هاجس الكتابة والإبداع

د. عزة القصابية –

كَثر الحديث عن الإبداع كعملية حدسية تحقق في المساقات الأدبية والعلمية على حد سواء. وهناك لغط كبير حول تعريف «الإبداع» كمفهوم مطاطي يصعب محاصرته في نطاق ضيق لخروجه عن دائرة المنطق والمحسوس.
تطلق كلمة «مبدع» على الشخص الذي يقدم عملا متفردا يتسم بالجدة، قد يرتبط بما سبقه ولكنه يبحث عن التميز والابتكار. وقد يكون الإبداع نتاج جهود بحثية وعلمية أو أدبية تراكمية سابقة، استطاعت أن تخرج بفكر مختلف عما قام به الآخرون في الماضي.
يُعدّ الإنسان المبدع الأول في هذه البسيطة، كونه يمتلك عقلا يميزه عن بقية الكائنات، لذلك فإن الشخص المبدع هو فرد استثنائي، يستهدفه علماء النفس والاجتماع في محاولة منهم لدراسة ملكاته الفطرية التي تميزه عن الآخر. والوقوف على العوامل المكتسبة والمؤثرة عليه سواء أكانت مادية أم معنوية.
وتعدد أشكال الإبداع ومشاربه حسب توجه النوازع الداخلية والخارجية للفرد، فعلى صعيد «الكاتبة الإبداعية» نجد فئة كبيرة من المبدعين ينضوون تحت مظلة الآداب والفنون الواسعة، التي قد تشمل القصة والرواية والشعر، إضافة إلى فنون الدراما التلفازية والسينمائية والمسرحية التي تتأرجح بين الرؤية البصرية والنص الابداعي.
وقد يتساءل القارئ، هل الكتابة الاحترافية في مجال الإعلام تنضوي تحت مظلة الكتابة الابداعية؟… إذا صنفنا الكتابة الصحفية كمهنة يومية يؤديها الصحفي فإنها ستخلو من الإبداع، وستتحول إلى مهنة تمارس بآلية يومية وفق قوانين وسياسات العمل الإعلامي، لذلك سيتلاشى عنصر الإبداع، وستبرز سمات أخرى يقصدها الإعلامي، منها السبق الصحفي والجدة والحدث الأبرز والأشهر في نطاق زمن معين.
وهذا يشمل الإعلام «المقروء والمسموع والمرئي، ووسائل التواصل الإخبارية». فجميع تلك الحقول تحتاج إلى عمل يومي لا يستطيع العاملون فيها التريث، حتى يصلوا إلى الحالة الابداعية كما هو الحال لدى الأديب أو الفنان، كون الصحفي يخضع لآلية العمل المهني الآني. باستثناء الموضوعات التي تحتاج إلى بحث وتفنيد وتقديم قراءات جديدة، أو كتابة مقالات تحليلية حول ظاهرة معينة، عندئذ ينبثق الإبداع برؤى وفكر جديدين تجعلنا ندرك معنى البُعد الابداعي فيها.
يسعى الكاتب المبدع في نصه إلى مخاطبة فكر المتلقي ووجدانه، وجعله يتعاطف حول ما يقدم له، فهو عنصر فاعل ضمن منظومة متصلة تقع بين المرسل والوسيط. ويعيش الكاتب مخاضا فكريا عندما يبحث عن فكرة أو حكاية استثنائية، تترجم فيما بعد إلى نص إبداعي نستشعر من خلاله روح الإبداع وجمالياته. وقد لا يجد المبدع تفسيرا أو تبريرا لإنتاجه المتفرد. فعلى سبيل المثال في حالة الفنان التشكيلي أو الموسيقي، اللذين قد لا يمتلكان تفسيرا للحالة الفنية التي تعتريهما، ويتجاوبان معها لا شعوريا وفق عملية حدسية مركبة.
كثيرا ما نسمع عن هوس وجنون الإبداع لدى كاتب معين، وقد يصفه البعض بأنه شخص متقلب المزاج، يتسم بالحساسية المفرطة، كما أنه يميل إلى العزلة ليصنع عالمه الخاص به الذي يتصالح مع كيانه الابداعي. وقد يتأثر بموقف معين، يراه الآخرون موقفا عاديا، لا أهمية له، بينما هو قد يستثيره ويؤجج قريحته الفطرية.
يحرك هاجس الكاتب المبدع ويدفعه لخوض غمار عملية إبداعية يعايش من خلالها تصورات وجماليات تدعوه للتوقف والتأمل والخضوع لطقوس الكتابة. فنجد كاتبا مثل نجيب محفوظ يكتب مئات من الروايات الاجتماعية والسياسية المعبرة عن المجتمع وطبقاته، والتي قد يمر عليها الآخرون مرور الكرام. لكن عين المبدع المتقدة ترصد ما تراه وتحوله إلى عمل ابداعي، يعكس حياة الناس في الحارات والأزقة الشعبية.
وفي المسرح نجد الكاتب السوري سعدالله ونوس سخر قلمه لنصرة البؤساء بعد أن نادى بتسييس قضايا المجتمع والالتفاف حول عنق السلطة ومساءلتها. وتصدت جلّ أعماله للأنظمة السياسية ومحاولة تعرية العلاقة بين الشعب والحاكم. ولقد عبر ونوس في نصوصه قبل ربع قرن من الزمان عن آمال وأحلام الشعوب العربية التي تكللت في ثورات الربيع العربي اللاحقة.
وعندما نلامس النص البصري لسيناريست مثل وحيد حامد، فإننا نجده يتأرجح في أعماله الإبداعية بين السينما والتلفزيون. واستطاع بقلمه أن يأسر ألباب وأنظار المشاهدين الذين يتابعون إبداعاته بشغف وفضول، فهم يبحثون عن ذواتهم في أعماله ذات البُعدين الاجتماعي والسياسي؛ مثال: «طيور الظلام ومسجل خطر والغول وطائر الليل الحزين وأحلام الفتى الطائر ومسجل خطر وأوراق الورد» وغيرها من الأعمال الابداعية الدرامية.
حظيت دراما وحيد حامد باهتمام وشغف الناس الذين كانوا يترقبون أعماله ويتفاعلون مع أبطاله وشخصياته، فيسعدون لفرحهم ويحزنون لفقدهم. وبذلك تمكن الإبداع المتلفز أن ينتصر لنظرية أرسطو التطهيرية، فنجد تفاعل الناس باديا على وجوههم وملامحهم، وهم يتابعون أحداث وتطورات أبطالهم. بل أنهم في أحيان كثيرة يخرجون عن دائرة العالم الافتراضي للدراما، ليستكشفوا تفاصيل الحياة الخاصة لنجوم الأعمال الابداعية. فالكتابة للدراما بأشكالها المختلفة هي عملية مشتركة تنبثق من الرصيد الابداعي للمؤلف لتعانق رؤية المخرج، فهو مبدع آخر استطاع أن يجسد نصا بصريا بروح جمالية.
بشكل عام، إن الكتابة الإبداعية هي حصيلة تراكمية لا تكتفي بالموهبة الفطرية عند المبدع فحسب، ولكنها تحتاج إلى خبرة تراكمية تكون منبثقة من خلفية ثقافية، إضافة إلى مشاهدة أعمال إبداعية بصرية، حينئذ يتكون لدى الفرد مخزون يكون بمثابة الدعامة الأساسية التي يستنير به المبدع في إنجازاته.
في عصرنا تضاءلت حالات الإبداع، وهناك من أكد أن «جيل الرواد» أوشك نجمه في الأفول برحيل رموزه سواء في الأدب ككتاب الرواية والقصة، أو في الفنون الدرامية أو في الفنون السمعية كالموسيقى والطرب، أو الفنون البصرية كالرسم والنحت وتوابعها.
وقد يتساءل القارئ؟ هل يعني ذلك أن جيل العمالقة ظهر في حقبة تاريخية معينة ولن يتكرر؟ رغم أن الإبداع حالة إنسانية، وإن البشر لا يزالون يتنفسون الإبداع في كوكب الأرض شرقا وغربا، على اختلاف ثقافاتهم وبيئاتهم، ويمتلكون مدارك إبداعية تجدد عبر الزمن.
ختاما، يُعدّ الإبداع نتاجا إنسانيا، وهو عملية حدسية يصعب تفسيرها، تولد مع الفرد وتصقل بالخبرات والمعرفة. وتُعدّ الكتابة من مكنونات الإبداع المهمة التي تحتاج إلى مهارات وموهبة فطرية تصقل بالثقافة والمعرفة، وتتسلح بالأدوات التي تجعل النص الإبداعي يحقق المتعة الفكرية والجمالية لدى المتلقي.