وتر: وطني يحتاجني وأنا أحتاجه

شريفة بنت علي التوبية –

تضع نقوش الحناء في يديها، تحجز موعدا في الصالون مع خبيرة مكياج معترف بها من قبل الصديقات والمجرّبات، تذهب إلى أرقى محلات الملابس لتنتقي ما سترتديه في ذلك اليوم، حتى عطرها تختاره بعناية وذوق كبير يليق بالمناسبة، ويستعد هو لهذا اليوم المنتظر والمرتقب بتفصيل دشداشة بيضاء مع خياط مشهود له، يشتري (مصرّا) أنيقا يناسب لون خيط الدشدادشة، يحجز عند أفضل حلاّق يعرفه أو تعامل معه من قبل كي يضمن حلاقة نظيفة ومرتّبة وحتى يظهر بأجمل ما يمكن أن تكون عليه الصورة الملتقطة.
قد يتراءى لك أيها القارئ أن المشهد لعروسين يستعدان ليوم عرسهما، ولكن لم تبتعد بعيدًا فالصورة أقرب إلى مشهد عُرس أو حفل زفاف جماعي مُنتظر، إنهما خريجان يستعدان ليوم تخرجهما الجامعي، يترقّب الأهل والأقارب تلك الساعة المنتظرة لتوقيت العرض، فشاشات التلفاز ستنقل هذا الحدث الكبير، تُهيأ الكاميرات لتوثيق لحظة استلام الشهادة كلحظة لا تتكرر ولا تحدث في العمر سوى مرة واحدة، يُخصص هاشتاج بمواقع التواصل الاجتماعي يضم كل ما يتعلق بالحدث، تُقام الحفلات والولائم احتفالا بهذه المناسبة، فبعد خمسة أعوام وربما أكثر من الدراسة والبحث والسير في ممرات الجامعة ها هو المستقبل يلوح لهم لتحقيق الحلم بممارسة التخصص الذي أحبوه ودرسوه، فما تعبت أقدامهم ولا كلّت أمانيهم، وهم يسيرون في دروب الجامعة وممراتها بين المكتبة وقاعات الدرس والمقهى، يحتضنون أمانيهم كتبا وأوراقا، يسهرون حتى ساعات متأخرة من الليل برفقة فكرة يبحثون عنها من مصادرها، يباركهم دعاء الأمهات وصلاة الآباء، يسيرون بثقة الناجح، يصعدون المنصّة ليستلموا الشهادة، فهي مفتاحهم السري لدخول بوابة العمل التي من المفترض أن تكون قد فُتحت لاستقبالهم، وقد هيئت المواقع لهم، لكن يطول بهم الانتظار، وهم يطرقون أبوابًا مغلقة، فالشهادة لم تعد مفتاحًا ولا بطاقة دخول، إنها صورة مؤطرّة ومعلّقة في جدار البيت. يطول بهم الانتظار فيتغير المسمى من خريج جامعي إلى باحث عن عمل، ويبقى بعضهم عالقًا في المسمى الأخير سنوات طويلة كفيلة بأن تنسيه التخصص الذي درسه، تتوارى الأحلام خجلًا فلا يبقى سوى حلم صغير وهو الحصول على عمل، أي عمل، فهو يريد أن يعيش ويحصل على مصدر رزق يعينه على مواجهة متطلبات الحياة، تتزايد الطلبات ويقل العرض، والغريب أن كثيرا من المؤسسات تمتلئ بالعمّال الأجانب والخرّيج العماني يلوح بشهادته خارج أسوارها، فمتى نعي أن الوطن يحتاج أبناءه والأبناء يحتاجون خدمة أوطانهم؟