القيادة الحكيمة والسلوك السياسي القويم

عوض بن سعيد باقوير/ صحفي ومحلل سياسي –

عاشت البلاد فرحة كبيرة ولا تزال بمناسبة العيد الوطني الثامن والأربعين من خلال جملة من المعطيات والأحاسيس المختلفة لأجيال متعددة بعضها رأى الخطوات الأولى لمسيرة النهضة المباركة وما صاحبها من جهود مضنية وتحديات حقيقية، وهناك الأجيال الجديدة التي رأت ما تحقق من تنمية شاملة رأي العين، ومن هنا تأتي المفارقة بين من عايش المشهد الوطني منذ بداياته المبكرة وبين من رأى تلك النهضة التي عمت أرجاء السلطنة، ومن هنا تأتي أهمية الاحتفالات بالأعياد الوطنية؛ كونها تذكيرا بالمنجز الوطني للأجيال الجديدة وذكريات مجيدة للرعيل الأول من العمانيين الذين لعبوا الدور الأهم في مسيرة التنمية الشاملة من خلال قيادة حكيمة ومستنيرة قادها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه.

المعطيات الوطنية

عندما يكون هناك منجز مهم حتى على الصعيد الفردي تتضح أهمية المحافظة على ما تحقق والتطلع إلى تحقيق خطوات على درب الطريق الطويل، وهنا تأتي أهمية المحافظة على المنجز الوطني الذي تحقق خلال الأعوام الثمانية والأربعين الأخيرة، وذلك من خلال الأجيال الجديدة التي تعد هي أمل المستقبل للوطن.
إذا كانت مسارات النهضة العمانية قد حققت كل تلك النجاحات من خلال معطيات سياسية وأمنية ووطنية ليست سهلة فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى مزيد من الجهد والإنتاج والإبداع المميز لجيل عمان الحديث من خلال الاستمرارية في تحقيق معطيات العصر الحالي الذي يتسم بالتنافسية بين الدول والشعوب.
المؤشرات الأخيرة تشير إلى تفوق نوعي للجيل الجديد من خلال الابتكارات وتحقيق المراكز المرموقة في أهم جامعات العالم من خلال تخصصات علمية دقيقة، وهذا يعطي الأمل في أن جيل النهضة الحالية سوف يواصل الجهد لتحقيق المزيد من النجاحات لمسيرة النهضة الحديثة للسلطنة.
الأعياد الوطنية هي مزيج من الاحتفالات والشعور بالبهجة للمنجز الوطني الذي تحقق، وأيضا هي محطات للتأمل في المستقبل خاصة ونحن نعيش في منطقة حساسة على الصعيدين الجغرافي والسياسي تتطلب اليقظة والتفوق والتلاحم الوطني مع القيادة السياسية وأيضا التمعن في حكمة القائد- حفظه الله ورعاه- الذي جنب السلطنة المشكلات والصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأربعة الأخيرة-، وهذا يقودنا إلى أهمية حكمة القيادة ورسمها لرؤية صحيحة منذ البيان الأول الذي ألقاه جلالة السلطان المعظم يوم 23 يوليو عام 1970 والذي تحدث من خلاله عن إقامة الدولة العصرية بكل مكوناتها والتي أصبحت اليوم واقعا نعيشه.
إذا المعطيات الوطنية تحتم على الأجيال الجديدة أن يكون لديها هذا المزج بين الهوية الوطنية والتمسك بها وبين الاندفاع نحو تحقيق الرؤية الوطنية التي تعمل عليها السلطنة وهي رؤية 2040 وهي رؤية تستهدف الأجيال الحالية والقادمة مما يتيح الاستمرار في عمليات بناء الإنسان والوطن معا من خلال الفكر المستنير لبناني نهضة عمان الحديثة.

رؤية القيادة

تطرح تساؤلات أحيانا كثيرة عن سر بقاء السلطنة لمدة تقترب من نصف قرن بعيدا عن الصراعات والخلافات السياسية والبعد عن الدخول في المهاترات، وهي، أي السلطنة، تقع في محيط جغرافي بالغ الحساسية مما جعلها تدعو مبكرا إلى إيجاد منظومة أمنية للمنطقة بعيدا عن التجاذبات السياسية والانحدار نحو الأسوأ من خلال اجتماع وزراء خارجية دول الخليج الثمان في مسقط عام 1976.
رؤية القيادة هي التي تحرك بوصلة الأحداث في أي دولة بمعني أن فلسفة الحكم التي استقرت وآمن بها القائد – حفظه الله – منذ اليوم الأول لنهضة عمان الحديثة من خلال جملة من المبادئ والثوابت الوطنية خاصة في مجال السياسة الخارجية التي أثبتت الأحداث بأنها كانت القراءة الصحيحة التي من خلالها عاشت السلطنة في سلام واستقرار جلب لها كل العالم دولا وشعوب كأصدقاء من خلال تلك الرؤية المتعمقة.
إن غرس مبادئ التعاون والحرص على الحوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين وتبادل المصالح والمنافع المشتركة، والسلوك الأخلاقي الرفيع في التعامل مع الآخرين، قد خلق ثقافة متعمقة عند الشعب العماني مما أوجد هذا التجانس المجتمعي وجعل الوحدة الوطنية هي الأساس في الانطلاق لخدمة الوطن.
جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- اختط هذه الرؤية، وأدرك بخبرته العسكرية والسياسية والوطنية أن تلك الرؤية المتوازنة سوف تحقق الأهداف الوطنية داخليا من خلال إيجاد التنمية الشاملة في كل أرجاء الوطن، وأيضا استشراف المستقبل من خلال تقديم السلطنة كدولة حضارية محبة للسلام يمكنها أن تساهم بشكل إيجابي في خدمة هذا المنظور الإنساني الذي يتطلع إليه الجميع ومن هنا كان التحرك العماني نحو المنطقة مبكرا وكان للدبلوماسية العمانية دور مهم على صعيد تهدئة الأمور في أكثر من ملف وآخرها الملف النووي الإيراني مع القوى الدولية، وهناك الآن الملف اليمني الذي تبذل السلطنة من خلاله جهودا كبيرة لوقف الحرب المدمرة وإنهاء معاناة الشعب اليمني الشقيق، علاوة على جهودها الإنسانية في خدمة أبناء اليمن الشقيق والتخفيف قدر الإمكان من معاناتهم.

الانطلاق نحو الأفق

على ضوء ما تحقق من تنمية شاملة ومن خلال بهجة الأعياد الوطنية فإن الانطلاق نحو تحقيق المزيد من الإنجازات هي مسألة أساسية ومتواصلة من خلال الخطط الخمسية ومن خلال رؤية عمان 2040 ومن خلال استراتيجية تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على قطاع النفط والغاز فقط وتنشيط القطاعات الحيوية التي حددتها وحدة التنفيذ خاصة القطاع اللوجستي وقطاع السياحة الذي يمكن أن يلعب دورا اقتصاديا كبيرا إذا تم التخطيط له بشكل صحيح، وأيضا هناك قطاع الخدمات والقطاع السمكي وأخيرا قطاع التعدين المهم أيضا.
لدينا بنية أساسية قاربت على الاكتمال من خلال وجود شبكة طرق ممتازة بمقاييس العالم، وهناك مطار مسقط الدولي الجديد الذي سوف يكون له إسهام كنافذة عمانية تطل على العالم، وهناك مطار صلالة الجديد، كما أن الموانئ والمناطق الاقتصادية كمنطقة الدقم سوف تلعب دورا كبيرا في مجال الاستثمار وزيادة الناتج المحلي الإجمالي علاوة على القدرات الوطنية ودورها الرائد في البناء والإبداع.
حققت السلطنة مؤخرا مراكز مهمة على صعيد مؤشرات التنافسية الدولية، وهذا يعطي مؤشرا على أهمية الانطلاق نحو الأفق من خلال الدفع بتلك القطاعات وأيضا وجود الموقع الاستراتيجي بالغ الأهمية، وأيضا من خلال ما تتمتع به السلطنة من احترام واسع النطاق ومصداقية إقليمية ودولية تجعل من تلك العوامل الموضوعية نقطة انطلاق نحو تحقيق الرؤية الوطنية الحالية والمستقبلية.
يبقي أخيرا موضوع جودة التعليم الذي يعد الأساس لأي تنمية مستدامة وحقيقية لأي دولة، ولا شك أن تجويد التعليم يعد واحدة من الخطوات الأساسية التي لا بد أن تشغل الجميع؛ لأن وجود التعليم المتطور يعني الانطلاقة نحو الأفق الذي تمت الإشارة إليه، ولا شك أن هذا الموضوع ليس ببعيد عن المخططين للعملية التعليمية والتربوية في السلطنة في ظل التنافسية والسباق نحو تحقيق الأحلام الوطنية المشروعة، علاوة على أن التعليم التقني أصبح أداة أساسية ترتبط بالابتكار والثورة الصناعية الرابعة، وهذا أمر مهم حتى تكون الأجيال الجديدة في وضع معرفي يسمح لها أن تلعب دورها خاصة أن تلك الأجيال يعول عليها نقل السلطنة الحديثة إلى آفاق أرحب، في ظل مناخ فريد من السلام والأمن والاستقرار لرؤية تحققت على يد سلطان حكيم آمن بقدرات وطنه وشعبه فتحققت الكثير من الآمال، ونحن نراها رأي العين ونحن نحتفل بالعيد الوطني الثامن والأربعين المجيد. كل عام والوطن والسلطان- حفظه الله- والشعب العماني الكريم في خير وعافية وازدهار.