ربما: صديقة هُدى بالرضاعة

د. يسرية آل جميل –

مدخل:
في الصداقة أيضاً: الطيبون للطيبين
****
• قضيت نصف عمري وأنا أعرف أن الرضاعة تجعل لك إخوة وأخوات من أمٍ لم تنجبك بطنهـا، حتى قبل أيام من كتابتي لهذا المقال، حيث التقيتُ أمي التي لم تنجبني بطنها ( أمي أمينة النعيمية )، أم هدى.. صديقتي في الرضاعة، كما منحتنا هذا الوسم الجميل.
وأمي أمينة لمن لا يعرفها، امرأة من زمن الطيبين العظام، من جيل أكبر من كل وصف، سلالة مجموعة من النساء لن يتكرروا بين صفحات التاريخ مرةً أخرى، آخر فصيلة من فصائل الملكات وزمن المعجزات. أمي أمينة هذه كانت تحفنا بدعواتها طوال سنوات الدراسة، كل صباح ونحن متجهون إلى الجامعة أو عائدون منها، لا أنسى ساندوتشات الزعتر بالزيتون التي كانت تضعها في حقيبة يدنا قبل الخروج، ولا اتصالاتها المتكررة لتطمئن على وصولنا بالسلامة، ولا سؤالها اليومي لنا ( اش تبون على الغدا ؟)، جعل ايدينك ما تمسها النار.
• تعرفتُ على هدى قبل ثلاثين عاماً تقريباً، كنا صغاراً، عُدنا إلى الوطن الأم من الكويت.. السعودية.. الخليج، لتجمعنا أرضٌ واحدة، في بقعةٍ واحدة، مدرسةٍ واحدة، وصفٍ واحد. لازلت أذكر جدران الصف في مدرسة روي النموذجية للبنات كما كانت تسمى وقتها، كنا أنا وهدى ووداد نحجز المقعد الخلفي دائما مع تميزنا وتفوقنا على أقراننا، حيث أن المعروف أن الصف الأخير دائماً لل ( بلادى)، كانت مديرتنا ( أمينة عبدالوهاب) مع حفظ الألقاب، تعاملنا بمنتهى الاحترام كفتيات ناضجات، نرتدي المريول.
لم نشعر يوماً أننا في مدرسة، كان جو المدرسة لنا كجو البيت تماماً، كنا لا نحب جرس النهاية، ننتظر طابور الصباح، ننشد بصوتٍ عالٍ:
ياربنا احفظ لنا جلالة السُلطان..
نتوجه إلى صفوفنا، تبدأ أبلة ( حليمة لشكو ) حصة الدين، ثم العربي على يد أبلة ( عزيزة الطائية)، ثم أبلة ( لينا الفاضل) تجوب بنا جغرافية الشعوب، سافرنا كل بلاد الدنيا في حصتها.
تذكرون صديقاتي (أبلة إسعاف؟!)، علمتّنا مهارات الحياة من طبخٍ وخياطة وشؤون أسرة، تذكرون ( أبلة أميرة ) وحصة الرياضة التي كنا غالباً نتهرب منها بحجة ( نسينا لبس الرياضة) ؟ تذكرون وتذكرون وتذكرون.
• نجحنا، تفوقنا، وحصلنا على نسبٍ عالية، دخلنا الجامعة، بعضنا تزوج وأخذ منهجاً آخر للحياة، أما أنا وهدى فقد جمعتنا جامعة السلطان قابوس، كلية التربية، اختلفت تخصصاتنا لكن قلوبنا لم تختلف،
كنا نلتقي في استراحة الكلية بين المحاضرات، في ممرات القاعات، نسرق أحاديثا سريعة على الطاير قبل بدء المحاضرة، وغضب الدكتور علينا لو تأخرنا، تخرجنا بتفوق، كنا من الأوائل على الدفعة كاملة.
تزوجت هدى وصارت أماً لصقر، وتزوجت بعدها وصرت أماً لنوف، انتقلت هي إلى الإمارات، وأنا أصبحت زوجةً لشمرّي سعودي، باعدتنا المسافات، قلّت اللقاءات كثيراً، وزاد التعلق ببعضنا أكثر،
نبحث عن ثغرات الوقت عن فرص اللقاء، في عمان.. في العين.. أو الدمام، لا يهم.. المهم أن نلتقي، والأهم أننا لم ننقطع لم نتغير، تشعر بي.. تفهمني بمجرد أن أقول: (ألو)، تقرأني عند اللقاء، إذا شربتُ أنا ترتوي هي، وإذا بكيت تسهر لوجعي، أول من يفرح لي، وآخر من يفكر أن يغادرني، تقاسمتني أشياء كثيرة، أكبر بكثير من مساحة هذا المقال.
صداقتنا منحت للحياة طعماً مختلفاً، حين تجد راحتك بين أحاديث صديق، فحاول أن تحافظ جيداً على هذا الصديق، فالصداقة هي اتكاءُ نفسٍ على نفس، هي رحلة يوثقها الزمان، لها محطات توقف كثير، يهبط أشخاص ويصعد غيرهم، وفي الأخير لن يستمر معك سوى الذي يكسر عزلة قلبك، ويتقبلك كما أنت.. مدى الحياة.

– إليه حيثما كان:
‏منذ ان صارت الصداقة إلكترونية
‏أصبحت الحكايات تنتهي
‏ بـ « حذف « أو « حظر «!