مركز عمان للتحكيم التجاري .. أهمية متعددة الجوانب

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

إنشاء مركز عمان للتحكيم التجاري يمثل ضرورة للحياة الاقتصادية، ويمثل بديلا لطرح القضايا والمنازعات وتسهيل الأمور، خاصة وأن مراكز التحكيم في أي مكان في العالم هدفها توفير الخدمات لأطراف النزاع، وتخصيص مكان للجلسات وتوفير خدمات الاتصالات والترجمة والمداولات، بجانب أنها تعمل على ترويج خدمات الدول في جذب المزيد من الاستثمارات
تزداد أهمية مراكز التحكيم التجاري مع توسع الأعمال والمبادرات الاقتصادية والتجارية في أي مجتمع يتمتع بالاقتصاد الحر. وكما هو معروف فان القطاع التجاري في السلطنة، ومن منطلق اتباعه لمنهج الاقتصاد الحر، فانه شهد العديد من التطورات الإيجابية خلال العقود الخمسة الماضية. فقد ارتفع عدد المؤسسات والأنشطة التجارية المسجلة في مختلف المحافظات العمانية عن 267 ألف مؤسسة وشركة، وفق بيانات وزارة التجارة والصناعة . وعدد كبير من هذه المؤسسات والشركات العمانية الكبيرة تمارس أنشطة مختلفة في مجالات الأعمال التي تحتاج أحيانا إلى سرعة البت في قضاياها التجارية ، في حال نشوب أي خلافات أو منازعات تجارية مع أطراف أخرى. والوزارة من جانبها تسعى إلى تشجيع القطاع الخاص وتعزيز جهوده ليسهم في تنمية الاقتصاد الوطني، وإيجاد الوسائل الكفيلة لدعم قدرات قطاعي التجارة والصناعة، من خلال تطوير وإعداد السياسات العامة والدراسات والتشريعات اللازمة وتنفيذها بشكل فعال، بجانب العمل على توجيه الاستثمار الأجنبي بما يتفق مع الخطط الاستراتيجية لإنعاش الحركة الاقتصادية، والاستمرار في العمل على تنمية وتطوير العلاقات في تلك المجالات وتطوير وتفعيل مجالات التعاون مع المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق يأتي صدور المرسوم السلطاني السامي رقم 26/‏‏2018 بإنشاء مركز خاص تحت مسمى «مركز عمان للتحكيم التجاري» يتبع غرفة تجارة وصناعة عمان ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري. فهذا المركز يعتبر من الركائز المهمة لبناء اقتصاد وطني ، كونه يشجع على الاستثمار، كما أنه أداه لتأكيد الثقة والطمأنينة في مجال المعاملات الاقتصادية والمالية في السلطنة . ففي حال نشوب أية خلافات تجارية يلجأ التجار إلى التحكيم من خلال المنظومة القضائية المتواجدة في البلاد، فيما يعتبر إنشاء المركز إضافة للمنظومة القضائية العمانية ، ويمكن من خلاله حل النزاعات التي تحدث بين المؤسسات والشركات سواء داخل الدولة أو خارجها. فمثل هذه المراكز تتميز في مختلف الأوقات بتوفير عدد من التسهيلات التي تناسب أعمال المؤسسات التجارية، واتباعها لقواعد التحكيم العادلة وسرعة البت في اتخاذ القرارات. كما أنها تعطي الحرية للأطراف بحل المنازعات من خلال محكم فرد أو عدة أشخاص تجاه المسائل التجارية والمصرفية والمالية والعقود وغيرها. وهناك عدة مراكز تحكيم تجارية عالمية معروفة في العالم منها CIA وLCIA ، وعلى الأطراف أن تتحمل المصاريف الباهظة للمحامين والخبراء وغيرهم في حال الذهاب إلى التحكيم من خلال هذه المراكز، وأن قراراتها تعتبر قرارات نهائية عند صدورها من قبل المحكمين وغير ممكن استئنافها. وتتسم هذه المراكز بالسرية عادة ، في المواضيع التي تقوم بتداولها، وفي حال صدور الحكم من بعض تلك المراكز وفق معاهدة نيويورك، فعلى السلطات المحلية التعامل مع تلك القرارات وكأنها أحكام محلية، خاصة من قبل الدول الأعضاء في تلك المعاهدة.
إن إنشاء مركز عمان للتحكيم التجاري يمثل ضرورة للحياة الاقتصادية، ويمثل بديلا لطرح القضايا والمنازعات وتسهيل الأمور، خاصة وأن مراكز التحكيم في أي مكان في العالم هدفها توفير الخدمات لأطراف النزاع، وتخصيص مكان للجلسات وتوفير خدمات الاتصالات والترجمة والمداولات، بجانب أنها تعمل على ترويج خدمات الدول في جذب المزيد من الاستثمارات، ومن خلالها يمكن تأهيل الكوادر ليصبحوا محكمين، بالإضافة إلى قيامها بتنظيم الفعاليات والمؤتمرات والندوات والتدريب وغيرها من الأمور التي تهم المتقاضين. كما أن إنشاء المركز يأتي إيمانا بأهمية دور القطاع الخاص العماني في عملية التنمية الشاملة بوجه عام والتنمية البشرية بوجه خاص، وتعاظم هذا الدور خلال المرحلة المقبلة، الأمر الذي سيساهم في استقطاب المزيد من الاستثمارات ورؤوس الأموال المحلية والإقليمية والعالمية، والتي ستسهم هي بدورها في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي والبشري المنشود، وسيدعم البيئة التشريعية والاستثمارية المتميزة التي تتمتع بها السلطنة.
لقد ثمّن القطاع الخاص العماني من جانبه، عبر سعادة رئيس وأعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عمان، هذه الخطوة مؤكدين بأن إنشاء «مركز عمان للتحكيم التجاري» هو مطلب للقطاع الخاص يتم تحقيقه بفضل الدعم السامي من حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه، الذي يغمر القطاع الخاص بفيض مكارمه ويحيطه برعايته وعنايته، إيمانا من جلالته بأهمية دور هذا القطاع في عملية التنمية الشاملة بما فيها التنمية البشرية على مدى سنوات النهضة المباركة، وتعاظم ذلك الدور خلال المرحلة المقبلة. فهذا المركز له أهمية كبيرة في التحكيم التجاري وفي حل المنازعات التجارية بين الشركات والمؤسسات العمانية والإقليمية والمستثمرين القادمين من خارج السلطنة، الأمر الذي سيعزز من ثقة المستثمرين وأصحاب الأعمال في قطاعي التجارة والاستثمار بالسلطنة، وسيساهم في استقطاب المزيد من الاستثمارات ورؤوس الأموال المحلية والإقليمية والعالمية التي ستسهم بدورها في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي والبشري المنشود في السلطنة. ونظرا للمسؤولية التي تتحملها غرفة تجارة وصناعة عمان في هذا الشأن، فإنها تعكف حاليا وبالتنسيق والتعاون مع جميع الجهات المعنية الأخرى في القطاعين العام والخاص لضمان قيام هذه المركز بمسؤولياته وبأدواره ليتمكن لاحقا من تحقيق أهدافه المنشودة بعد الانتهاء من وضع قواعده (النظام واللائحة).
فالتحكيم أصبح اليوم وسيلة مهمة لحل المنازعات التجارية، التي تحدث على مستوى المؤسسات أوالأفراد داخل الدول أو خارجها. كما أنه مطلب ضروري للأطراف المتنازعة سواء أكانت دولا أو مؤسسات أو أفراد، لأن الجميع يتطلعون إلى تسوية نزاعاتهم عبر الوسيلة المناسبة، وسرعة حسمها في الوقت المناسب، بدلا من الاستمرار في إجراءات التقاضي الطويلة عادة ، أمام المحاكم الأخرى. ويؤكد الخبراء في هذا الجانب على أن التحكيم التجاري الدولي لم يعد مجرد نظام استثنائي، لمنافسته للعدالة التي تؤديها الدول، بل انه أصبح نظاما بديلا عن القضاء العادي، لما يتميز به هذا القضاء الخاص (التحكيم) في حل المنازعات الناتجة عن العلاقات التجارية والاقتصادية أو منازعات العقود التي تنشأ بين الأفراد والمؤسسات أو تلك التي تبرمها الحكومات مع الأشخاص سواء داخل نفس الدولة أوخارجها. فالأطراف المتعاملة على صعيد التجارة، تفضل أحيانا اللجوء إلى التحكيم كبديل عن القضاء العادي وذلك كونه يتميز بالسرية والسرعة في اتخاذ الإجراءات والبت في المنازعات المعروضة عليه في وقت قصير، مع الاحتفاظ بالسرية، لكي لا تمس نتائج هذه القرارات أعمال المؤسسات والمراكز المالية أو الاقتصادية والأطراف الداخلة في تلك القضايا. ومن خلال هذه المراكز تتمتع الأطراف المتنازعة باختيار نوع التحكيم ، الذي يهم أعمالها وكذلك في اختيار مكان انعقاده واختيار الخبراء المختصين، وتحديد المدة التي يتعين أن تنتهي فيها المنازعات وغيرها من الأمور الأخرى. وهذه الأساليب جميعها تمثل ضمانة مهمة لحل المنازعات الناشئة بين الأطراف المتعاقدة بالسرعة المطلوبة، كما أنها تساعد في تشجيع الاستثمار أيضا.
المرحلة التنموية القادمة في السلطنة ، تتطلب إيجاد وإعداد المحكمين والخبراء المختصين في مختلف القطاعات التي تحتكم إلى هذا المركز في حال نشوب الخلافات التجارية، بسبب ندرة عدد المتخصصين لدينا حاليا في بعض القطاعات كالطرق والاتصالات وقطاعات الكهرباء والمياه والطاقة وغيرها، وبحيث يكونون معتمدين في مجالات متخصصة وفق احتياجات المتقاضين، وضرورة تمتعهم بالسمعة الطيبة والمهنية والموضوعية والمحايدة في القضايا المعروضة أمامهم. فهذه جميعها سوف تزيد من الإقبال على هذا المركز مع ضرورة الالتزام بتقديم خدمات ممتازة ليكتسب السمعة الطيبة. فهذا أمر على جانب كبير من الأهمية لتعزيز ثقة المستثمرين وأصحاب الأعمال للتقاضي أمام هذا المركز مستقبلا ولصالح الاقتصاد العماني أيضا .