على الإعلامي أن يكون «شرسا» ولا يقبل الإملاءات .. و«الذباب الإلكتروني» ظاهرة وستنتهي

الإعلام السياسي وسّع الفجوة بين الدول والشعوب و«الجرأة والحكمة» وجهان لعملة واحدة –
كتب – عاصم الشيدي وبشاير السليمية –

وصف الشيخ سيف بن هاشل المسكري العمل الإعلامي بالخطير، لأن الإعلامي قادر على التأثير على الرأي العام متى ما عمل بمهنية، لكنه أشار أيضا إلى أن على الإعلامي أن يكون «شرسا» ويستطيع أن يحاصر محاوره للحصول على معلومات جديدة ولا يركن إلى الإملاءات التي رأها المسكري تسيطر على الإعلام السياسي في العالم العربي، لكن المسكري رأى أن الجرأة والحكمة وجهان لعملة واحدة في العمل الإعلامي فإذا كنت إعلاميا جريئا فلا بد أن تكون صادقا وأمينا. وقلل المسكري من قيمة ما يعرف إعلاميا «بالذباب الإلكتروني» معتبرا أنه لا يشكل إعلاما لا حقيقيا ولا بديلا وأنه ظاهرة عارضة ستنتهي وتذوب مع الوقت وأن فكرة الإعلام أكبر من فكرة «التغريد» في وسائل التواصل الاجتماعي.

وكان المسكري يتحدث صباح أمس في مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم في جلسة حوارية نظمها المركز بالتعاون مع النادي الثقافي حول «دور الإعلام السياسي في المصالح الإقليمية والدولية»، وأدار الحوار الإعلامي محمد المرجبي بالقاعة الرئيسية بمبنى المركز.
وتحدث المسكري في بداية الجلسة عن الإعلام وبعض مصطلحاته ومفاهيمه وأدواته، وعناصره والتعامل معه، واصفا إياه بالتعامل الدقيق والحساس، وضرورة اتخاذ الصدق والشفافية صفات له.
وقاد المرجبي الحوار إلى موضوع تصنيف الإعلام واختلاف أجنداته، والتي رأى فيه المسكري أن الإعلام أصبح سياسيا بدرجة أولى، وخلفه أجندة لتحقيق هدف سياسي معين، وأن عملية التصنيف هذه حسب المسكري جاءت في بداية الحرب العالمية الثانية التي أخذ فيها الإعلام دورا مهما في توجيه الجمهور، وأشار المسكري كذلك إلى التداخل الحاصل الآن بين السياسة المعلنة وغير المعلنة.
ومن الديكتاتورية الإعلامية وما وراءها من توجيه سياسي وإيجادها لمصالح خارج إطارها المحلي، إلى تساؤل المرجبي حول الجذور التاريخية للإعلام السياسي، اعتبر الشيخ المسكري أن «الشاعر» هو من كان بمثابة وسيلة إعلام تؤثر على الآخر بالهجاء والمديح، مشيرا إلى «سوق عكاظ» وما كان له من دور في إبراز الجانب الأدبي والفني والسياسي.
ويؤكد المسكري في حديث آخر على أن الإعلام السياسي وجد من أجل تثبيت موقف معين، وأنه «إذا لم يكن خبيثا، لن يكون ناجحا»، وهذا ما دفع المرجبي لأن يتساءل حول ما ذكره الشيخ في بداية الحوار حول ضرورة الصدق والشفافية وحول ما أسماه الشيخ بـ«الخبث»، فأوضح المسكري ذلك بالفرق بين صدق الخبر وما وراءه من خبث في التحليل.
وفي الحديث عن المستهدف من الإعلام السياسي، حسب سؤال المرجبي الشارع والناس؟ أم العلاقات الدولية؟ قسّم المسكري ذلك إلى جهتين هما الداخل المتمثل في الرأي العام والثاني فهي الجهة الخارجية، ضاربا على ذلك أمثلة من صحف وأعمدة كان الناس انتظارها حتى يتكشف لهم التوجه السياسي لجهة أو بلد معين.
ويرى المسكري فيما يسمى بالإعلام الجديد أو البديل – في سؤال المرجبي له بهل هو جديد فعلا – بأن «إعلام» هي كلمة كبيرة على هذه الوسائل، من منظوره الشخصي، وكانت هذه هي النقطة التي أثارت جدلا في الوقت المخصص لمناقشات الجمهور.
وفي الحديث عن الذباب الإلكتروني أو «الإعلام غير المرشّد» حسبما سماه المسكري أنه قد يشكل خطرا في الغليان الذي تشهده أي دولة، ويرى أن الوقاية منه ليست بالمنع ولكن بإيجاد الثقة.
وحول سؤال الإعلام السياسي صناعة إعلاميين أم صناعة الساسة، أجاب المسكري: «هو تمازج، فالإعلام يوجد سياسة ويوجد رجلا سياسيا وليس العكس، ومهمة الإعلامي أخطر من الرجل السياسي».
وعن العلاقة بين الإعلام والسياسة وإذا ما كانت علاقة إملائية مفروضة أم تكاملية حسبما تساءل المرجبي، أجاب المسكري بأنها في عالمنا العربي هي «علاقة إملائية، والسير على هذا الإملاء يجعلنا مهمشين»، مضيفا إن الإعلامي لا بد أن يكون شرسا.
وأشار المسكري في الحديث عن تأثير الإعلام السياسي، وما إذا كان قد نجح في تجسير العلاقات أم ساهم في تكسيرها، أنه زاد من الفجوة أكثر من تجسيرها، علاوة على ما قام به من دور سلبي تجاه الآخر له تأثيره حتى بين الشعوب.
وتبع حوار المنصة حوار مفتوح مع الجمهور الذي فتح آفاق الحديث.. وأجاب المسكري على سؤال حول ما إذا كان الإعلام السياسي استطاع تجسير العلاقات ومد الجسور بين الدول والشعوب: مع الأسف الشديد لا، خاصة على مستوى الإقليم، بل إن هذا الإعلام زاد وفاقم الفجوة الحاصلة، مشيرا إلى أن الأخطر في الأمر اتساع الفجوة بين الشعوب في المنطقة.
وفي تجربة مجلس التعاون قال المسكري: إن الإعلام السياسي كان في المرحلة الأولى إيجابيا واستطاع إيجاد نوع من التفاؤل حتى اعتقدنا أن هذه الدول ستنخرط قريبا في اتحاد واحد، إلا أن المرحلة الثانية من عمر مجلس التعاون قد اتسمت نظرة الإعلام السياسي لها بالكثير من الواقعية وصار الإعلام يتحدث عن «العرس الخليجي» دون أن يتحدث أو يفكر في «شهر العسل». أما المرحلة الحالية فلم يستطع فيها الإعلام تقديم نظرة إيجابية في سبيل تجسير الفجوة الحاصلة بين دول مجلس التعاون بل صار شريكا في مفاقمة الأمر.
وحول نظرية المؤامرة الغربية قال المسكري: إذا كنت ضعيفا وغير قادر على التعبير عن موقفك فهذه مشكلتك لا مشكلة الآخر، متسائلا ماذا تنتظر من الغرب؟ هل تنتظر أن يأتي داعما لموقفك وثقافتك وقضيتك؟ عليك أن تدعم قضيتك وحدك، الغرب الذي يمتلك السلاح يريد أن يسوّق سلاحه ولذلك يروّج للصراعات ويصنعها وبيع الأسلحة كما تعلمون يوفر وظائف كثيرة وهو ما يبحث عنه الغرب.
وضرب المسكري مثالا بالخلافات العربية الحاصلة في معهد العالم العربي في باريس مشيرا إلى أن الفرنسيين تعبوا كثيرا من الخلافات العربية – العربية التي ساهمت في تضعيف عمل المعهد.
ونفى المسكري أن يكون لدى العالم العربي خطاب عربي موحد، مؤكدا أن المؤسسة التي عليها تبني هذا الموقف وهي جامعة الدول العربية مترهلة وضعيفة في الوقت الحالي وتخدم أجندات لدول معروفة اليوم، مشيرا إذا كان هذا حال جامعة الدول العربية فمن أين تريد أن يكون هناك خطاب عربي إعلامي موحد!!
وقال المسكري: إن هامش الحرية في الإعلام العماني موجود ولكن على الإعلاميين أن يشغلوا ذلك الهامش ولا يفرضوا على أنفسهم قيودا إضافية ورقابة كبيرة. معتبرا السلطنة في هامش الحرية أفضل مائة مرة من الدول الأخرى.
الجدير بالذكر أن الشيخ سيف بن هاشل المسكري من مواليد 1952م، درس العلوم السياسية، وترأس الاتحاد العماني لكرة القدم لفترتين، ونال وسام النعمان من الدرجة الأولى من حضرة صاحب الجلالة عام 1985م، وعلى وسام التكريم من أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الخليجي 1989م، وعلى وسام بدرجة ضابط من الرئيس الإيطالي عام 1975، وله كتاب بعنوان «أوطان آيلة للسقوط».