الجامعة العربية والأمم المتحدة حان وقت الإصلاح

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –
ارتفعت العديد من الأصوات خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل – ومن قبلها بالطبع بعقود – تطالب بإصلاح أقدم منظمتين في العالم وهما جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة والذي لا يفصل بين قيامهما سوى شهور حيث كان عام 1945 هو عام قيام المنظمتين أولهما إقليمية عربية في مارس ، والأخرى عالمية في أكتوبر من نفس العام.

وبصرف النظر عن فعالية المنظمتين في العقود الأخيرة فان مسألة الإصلاح وهيكلة الوحدات التابعة لكل منهما، اصبح من الأمور الملحة التي لا بد منها في ظل تحديات السلم والأمن في الإقليم والعالم.
ورغم أن تلك التحديات التي تواجه المنظمتين تختلف، من حيث آليات حلها للمشكلات ، وتطبيق الميثاق ، إلا أن الجامعة العربية والأمم المتحدة تشتركان في الهموم المشتركة وهي الحفاظ علي الأمن والاستقرار وإيجاد منظومة تعاون بين الدول الأعضاء ، خاصة وأن الدول العربية هي أعضاء في الأمم المتحدة وبعضها دول مؤسسة للمنظمة الدولية كمصر والعراق.

الجامعة العربية الى أين ؟
الجامعة العربية أو بيت العرب، كما يطلق عليها ومنذ قيامها عام 1945 كان همها الأول المساعدة في استقلال الدول العربية من براثن الاستعمار الغربي، علاوة على ظهور القضية الفلسطينية بعد سنوات وبالتحديد عام 1948، ورغم العدد المحدود من الدول العربية في الجامعة آنذاك ، إلا أن صوت هذه المنظمة كان مسموعا ولعبت دورا قوميا خلال عقدين ونصف من استكمال انتهاء الاستعمار الغربي بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة وكذلك الاستعمار الفرنسي من لبنان وسوريا وتونس والجزائر والمغرب والصومال وموريتانيا علاوة على الاستعمار الإيطالي والبلجيكي من ليبيا وعدد من دول القرن الإفريقي كالصومال وجيبوتي، ومن هنا بدا عهد الجامعة العربية بالتضامن العربي، وحركات التحرر من قبضة الاستعمار لعدد من الدول العربية، كما أن القمم العربية كانت ذات أهمية كبيرة في ظل تحديات ما بعد الاستقلال وظهور قضية فلسطين واندلاع عدد من الحروب بين الدول العربية خاصة مصر وسوريا مع إسرائيل.
ولا شك أن العقود الأولى للجامعة العربية كانت نشطة ولها حركتها الدبلوماسية ووجود شخصيات ذات كاريزما كأمناء عامين للجامعة خاصة عبد الرحمن عزام باشا ومحمد عبد الخالق حسونة ومحمود رياض، على سبيل المثال لا الحصر، ومن هنا كانت حركة الجامعة ونشاطها في الأمم المتحدة وفي المجتمع الدولي فعالا.
وعلى ضوء التطورات العربية والمتغيرات التي سادت العالم العربي منذ عقود تراجع دور الجامعة العربية كثيرا وأصبحت تعاني من حركتها المعهودة في ظل الخلافات العربية وعدم تجديد ميثاقها ، ومن خلال عدد من الأزمات العربية الحادة والمؤثرة، كالاجتياح العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، والاجتياح الأمريكي للعراق، اتضح مدى عجز الجامعة عن إيجاد تضامن عربي حقيقي لمواجهة تلك الأزمات والتي لا تزال آثارها باقية وتسببت في جانب منها ، في التأزم العربي الحالي.
مشكلة الجامعة العربية هي في مسألة مواقف الدول الأعضاء ومشكلة الإجماع في عدد من المواقف السياسية علاوة على الدعم المالي الضعيف من الدول الأعضاء علاوة على البيروقراطية التي استنزفت الجامعة العربية وسيطرة عدد محدود من الأعضاء على قرار الجامعة العربية أيضا.
لقد خرجت العديد من الأصوات داعية الى أهمية إصلاح الجامعة العربية وإعادة هيكلة مؤسساتها، بحيث تكون منظمة ذات قدرة على خدمة المصالح العربية والتدخل الفعال لحل أي إشكال عربي-عربي وقد تم تكليف السلطنة منذ عدة سنوات لعمل مرئيات لذلك الإصلاح والتطوير من خلال لجنة عربية رفيعة المستوى وقد قدمت السلطنة مرئياتها في ذلك الإطار ولكن حتى الآن لم يحدث أي حديث جدي عن تنفيذ تلك الآلية الخاصة بالتحديث والتطوير وإصلاح هياكل الجامعة العربية.

الأمم المتحدة
وعندما نتحدث عن أهمية إصلاح الجامعة العربية فإن الأمر ينطبق كذلك على منظمة الأمم المتحدة وهي المنظمة العالمية الأكبر حيث أن أعضاءها يشكلون المجتمع الدولي بما يصل الى 193 دولة عضوا.
وكما ارتفعت الأصوات لإصلاح الجامعة العربية كانت هناك أصوات كثيرة دعت الى إصلاح الأمم المتحدة أكثر قوة، خاصة وان الأمم المتحدة تعاني بيروقراطية وإشكالات هيكلية على صعيد هياكلها الأساسية وخاصة مجلس الأمن والذي يعد أهم أجهزتها وأكثرها نفوذا من قبل الدول الخمس الكبرى وهي الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والصين وبريطانيا وفرنسا وهي الدول التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) .
ودور الأمم المتحدة لا ينحصر في خدمة عدد من الدول كالجامعة العربية، بل ان ميثاقها يتحدث في مواده الأولى عن أهمية صيانة وحفظ السلم والأمن في العالم، خاصة من قبل مجلس الأمن وقراراته المؤثرة ، ومن هنا تأتي أهمية الأمم المتحدة وارتفاع الأصوات حتى من قبل الأمناء العامون وآخرهم البرتغالي جيريتس في هذا الشأن، ومن هنا فإن المنظمتين العريقتين الجامعة العربية والأمم المتحدة يعيشان معاناة حقيقية على صعيد تفعيل العمل المؤسسي.
وكما تعاني الجامعة العربية من مشاكل البيروقراطية وتحكم بعض الدول الأعضاء ، فان الأمم المتحدة تعاني هي الأخرى من الدول التي لديها النصيب الأكبر من تمويل المنظمة الدولية وخاصة الولايات المتحدة والتي تساهم بريع ميزانية الأمم المتحدة تقريبا، وترى واشنطن أن من حقها أن يكون لها دور أكبر في توجيه النشاطات، حتى الإنسانية لخدمة الأهداف السياسية الأمريكية، ولعل المثل الصارخ في هذا الإطار هو قطع المساعدات الأمريكية عن منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا» لأهداف تخص القضية الفلسطينية ورفض السلطة الوطنية والشعب الفلسطيني لصفقة القرن في هذا الإطار.

الإصلاح ضرورة
وعلى ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية فإن إصلاح الجامعة العربية أصبح ضرورة قومية حيث أن الوضع العربي في حالة إرباك سياسي وهناك خلافات عميقة وحروب مشتعلة في أكثر من دولة عربية خاصة في اليمن وسوريا وليبيا وهناك دول تعاني الإشكالات السياسية فلبنان حتى الآن لم يستطع تشكيل حكومة وهناك العراق ينتظر التصديق من البرلمان على عدد من الوزراء وهناك الأزمة الخليجية وتداعياتها على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج.
وأمام هذا الواقع العربي الصعب لا بد من قمة عربية للمصالحة العربية وأن تطرح بشكل واضح الآليات التي تقدمت بها السلطنة أو أي آليات أخرى لإيجاد مخرج واقعي لعمل الجامعة العربية الروتيني والقليل الفاعلية، مقارنة بمنظمات أخرى جاءت بعدها كالاتحاد الأوروبي وحتى الاتحاد الإفريقي.
إذن الإصلاح أصبح ضرورة حتى تصبح الجامعة العربية الذراع الدبلوماسية القوية التي تدافع عن القضايا العربية والمصالح العربية وأن يكون لها ثقل سياسي بعيدا عن الدور الفردي لبعض الدول الأعضاء ، فالتحرك الجمعي من خلال كيان الجامعة العربية يكتسب الأهمية للعالم العربي كالدور الفعال لدول الاتحاد الأوروبي على صعيد اكثر من قضية وآخرها مسألة الجدل حول الرسوم التجارية مع الولايات المتحدة وأيضا موقفها من العقوبات الأمريكية ضد إيران في ظل تمسكها بالاتفاق النووي مع إيران.
الحركة الجماعية للدول، ومن خلال كيان مؤسسي هي أكثر فعالية من التحركات الفردية ومن هنا فان إصلاح الجامعة العربية والأمم المتحدة يعد مهما على الصعيدين الإقليمي العربي والدولي ، حيث أن العرب لديهم قضيتهم المركزية التي تحتاج تحركات واسعة، كما أن النفط واستثمار العلاقات مع الدول في الشرق والغرب من خلال تبادل المصالح والمنافع يسمح للعالم العربي أن يكون قوة سياسية واقتصادية يحافظ على دولة ومصالحها ويكون أداة فعالة من خلال دور فعال للجامعة العربية .
الأمم المتحدة هي الأخرى تحتاج الى إصلاحات هيكلية وإبعاد سيطرة الدول الخمس على القرار السياسي من خلال عضويتها الدائمة في مجلس الأمن من خلال طرح الآليات التي تتحدث عن توسيع العضوية الدائمة بإدخال دول ذات ثقل سياسي كألمانيا واليابان والبرازيل وجنوب إفريقيا ومصر علاوة على منع استغلال التمويل المالي لخدمة أهداف الدول السياسية كموضوع «الاونروا » الذي تمت الإشارة إليه.
إن استمرار الجمود وعدم إيجاد آليات للتطوير ستجعل المنظمتين في حالة جمود وعدم ديناميكية سياسية وهذا سوف يقودهما الى مزيد من عدم الفعالية والنقد الدائم الذي يفضي الى عدم الثقة في ظل تراكم المشكلات والنزاعات والتي ظلت لسنوات دون حل بسبب السيطرة على القرار الدولي في مجلس الأمن واستخدام المواقف لصالح سياسات الدول الكبرى، وعلى ضوء ذلك لا بد من الإسراع في إصلاح هياكل المنظمتين وإدخال تعديلات جوهرية على ميثاقهما بهدف إيجاد الفعالية وتصدر المشهد لإيجاد الحلول لأوجاع ومشاكل شعوب العالم النامية على وجه الخصوص، ووقف الحروب والصراعات التي تنهك الإنسانية.