مسيرة بناء الإنسان في النهضة العمانية

د. صلاح أبونار –

يمكن القول إن الهدف التنموي الثالث المتمثل في بناء الإنسان العماني، بقدر ما شكل هدفا موازيا للهدفين الآخرين، بقدر ما شكل مدخلا ضروريا لضمان تحقيقهما من جهة ، والمواجهة القاعدية الجذرية لتحدي قلة الموارد الاقتصادية من جهة أخرى.
انطلقت مسيرة النهضة العمانية المباركة والمجيدة، بقيادة وحكمة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه- مستهدية بعدة أهداف أساسية. إعادة بناء الدولة العمانية، وإطلاق مسيرة التنمية الاقتصادية، وبناء الآنسان العماني.
كانت عملية إعادة بناء الدولة العمانية، تعني بناءها على قاعدة جديدة تجمع بين المركزية والمؤسسية وسيادة القانون والوظيفة التنموية. وكان إطلاق مسيرة التنمية يعني بناء شبكة ممتدة ومتكاملة ومكثفة من البنى التحتية، وتبني مفهوم واقعي ومتوازن للتنمية المخططة عبر خطط تنموية خمسية متوالية، ووضع تصور مستقبلي للتحرر من نمط النمو المرتبط بالريع النفطي ودور الدولة الاقتصادي المركزي، صوب نمط متوازن للنمو يرتكز على التنويع الاقتصادي والدور الأساسي للقطاع الخاص وإعادة تحديد دور الدولة كمالك ومستخدم. وكان بناء الإنسان العماني يعني ضمان حقوقه في الصحة والتعليم والإسكان والاحتياجات الإنسانية الأساسية، و بالتالي تأسيس القاعدة اللازمة لتمكينه من الاضطلاع بواجباته الأساسية في بناء النهضة.
واجهت تلك العملية في مسيرتها تحديات عميقة. فلقد واجهت – أولا – تحدي السياقات الدولية والإقليمية. كانت السياقات الإقليمية في العقد الأول لانطلاق النهضة سياقات متوترة ومشتعلة، حملت في توترها بقايا الحرب الباردة العربية التي شهدتها الخمسينيات والستينيات، وتداعيات الأجواء العربية المشحونة بعد هزيمة 1967 وانكسار الراديكالية العربية، والتداخل العميق للصراعات والتحالفات العربية مع نظام القطبية الثنائية في فترة من أكثر فتراته تقلبا. وكان من شأنه أن يخلق مواقف صعبة تفرض على صانع القرار العماني خيارات دقيقة، من أجل تجنب المزالق والانسياق وراء تكتلات وصراعات لا فائدة منها، والدخول في عداوات لا مبرر لها، والتخلي عن تحالفات داعمة لها قيمتها، وبالتالي تشتيت الجهد وتبديد الموارد الوطنية، وإهدار مقتضيات بناء سياسة خارجية وطنية مستقلة.
غير أن التحدي الثاني والأخطر كان تحدي محدودية الموارد الاقتصادية قياسا على ضخامة الأهداف. فلقد كان النفط حديث الاستغلال في عمان، وعندما أخذت عوائده في التدفق القوي لم تضاه في كثافتها عوائد الدول الأخرى الأغزر إنتاجا، لعله في طبيعة التكوين الجيولوجي للموارد ذاتها. وبالتوازي مع ذلك كان العمانيون بالمقارنة مع اغلب الدول المنتجة للنفط، أكثر عددا وينتشرون على نطاق إقليمي أكثر اتساعا وتنوعا في تكوينه وخطوط مواصلاته الداخلية أطول وأكثر مشقة وتكلفة. وكل ذلك كان يعني ضغطا أكبر على الموارد المحدودة، يقتضي من أجل مواجهته أعلى درجات الرشاد في استخدام الموارد، ومقدرة عالية على التخطيط وتحديد الأولويات، وحسا سياسيا من نمط خاص واستثنائي.
ويمكن القول إن الهدف التنموي الثالث المتمثل في بناء الإنسان العماني، بقدر ما شكل هدفا موازيا للهدفين الآخرين، بقدر ما شكل مدخلا ضروريا لضمان تحقيقهما من جهة، والمواجهة القاعدية الجذرية لتحدي قلة الموارد الاقتصادية من جهة أخرى. ذلك أن عمان مجتمع يمتلك مواريثه التاريخية و الحضارية الثرية والمتراكمة على مدى قرون متواصلة. فمساهمته في تاريخ الحضارة الإسلامية معروفة، ودورة كمجتمع تجاري لعب دورا أساسيا على مدى التاريخ كقناة اتصال بتجارة آسيا عبر طريق الحرير البحري أمر مشهود به على مر العصور، وحتي القرن التاسع عشر كان يشكل دولة بحرية لها أساطيلها وأقاليمها البحرية وجالياتها التجارية المستوطنة في موانئ تلك الأقاليم التابعة لها سياسيا في افريقيا وآسيا. ولكن عمان في العقود القليلة السابقة على انطلاق النهضة، مرت وعانت من مرحلة عزلة وركود ألقت بظلالها على الوضع الكيفي لقواها البشرية. وكان من شأن ذلك أن يساهم في دفع هدف التنمية الإنسانية إلى موقع الصدارة.
وهذا بالضبط ما يفسر ضخامة الإنجاز العماني في مجال التنمية الإنسانية. في تقرير التنمية البشرية الصادر في سبتمبر 2018، احتلت عمان المرتبة 48 من 189 دولة، بعد أن كانت في المرتبة 52 عام 2017. وجاء هذا التقدم مواصلة لتقدم سابق على مدى عقود متواصلة. وفقا لتقارير التنمية البشرية كانت تحتل المرتبة89 في 1997، وفي عام 2001 صعدت إلى المرتبة71، وفي عام 2010 قفزت للمرتبة 53. ولكن تاريخ هذا التقدم العماني يرجع إلى أبعد من 1997. يخبرنا تقرير التنمية البشرية 2010:«تعد عمان الدولة الأولى في العالم من حيث التقدم في دليل التنمية البشرية في الفترة من 1970 حتى 2010. وكذلك في مؤشرات الصحة والتعليم، فلقد حققت زيادة قدرها أربعة أضعاف في معدلي الالتحاق بالمدارس والإلمام بالقراءة والكتابة، وزيادة 23 سنة في متوسط العمر المتوقع عند الولادة». وفي «تقرير التنمية البشرية عمان 2012» سنجد مقارنة بين عمان والوضع العربي العام:« يعتبر مستوى التنمية البشرية في عمان أفضل من المستوى السائد في الدول العربية ككل، فدليل النسبة المئوية للتنمية البشرية في عمان يزيد بمقدار 167 نقطة مئوية عن الدليل المناظر للدول العربية جميعها. كما يزيد العمر المتوقع عند الميلاد بأربع سنوات عن العمر المناظر للدول العربية جميعها، وتظل عمان افضل الدول العربية في متوسط عدد سنوات الدراسة بفارق 2,3 سنة، ويمثل نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي حوالي ثلاثة أضعاف نصيب الفرد في الدول العربية».
وتبدو أبعاد هذا الإنجاز واضحة عندما نستعرضه في مجالاته الأساسية: التعليم والصحة ووضع المرأة.
في التعليم وصلت نسبة الأمية عام 1970 إلى 65,7% من إجمالي الراشدين، وفي عام 2016 أصبحت 6,7% فقط. وفي عام 1969 كان هناك ثلاث مدارس فقط وكلها ابتدائية احتوت 900 طالب، وفي عام 1970 قفزت إلى 16 مدرسة بها 6941 طالبا، وفي عام 2017 أصبحت المدارس 1809 مدارس يدرس بها 770481 طالبا. ويبدو التقدم أوضح في معدلات الالتحاق، ففي 2016 وصل معدل الالتحاق الإجمالي 101,5% للصفوف 1-6 ، و102,1% للصفوف 7 -9، و96,6% للصفوف 10 – 12. انطلقت مسيرة التعليم العالي انطلاقتها القوية بتأسيس جامعة السلطان قابوس عام 1986. وفي عام 1986 لم يتعد عدد طلاب التعليم العالي 1082، وفي عام 2015 وصل عددهم إلى 135493.
وفي الصحة تبدو الإنجازات واضحة على مستوي البنية التحتية. في عام 1970 لم يتواجد في عمان كلها سوى مستشفيين، وارتفع عددها إلى 74 مستشفى عام 2016. وفيما بين عامي 1980 و2016، قفزت معدلات الكوادر الطبية لكل عشرة آلاف من السكان، من 5,1 إلى 19,5 للأطباء، ومن 10.8 إلى 44,8 للممرضات ومن 0,5 إلى 5,5 للصيادلة. وانعكس هذا التقدم على أساليب الرعاية الصحية. في عام 2000 وصلت نسبة الولادة تحت إشراف أخصائيين مهرة إلى 96.8%، ارتفعت عام 2015 إلى 99,8%. وفيما بين عامي 1980 و2016 ارتفعت نسبة تحصين الأطفال من 54% إلى 100% للدرن، ومن 19% إلى 99,9% لشلل الأطفال، ومن 10% إلى 99,9% للحصبة. وكان لذلك نتائجه الأكيدة على مؤشرات صحة الأفراد. فيما بين 1980 و2016 انخفضت معدلات الوفيات الخام لكل ألف من السكان من 13,3 إلى 3,0، ومعدلات وفيات الأطفال الرضع لكل ألف مولود حي من 64 إلى 9,6، ومعدلات وفيات الأطفال اقل من خمس سنوات لكل ألف مولود حي من 86 إلى 11.7. وانعكس ذلك على العمر المتوقع للفرد عند الميلاد، فوصل إلى 76,4 عاما في 2015 بفارق 23 عاما عنه في سنوات النهضة الأولى.
وإذا انتقلنا إلى مجال المرأة سنجد الصورة لا تقل إيجابية. في التعليم حققت الإناث مساواة كاملة مع الذكور. في 1970 لم تتجاوز نسبة الطالبات في المدارس الحكومية 13.5%، ووصلت عام 2017 إلى 49.6%. لكن الإناث في التعليم العالي تمكنوا من تجاوز المساواة إلى التفوق. ففي 1986 رجحت كفة الذكور على الإناث بنسبة 716 طالبا مقابل 366طالبة. ثم انقلبت الموازين عام 2015 إلى 79338 طالبة مقابل 56155 طالبا. ولقد انعكس ذلك على نسبة المتعلمات من النساء إلى إجمالي النساء. فيما بين عام 2003 وعام 2014 انخفضت نسبة النساء اللاتي لا يحملن مؤهلات تعليمية من 38,88% إلى 9,9% ، ونسبة من يحملن مؤهلا اقل من الثانوية من 31,4% إلى 23.8%، بينما ارتفعت نسب الحاصلات على ثانوية عامة فاكثر من 29,37% إلى 66.3%. وكان من الطبيعي أن تنعكس المساواة التعليمية بدرجات متفاوتة على وجود المرأة الاجتماعي. ارتفعت نسبة مشاركة النساء في سوق العمل من 6,7% عام 1993، إلى 25,30 عام 2010، ونسبة مشاركتهن الفعلية في العمل من 14,4% عام 2010 إلى 15,5% عام 2014. وارتفعت نسبة النساء في القطاع العام من 3,4% عام 1980 إلى 40.6% عام 2017، وفي القطاع الخاص من 10% عام 2000 إلى 25,4% عام 2017. وفي العمل الحكومي تولت النساء المناصب القيادية، ولكن بنسب أقل من الرجال. في عام 2017 بلغت نسبتهن 7,1% من السفراء، و7,5% من مديري العموم، و5,6% من وكلاء الوزراء، و13,5% من رؤساء الأقسام، و9,6% من مدراء الإدارات. وفيما بين عامي 1980 و2017، قفزت أعداد الجمعيات النسائية من 3 إلى 61، و العضوات من 950 إلى 22118.وفي مجال المشاركة السياسية وصلت نسبة النساء عام 2017 إلى 17% في مجلس الدولة، و1,2% في مجلس الشوري، و3,5% في المجالس البلدية.