48 عاما من المجد والعطاء والازدهار

هاني عسل –

خلال هذه الأيام ، وبعد 48 عاما من العطاء، والإخلاص، والتفاني، والوفاء بالوعد، تحتفل السلطنة، بعيدها الوطني الثامن والأربعين المجيد، وأيضا بقطف ثمار السياسة النهضوية الحكيمة التي انتهجها جلالة السلطان المعظم ، وهو ما يشهد له العالم بأسره الآن، بل ويقف إعجابا وتقديرا، بما أنجزته تلك الدولة الفتية القوية التي حباها الله بموقع جغرافي شديد التميز والأهمية في الطرف الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية.
«إني أعدكم أول ما أفرضه على نفسي، أن أبدأ بأسرع ما يمكن أن أجعل الحكومة عصرية، وأول هدفي أن أزيل الأوامر غير الضرورية التي ترزحون تحت وطأتها، سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل، وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب، كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة، وإن عملنا باتحاد وتعاون، فسنعيد ماضينا مرة أخرى، وسيكون لنا المحل المرموق في العالم»..بهذه الكلمات التي سجلها التاريخ بحروف من ذهب، كان الوعد الأول والأشمل والأقوى من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم لأبناء شعبه في أول بيان يلقيه عقب تسلمه مقاليد الحكم في البلاد.
وخلال هذه الأيام ، وبعد 48 عاما من العطاء، والإخلاص، والتفاني، والوفاء بالوعد، تحتفل السلطنة، بعيدها الوطني الثامن والأربعين المجيد، وأيضا بقطف ثمار السياسة النهضوية الحكيمة التي انتهجها جلالة السلطان المعظم، وهو ما يشهد له العالم بأسره الآن، بل ويقف إعجابا وتقديرا، بما أنجزته تلك الدولة الفتية القوية التي حباها الله بموقع جغرافي شديد التميز والأهمية في الطرف الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية.
وهذه ليست مبالغات، فهناك بالفعل، وبلغة الأرقام والدلائل، ألف سبب وسبب يجعل المجتمع الدولي ينظر بإعجاب واحترام إلى تجربة السلطنة مع النهضة والتنمية، ويجعل العمانيين أنفسهم يحتفلون هذه الأيام بالعيد الوطني المجيد بمزيج من السعادة والارتياح، والزهو والكبرياء.
ولو تحدثنا عن الأسباب كلها، لطال الحديث وتشعب، ولكن دعونا هنا نتناول بتركيز شديد مجموعة منتقاة من هذه الأسباب، مثل «الزعامة»، و«السياسة والحوكمة»، و«الاقتصاد»، و«الأمن»، و«النهضة المجتمعية»، و«السياسة الخارجية».
أما الزعامة، فمن حق كل عماني هذه الأيام، سواء من الأجيال السابقة التي عاشت لحظة ميلاد هذه الدولة في حلتها الحديثة، أو من الأجيال الجديدة التي عاشت عصر النهضة والتنمية والتنويع الاقتصادي والقوة السياسية، أن يفخر بقائده وزعيمه، حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – ، ويحتفي بعلاقة هي الأسمى من نوعها بين حاكم وشعبه، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه لا نظير لها في عصرنا الحالي في دول العالم قاطبة.
وأما عن السياسة والحوكمة، فمسيرة 48 عاما من الاستقرار والرخاء والثقة المتبادلة، تعطي أجواء من الاستقرار السياسي تنعم بها السلطنة، وقد نجحت السلطنة طوال الفترة الماضية في تطبيق نظام فريد للحوكمة يقوم على أساس لتحقيق الأهداف والأولويات التي أرساها جلالة السلطان المعظم لإعلاء صرح الدولة العصرية، دولة المؤسسات والمواطنة وحكم القانون، وكذلك لتحقيق مزيد من الرخاء والازدهار لكل أبناء الوطن، دون معايشة أزمات خانقة، أو التورط في صراعات لا طائل منها.
ومن الناحية الأمنية، يكفي القول إن سلطنة عمان نجحت هذا العام في احتلال المركز الأول على مستوى العالم من حيث خلوها من مخاطر وجرائم الإرهاب، وفق ما جاء في تقرير «الشفافية الدولية»، فمن فضل الله على السلطنة، وبفضل السياسات الحكيمة في الداخل والخارج، أصبحت من بين دول قليلة في المنطقة لم تشهد عمليات تكدر صفو الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، بل لم يتم الكشف أي محاولات لانتهاك أو اختراق الأمن الوطني للسلطنة، وانعكس ذلك بطبيعة الحال على الصورة الذهنية العامة للسلطنة في عيون شعوب العالم، وهي أنها دولة آمنة مستقرة لا ولم ولن يعرف الإرهاب طريقا إليها.
وإذا انتقلنا إلى الشق المتعلق بالنهضة والاقتصاد، سنجد أن السلطنة حققت نهضة لا ينكرها أحد في التنوع الاقتصادي، ولا نتحدث هنا فقط عن الإنجازات الملموسة التي شهدتها السلطنة خلال العام الحالي وحده، كافتتاح مطار مسقط الدولي الجديد، ولكننا نتحدث عن نجاحات ممتدة، وسياسات اقتصادية ناجحة، فقد نفذت الحكومة منذ سنوات برامج لتحديث وترسيخ برامج التنويع الاقتصادي، وغيرها من الأنشطة المتعلقة بتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإيجاد فرص العمل للشباب.
وفي هذا الصدد، يعد من أبرز إنجازات السلطنة من الناحية الاقتصادية، تنفيذ توجيهات جلالة السلطان قابوس المعظم ، لأعضاء حكومته بين الحين والآخر بضرورة الاستمرار في تعزيز مصادر الدخل القومي، و الحد من الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل، وكان ذلك منذ سبعينيات القرن الماضي.
ونذكر هنا أنه عندما تم تشكيل أول مجلس عماني للتنمية في 17 نوفمبر 1974، تم تبني خمسة أسس رئيسية للتنمية، كان أولها التأكيد على أن الثروة النفطية في البلاد حق لكل الأجيال من العمانيين، وليس للجيل الحاضر منهم وحده، وكان الثاني هو التشديد على ضرورة تنويع مصادر الدخل القومي، وكان الثالث يتعلق بتعزيز دور القطاع الخاص كأساس للاقتصاد الحر، والرابع أن المواطن العماني هو هدف التنمية، في حين كان الخامس هو ضرورة توزيع الاستثمارات بما يكفل إزالة التفاوت في مستويات المعيشة بين مختلف محافظات البلاد.
وبفضل هذه السياسات الحكيمة، وبفضل التوجيهات المستمرة من جانب جلالة السلطان المعظم – أعزه الله – نجح الاقتصاد العماني في تثبيت أركانه وسط اقتصاد عالمي مليء بالتقلبات والأزمات وصراعات القوى وحسابات المكسب والخسارة، وهو ما ظهر بوضوح في المشكلات الاقتصادية التي واجهتها عدة دول بالمنطقة نتيجة التغير في أسعار النفط ، وتحول الاعتماد في بعض الأسواق الخارجية من أنواع الوقود التقليدية إلى الطاقة الجديدة والمتجددة.
ويكفي القول إن النفط وصناعاته لا تمثل سوى 44% من إسهامات الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة. كما تجدر الإشارة هنا إلى ما حققته السلطنة من طفرة كبيرة في قطاعات غير نفطية تماما، مثل الاتصالات والزراعة والثروة السمكية والنقل والسياحة، والقطاع الأخير وحده، خير مثال على هذه الطفرة، بدليل أن السلطنة وضعت استراتيجية لاجتذاب 11 مليون سائح بحلول 2040، وهو رقم لا تصل إليه كثير من الوجهات السياحية العالمية.
وإذا اعتمدنا لغة الأرقام، نشير إلى أن صندوق النقد الدولي رسم في أحدث تقرير له حول توقعات النمو في منطقة الشرق الأوسط صورة متفائلة، بل رائعة، للاقتصاد العماني العام المقبل، إذ رفع توقعاته لنمو اقتصاد السلطنة من 4,2% في تقريره لشهر أبريل 2018، لتصل إلى 5% في تقريره الذي أصدره هذا الشهر.
ووفقاً لتقديرات الصندوق، سيحقق اقتصاد عمان أعلى وتيرة نمو بين دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام المقبل 2019 تصل إلى 5%، مقارنة مع معدل نمو 1,9% في 2018.
وعلى الصعيد المجتمعي، قطعت السلطنة شوطا طويلا، وربما قبل كثيرين غيرها من دول المنطقة، نحو تمكين المرأة، وتعليم الأطفال، وتأهيل الشباب، وذلك بفضل قيادة حكيمة استطاعت خلال سنوات معدودة تحقيق نقلة نوعية ضخمة في حياة الوطن والمواطن العماني، وهنا تجدر الإشارة إلى أن السلطنة كانت من أوائل دول مجلس التعاون الخليجي التي منحت فرصا متساوية بين الرجل والمرأة في مجالات العمل المختلفة، وبخاصة مجال التربية والتعليم والإعلام وغيرها .
وأخيرا، يبقى مجال السياسة الخارجية واحدا من أكثر المجالات التي تفوقت فيها سلطنة عمان على نفسها، في تقديم نموذج حكيم ومشرف لمختلف دول المنطقة والعالم، في كيفية اتباع سياسات حكيمة هادئة في التعامل مع مختلف الأزمات والصراعات، مما يمكنها من أن تكون لها كلمة مسموعة في شتى هذه القضايا.
فعلى مدى عقود، قدمت السلطنة نفسها للعالم كدولة قوية آمنة مستقرة تتمتع بسياسة خارجية هادئة ودبلوماسية حكيمة محايدة، على غرار النموذج السويسري، مما يجعلها قادرة، أو مرشحة للقيام بأدوار السلام والوساطة والمصالحة في أكثر من ملف إقليمي ودولي شائك، وهو ما أثير بالفعل في وسائل إعلام عربية وعالمية قبل أسابيع، فيما يتعلق باللقاءات المتتالية التي عقدها السلطان قابوس مع ضيفيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن»، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وربما تكون هناك تحركات أخرى مع قرب انعقاد قمة الرياض الخليجية المقبلة في طريق تحقيق مصالحة بين قطر ومحيطها الخليجي والعربي، كما قد تكون هناك تحركات أيضا فيما يخص الملف اليمني، وربما الأزمة الأمريكية الإيرانية كذلك، سواء على صعيد الأزمة النووية، أو على صعيد الدور الإيراني في سوريا.
ولا يسعنا هنا سوى أن نختم هذا التقرير بالعبارة التاريخية التي أطلقها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – وقال فيها : «إني أعدكم بأن فجرا جديدا سيطل على عمان، فجرا يعطي شعبنا حياة جديدة، وأملا جديدا للمستقبل وبعون الله وفينا العهد».