الأزمة المالية العالمية في عام 2008، تسلط الضوء على أهمية قياس ومراقبة أرصدة الديون الخارجية وتدفقاتها، وإدارتها على نحو مستدام.
البيانات المنشورة توضح ارتفاع صافي التدفقات المالية الوافدة (الاقتراض وحقوق الملكية) إلى البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل 61% في عام 2017 أي إلى أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مدفوعا بزيادة ضخمة في صافي تدفقات الديون الوافدة .
وارتفع صافي التدفقات المالية في عمومها إلى 1.1 تريليون دولار في عام 2017، وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 2013. وكان هذا التعافي في مجموع صافي التدفقات المالية نتيجة لارتفاع صافي الاقتراض من 181 مليار دولار في عام 2016 إلى 607 مليارات دولار في عام 2017، وهو ما يتجاوز صافي تدفقات الاستثمارات في محافظ الأسهم لأول مرة منذ عام 2013. وقد ساهم ارتفاع حاد في تدفقات الديون طويلة وقصيرة الأجل في هذه الزيادة. وانكمشت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في حقوق الملكية، التي كانت تُعد لوقت طويل المكون الأكثر استقرارا ومرونة في التدفقات المالية للعام الثاني على التوالي، حيث تراجعت 3% أخرى في عام 2017. وفي المقابل، ارتفعت تدفقات الاستثمارات الوافدة في محافظ الأسهم إلى 57 مليار دولار، وهي زيادة بنسبة 29% مقارنة بعام 2016 .
ارتفع إجمالي الديون الخارجية للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بواقع 10% في عام 2017 لتصل إلى 7.1 تريليون دولار، وهي وتيرة أسرع لتراكم الديون مقارنة بالزيادة البالغة 4% في عام 2016 .
وشهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة في أرصدة ديونها الخارجية بلغت 11.7%، حيث شهدت مصر في عام 2017 زيادة قدرها 23%، في حين شهد لبنان زيادة قدرها 5%. وزادت أرصدة الديون الخارجية في بلدان شرق آسيا والمحيط الهادي بخلاف الصين بنسبة بلغت 9.3% في المتوسط، وارتفعت أرصدة الديون الخارجية 2.5% في منطقتي أوروبا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي في عام 2017 .
من الحقائق اللافتة أيضا اقتراض هيئات القطاع العام في أشدّ بلدان العالم فقرا من جهات خارجية على نطاق واسع في عام 2017 على الرغم من تصاعد المخاوف بشأن القدرة على الاستمرار في تحمل الديون.
هذا هو الحال فإلى أين نمضي؟. ربما يصبح أمرا شعبويا ان نشير إلى كتاب  «يوميات قرصان اقتصادي» وصاحبه الذي عمل في أجهزة المخابرات الأمريكية وكشف انه كان مطلوبا منه ان يغرق الدول في ديون لا تستطيع سدادها وبالتالي تصبح فريسة سهلة لبلده لكي يتم فرض توجهات معينة عليها أو دفعها إلى التصويت في المحافل الدولية بمحاذاة الأمريكان عموما . لقد سبق ان قيل مثل هذا الحديث مرارا ولا حاجة الى إعادة اجتراره. ما أود ان أضيفه ومن واقع خبرة عملية يمكن حصره في نقاط أساسية هي لماذا ومتى وكيف نقترض؟ وكيفية إدارة الدين الخارجي؟.
تعلمنا الحياة اكثر بكثير مما هو في الكتب،واحيانا تعلمنا الكتب اكثر مما هو في الحياة ، والمهم في طول الوقت وعرضه ان نكون على استعداد لأن نتعلم . فالملاحظ أولا ان خيار الاقتراض أصبح أسهل وصاحب مرتبة ذهنية أعلى لدى المسؤولين الحكوميين عما كان عليه الأمر قبل ربع قرن مضى. قد يعود الأمر أحيانا الى ضرورات حتمية بالفعل لتدبير احتياجات أساسية او للتصدي لتلاعب واسع النطاق بسعر العملة ، لكن ليس هذا هو الحال في كل وقت. وقد استجد عامل حفاز لم يكن موجودا قبل ربع قرن ايضا هو ان الاقتراض أصبح عملا مهرجانيا ، يتم الاحتفاء به وتوزيع الجوائز على أطرافه والإشادة الواسعة بنجاح العملية عالميا – وغالبا ما تنجح كل العمليات بأشكال مختلفة – وقد تخصصت مجلات وقنوات ميديا ومؤسسات علاقات عامة في تهيئة الأجواء لمثل هذه الحالة المهرجانية وأتصور ان تمويل ذلك يتم بالأساس من مراكز الفائض المالي المختلفة التي تبحث عن توظيفات بعوائد عالية ومخاطر قليلة طوال الوقت . أضيف ايضا ان الهمة في شأن حشد المدخرات المحلية أصبحت ضعيفة في بلداننا على الرغم من الشكوى المستمرة من ضعف معدلات الادخار المحلي ومن التنويه الى ان نهضة آسيا قامت بالأصل على ادخار محلي قوي وقد اقول عنيفا في معدلاته . وطالما ظل الادخار المحلي ضعيفا فلا مندوحة عن اللجوء إلى طلب التدفقات الخارجية سواء في شكل استثمارات محفظة او قروض. والامر المثير ايضا ان هناك ولعا زائدا بمدن ما بعد الحادثة او عمران ما بعد الحادثة بحيث نجد ان كل الدول المستدينة عموما انفقت الكثير من الأموال في اقامة الابراج العالية وخطوط الموصلات والقطارات والموانئ والمطارات الفخمة وكل ذلك لا بأس به في ذاته لكنه اذا لم يكن مرتبطا بتصور واضح لتطوير الاقتصاد الحقيقي وزيادة الصادرات وتعظيم القيمة المضافة الوطنية ودعم الابتكار والتنافسية فسيقود – وما أكثر ما قاد – الى ازمة ديون خانقة . في الدول المتقدمة تجد ان من اهم اسباب زيادة الديون هو الخضوع لمطالب الناخبين او يمعنى آخر شراء اصواتهم بغض النظر عن التكلفة في المستقبل ويظهر ذلك اكثر ما يظهر في بلاد مثل ايطاليا وايرلندا واليونان.
ساعد أيضا على تفاقم الاستدانة ذلك التصور الذي ترسخ بأن الأجيال الطويلة للدين عبئها قليل او ان من سيدفع ليس هذا الجيل، او ليس نحن الساسة الذين اقترضنا ، وعليه فلا حساب من احد لأحد . وقد لاحظت ان إطالة اجل الدين الحالي في العديد من البلاد النامية هو جوهر خطة استراتيجية إدارة الدين في وزارات المالية المعنية . صحيح ان الدين القصير الأجل «هم تقيل» كما يقولون وتجب مراقبته بيقظة طوال الوقت لكن الحل ليس الإطالة بلا معايير فالديون الطويلة يجب ان تقابلها أصول طويلة الأجل ومدرة للدخل من النقد الأجنبي حتى يمكن سدادها بيسر، وقد ادهشني اننا في مصر لانزال وحتى قرب 2030 نسدد قرض نادى باريس الموقع قبل منتصف تسعينات القرن الماضي. يبقى أخيرا الى ان أشير الى اعتقاد خفي يسود بين الساسة أحيانا بأن الديون طالما أصبحت مشكلة عالمية – كما هي الحال الآن – فان حلها سيكون عالميا وان تلك الحالة ستولد ضغوطا على الدائنين لتقديم تنازلات او تسهيلات في سداد الديون وهذا أيضا رهان في الهواء الى حد بعيد – ولا أناقش هنا عدالة او عدم عدالة المطالب بشطب ديون كليا او جزئيا بسبب مخالفات أو فساد – فالذي تابع تشدد ألمانيا العنيف مع اليونان ، وباعتبار الألمان اكبر دائن لليونان سواء كانت الحكومة او البنوك أو الصناديق ، سيقول عن حق ان افضل ما يمكن عمله لأي بلد هو إلا يضع نفسه في هذه المقصلة مرة أخرى .
ان إغراء انخفاض أسعار الفائدة وقت سياسة التيسير الكمي كان من اهم عوامل التشجع على الاقتراض الخارجي لكن أما واننا بإزاء دورة تشديد في السياسة النقدية – الأمريكية بخاصة – فان اثر هذا العامل تلاشى أو يكاد ولذا سيصبح الاقتراض صعبا واكثر كلفة كما سيصبح سداد ما سبق اقتراضه والدولار رخيصا أصعب أيضا . أنها لحظة مناسبة تماما ليكون لكل بلد من بلادنا خطة محددة ومعلنة للاقتراض الخارجي تجيب بشفافية على أسئلة : متى وكيف ولماذا ومن أين وماذا بعد ؟