بناء مؤسسي يستوعب كل الطموحات !!

د.عبد الحميد الموافي –

ببساطة شديدة شيد جلالته -بمشاركة المواطنين العمانيين- دولة عصرية، بمؤسساتها ونظمها ومسؤوليات سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبحقوق وواجبات مواطنيها، وبأسس علاقاتها وسياساتها داخليا وخارجيا، وعلى نحو لم يكن موجودا من قبل، ومع أهمية وقيمة وعظمة ذلك يسعى جلالته إلى تحقيق المزيد لصالح الدولة والمجتمع والمواطن العماني، ومن منطلق أن جلالته صاحب رسالة، وليس صاحب سلطة.
بالرغم مما قد يبدو من الوهلة الأولى، من أن الحديث عن مسيرة النهضة العمانية الحديثة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وما حققته على امتداد الأعوام الثمانية والأربعين الماضية، هو أمر يسير، باعتبار أنه ليس هناك جانب من جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والإعلامية والخدمية بمفهومها الواسع، لم تتحقق فيه إنجازات كبيرة وملموسة، وليست هناك محافظة ولا ولاية ولا مدينة أو قرية، ولا حتى تجمعا سكانيا ولو صغيرا، على أطراف الصحراء، أو في بطن وادي، أو على سفح جبل، أو بالقرب من أحد السيوح لم تطله يد التنمية والتحديث العمانية، وعلى نحو انتقل بالفعل بحياة المواطنين إلى مستوى ونمط حياة جديد بشكل يتجاوب مع طموحاتهم وتطلعاتهم لحياة أفضل، تتواكب مع طبيعة الحياة في القرن الحادي والعشرين، وفي إطار الإمكانات المتاحة أيضا، إلا أن الأمر ليس كذلك.
وإذا كان ما تحقق على امتداد العقود والأعوام الماضية من عمر مسيرة النهضة العمانية الحديثة، يعبر عن نفسه بوضوح، لكل ذي عينين، ولكل من يريد أن يرى، فإن ذلك في حد ذاته قد يجعل الحديث غير سهل، ليس فقط لأن ما يعيشه المجتمع العماني هو ببساطة ثمرة وإنجازات الأعوام الماضية، منذ تولى جلالة السلطان المعظم مقاليد الحكم في عام 1970، ولكن أيضا لأن جيل اليوم من الأبناء والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاما تقريبا، قد ولدت الشريحة الأكبر سنا منهم في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وولدت الشريحة الأصغر منهم بعد بداية القرن الحالي، وهذه الشريحة العمرية، وبحكم طبائعها، مشدودة إلى حاضرها ومستقبلها، وهو أمر طبيعي، ومن ثم قليلا ما تستمع، أو تنصت بمعنى أدق، لحديث يغرق في الماضي، أو لا يهتم بما يكفي باهتماماتها الآنية والمستقبلية، وهذه في الواقع إحدى مشكلات المجتمعات الفتية، أو التي شهدت تغيرات واسعة على حياتها خلال العقود الأخيرة، سواء في منطقتنا العربية أو خارجها، فلم يعد حديث المقارنة بين ما كان بالأمس وما هو قائم أو متحقق الآن كافيا. صحيح أن طبيعة الاحتفالات بالأعياد والمناسبات الوطنية تقتضي وتتحمل مثل هذا الحديث بأشكاله المختلفة، ولأسباب تفرضها طبيعة هذه الأعياد وما يصاحبها من شعور وطني عام بالإنجاز والاعتزاز بما تحقق، ولكن الصحيح والمهم أيضا هو أن ما نعيشه ونستمتع به، سواء كنا كبارا أو شبابا أو صغارا لم يتحقق فجأة، ولا من تلقاء نفسه، ولا يمكن النظر إليه على أنه من طبائع الأشياء، أو الأمور المفروغ منها؛ لأن هناك ببساطة مجتمعات أخرى كثيرة لم تتمكن من تحقيق إنجازات، أو نقلة كبيرة في حياتها، وبالتالي يظل الأمر مرتبطا، أو متوقفا على كيفية الحديث، وأساليب التعامل، وتقديم ما تحقق وما يتحقق من منجزات بأشكال تستطيع الاقتراب من الشباب ومن كل فئات المجتمع والأخذ بيدها وإيضاح ما تم بذله من جهود وتضحيات حتى يتم تنفيذ مشروع ضخم، أو تمديد وصلات كهرباء ومياه وطرق إلى مناطق جبلية، أو تعميق حوض ميناء ليستوعب ناقلات وسفن عملاقة، أو تشييد مطار ضخم يمكنه الوفاء باحتياجات عقود قادمة، أو توفير مستشفيات ومراكز صحية توفر علاجا جيدا ومتطورا للمواطنين، أينما كانوا، ولعل ذلك يقتضي أحيانا تنظيم زيارات ميدانية لمجموعات من الشباب، وحتى أعضاء مؤسسات الشورى والعاملين في مؤسسات مختلفة، لبعض مواقع العمل والإنتاج والمرافق والمشروعات التي يتم تنفيذها، للوقوف على جانب مما يتم القيام به، دون الوقوع في مطب الدعاية الفجة، أو الصاخبة.
على أية حال فإن من حسن الحظ، أو بمعنى أدق من الجوانب الإيجابية والمفيدة في المجتمع العماني أنه لا يزال مجتمعا متماسكا، تلعب فيه الأسرة والتقاليد الاجتماعية دورا كبيرا ومؤثرا، ولا تزال الكثير من الخبرات تنتقل بين الأجيال، وعبر المعايشة والتلقين والتربية في إطار الأسرة الصغيرة والأسرة الكبيرة أيضا، بشكل أو بآخر، إلى جانب الوسائل الأخرى بالطبع التي يزداد ويتسع تأثيرها، ومن ثم لا يزال هناك اتصال مستمر بين الأمس واليوم، بل بين الماضي والحاضر، وهو ما ينبغي الحفاظ عليه مع التجاوب في الوقت ذاته مع اهتمامات وطموحات الأجيال الشابة والعمل على ربطها بشكل أكبر وأكثر سلاسة مع واقعها الاجتماعي وتقاليدها المجتمعية وتاريخها الحضاري، دون وعظ أو أساليب لا تحقق الغرض منها. وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
* أولا: إن ما تحقق على امتداد أعوام مسيرة النهضة العمانية الحديثة الثمانية والأربعين الماضية، هو ببساطة نقلة نوعية وكمية أيضا، في حياة الدولة والمجتمع والمواطن العماني، بكل جوانبها وأبعادها. ومع أن تلك الأعوام، تظل محدودة في عمر الشعوب، خاصة فيما يتصل بالتغيرات الاجتماعية والسياسية في حياتها، إلا أن ما تحقق يفوق في الواقع كل التوقعات. فالآن توجد دولة عمانية عصرية، بكل المعاني، تم تشييدها وإقامة هياكلها وبناء مؤسساتها ونظمها الإدارية والتنظيمية المختلفة، وهى دولة أثبتت قدرتها، ليس فقط على صعيد النهوض بواجباتها ومسؤولياتها حيال أبنائها ومواطنيها، ولكن أيضا حيال محيطها الإقليمي والدولي، وحيال مختلف المشكلات والتطورات التي تجري حولها. نعم هناك دولة عمانية حديثة ومتطورة، وقادرة على مواكبة مختلف التطورات الاقتصادية والسياسية حولها، والعمل على الإسهام الإيجابي فيها، لصالحها ولصالح دول وشعوب المنطقة التواقة للسلام والاستقرار. والأكثر من ذلك أنها دولة قادرة على تطوير قدراتها وإمكاناتها الذاتية في مختلف المجالات، وبما يعود بالخير على الوطن والمواطن العماني. ويكفي الاطلاع على بعض التقارير والمؤشرات الدولية التي تصدرها مؤسسات ومراكز بحوث ومنظمات دولية في مجالات عدة منها التنافسية، والشفافية، والسلام والاستقرار، وعدم التعرض لأحداث إرهابية، والابتكار وغيرها، حيث تحقق السلطنة مراكز متقدمة، تعكس حجم الجهود المبذولة بسواعد أبنائها في مختلف المجالات، ومن ثم فإن الدولة العمانية الحديثة هي دولة حية، نشطة، تتفاعل مع محيطها وتسعى لتلبية احتياجات مواطنيها والمقيمين على أرضها، في إطار إمكاناتها المتاحة بالطبع، وبعيدا عن القفز أو تقليد الآخرين، فالتجربة والتنمية والتطور على امتداد هذه الأرض الطيبة، هي تجربة عمانية تستند في الواقع إلى تاريخ وامتداد حضاري ثري ومتواصل ومفيد في إثراء الحاضر واختياراته المختلفة، ولعل ذلك هو من أهم ضمانات التطور العماني في الحاضر والمستقبل، والحفاظ عليه في سياقه العماني المميز والملموس، في تفاعله مع التطورات المتسارعة في عالمنا المعاصر، فقد نجحت الدولة العمانية في حل معضلة التوافق بين الأصالة والمعاصرة.
*ثانيا : أنه إذا عدنا قليلا إلى الظروف والأوضاع العمانية التي صاحبت تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – أعزه الله – مقاليد الحكم في عام 1970، فإنه بالفعل، وفي ظل حقائق تلك الفترة الصعبة، من الطبيعي ومن حق جلالته، أن يتوجه إليه الجميع من أبناء عمان، بكل أجيالها الحالية، بالامتنان والعرفان والشكر، ليس فقط لأن التحديات كانت كبيرة جدا، وفي كل المجالات دون استثناء، ولكن أيضا لأن إرادة وعزيمة وتصميم جلالته على التصدي لذلك كله والعمل على التغلب عليه، والسير نحو بناء الدولة العصرية، القادرة على استعادة مكانة عمان ودورها الحضاري، كان هو المحرك القوي لطاقات أبناء الوطن، وسرعان ما انتقل هذا العزم والتصميم إلى المواطنين على امتداد هذه الأرض الطيبة، وبهم وبجهودهم وبمشاركتهم النشطة والمتواصلة، استطاع جلالة السلطان المعظم التغلب على مختلف التحديات، والسير بعمان نحو غاياتها وأهدافها التي وضعها جلالته، وفي مقدمتها بناء دولة عصرية، قادرة على توفير حياة كريمة للمواطن العماني، وتحقيق الأمن والاستقرار لأبناء الوطن في الحاضر والمستقبل. بالتأكيد كانت الأعباء ضخمة، وأحيانا مخيفة، ولكنالثقة في الله وفي الذات، وفي أبناء الشعب العماني، والسياسات الواعية، وتكريس كل الجهود للبناء والتنمية، وعدم السماح بالانجرار إلى دروب فرعية، والنجاح في حشد الطاقات الوطنية، بشرية ومادية، على نحو غير مسبوق، كل ذلك يفسر ما تحقق من نجاح ملموس في مختلف المجالات، ويكفي أن المواطن العماني شعر منذ البداية أن جلالته يعمل من أجله، ومن أجل النهوض بهذا الوطن، وأن مشاركته وإسهامه يعود عليه بالفائدة، لصالحه ولصالح أبنائه في الحاضر والمستقبل. وفي هذا الإطار دون أية مبالغة، فإن الفضل الأول يعود إلى جلالته، وإلى قيادته الواعية، الحكيمة والبعيدة النظر التي حرصت دوما على الحفاظ على طاقات الوطن وتكريسها لصالح أبنائه، وبناء سياسات وعلاقات طيبة مع الأشقاء والأصدقاء على نحو جعل عمان موضع ثقة الجميع، بل ومكنها من الإسهام الإيجابي في حل الكثير من الخلافات والمنازعات لصالح دول وشعوب المنطقة، ومن ثم تحولت عمان إلى طاقة إيجابية لصالح الأشقاء والأصدقاء ولصالح السلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم، ولم يكن ذلك ممكنا إلا بفضل سياسات ومواقف ورؤية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – لعمان ولدورها في المنطقة من ناحية، وما نجح في تحقيقه على الصعيد الداخلي من إنجازات كبيرة وتماسك ووحدة وطنية وحشد لكل طاقات المجتمع في إطار خطط التنمية الوطنية المتتابعة من ناحية أخرى. فمن المعروف أن النجاح في الخارج هو امتداد للنجاح في الداخل، وليس العكس.
* ثالثا: أنه مع الوضع في الاعتبار كل تلك الإنجازات التي تحققت، وتتحقق يوما بعد آخر، في ظل مسيرة النهضة العمانية الحديثة بقيادة جلالة السلطان المعظم – أبقاه الله – ومع إدراك الأهمية الكبيرة لها، في كل المجالات، فإنه ليس من المبالغة في شيء القول: إن إرساء البناء المؤسسي للدولة، بل وصياغته وتحديد إطاره القانوني والدستوري بشكل واضح ومحدد ودقيق من خلال النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (101/‏‏‏ 96) الصادر في السادس من نوفمبر عام 1996 وتعديلاته، هو من أبرز، بل هو أبرز وأهم ما حققه جلالة السلطان المعظم لعمان، دولة ومجتمعا ومواطنا، في الحاضر والمستقبل.
صحيح أن النظام الأساسي للدولة عند صدوره كان تجسيدا للكثير مما عاشته عمان وما تمت ممارسته في مختلف المجالات خلال المرحلة الأولى للتنمية الوطنية التي امتدت من عام 1970 حتى عام 1995، ولكن الصحيح بالتأكيد هو أن النظام الأساسي للدولة شكل منذ صدوره، وبتعديلاته، الوثيقة الدستورية العمانية الواضحة والمتكاملة التي تحدد كل ما يتصل ببناء الدولة العمانية العصرية، طبيعتها وهويتها ونظام الحكم والمبادئ الموجهة لسياساتها في المجالات المختلفة على المستويين الداخلي والخارجي، وكذلك الحقوق والواجبات العامة، وضمانات الحريات للمواطنين، والجوانب المتصلة برئيس الدولة ومهامه، ومجلس الوزراء ومهامه في تنفيذ السياسات العامة للدولة، ومجلس عمان والاختصاصات التشريعية والرقابية له، والسلطة القضائية وضمانات استقلاليتها وحياديتها وتجريم التدخل في شؤونها، وبما يضمن سيادة وحكم القانون، وهو ما يتجاوب أيضا مع تطلعات المواطنين وشريحة الشباب المشدودة للمستقبل.
ولعل مما له دلالة عميقة أن النظام الأساسي للدولة، أصبح يشكل منذ صدوره الأساس الذي تستند إليه المراسيم السلطانية السامية، ومن ثم القوانين الصادرة في المجالات المختلفة، وكذلك عمل وأداء وممارسات مختلف المؤسسات والهيئات، وفق ما يحدده النظام الأساسي للدولة.
وببساطة شديدة شيد جلالته بمشاركة المواطنين العمانيين دولة عصرية بمؤسساتها ونظمها ومسؤوليات سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبحقوق وواجبات مواطنيها، وبأسس علاقاتها وسياساتها داخليا وخارجيا، وعلى نحو لم يكن موجودا من قبل.
ومع أهمية وقيمة وعظمة ذلك يسعى جلالته إلى تحقيق المزيد لصالح الدولة والمجتمع والمواطن العماني، ومن منطلق أن جلالته صاحب رسالة، وليس صاحب سلطة .