التوجهات السياحية للعمانيين في الإجازات

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

يهتم البعض بمعرفة التوجهات السياحية للعمانيين خاصة في موسم الإجازات الرسمية كإجازة العيد الوطني المجيد التي انتهت مع الإجازة الأسبوعية بالأمس. وهذا الاهتمام ينبع من مدى حرص هؤلاء الناس تجاه القطاع السياحي ولتعزيز خدماته وتنمية مقوماته لتسهيل مهام السياح القادمين من داخل السلطنة.
ولمعرفة مثل هذه التوجهات فمن المستحسن وجود مؤسسة لقياس الرأي العام ومعرفة توجهات الناس في موضوعات شتى، ثم الوقوف على نتائج الاستفتاءات القصيرة. وهذه المؤسسات موجودة في كثير من المنظمات بدول العالم من بينها مؤسسة الرأي العام التابع لمنظومة دول الاتحاد الأوروبي.
وقبل عدة أيام مضت طرح أحد الإخوة من سكان ولاية مسقط استفتاء بسيطا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليوم واحد فقط، يتعلق بالسياحة خلال الإجازة الأخيرة للعيد الوطني الـ48 المجيد، حيث تم إرساله إلى 165 شخصا من زملائه كعينة لمعرفة توجهاتهم في الإجازة، وقد حصل على 110 ردود بنسبة 66.6% من إجمالي عدد الرسائل المرسلة منها 50 ردا أكد أصحابها بأنهم سوف يقضون الإجازة بالعاصمة مسقط وبلغت نسبتهم حوالي 45.5%، فيما أجاب 14% منهم بأنهم سوف يقضون إجازتهم بدولة الإمارات العربية المتحدة وبنسبة 13% تقريبا، في حين أجاب 4 منهم فقط بأنهم سوف يقضون إجازتهم بدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى وبنسبة 3.6%، فيما أجاب 33 منهم بأنهم يقضون إجازتهم بمختلف الولايات العمانية وبنسبة 30%، أما الذين أجابوا بأنهم سوف يقضون الإجازة خارج السلطنة بغرض السياحة أو العمل فقد بلغ 13 شخصا مشكلين ما نسبته 12% تقريبا.
ورغم هذه النتائج للاستفتاء المتواضع، إلا أنه يشكّل معلومة مهمة بأن حوالي أكثر من 75% من تلك العينة قضوا إجازتهم الأخيرة بمحافظة مسقط والمحافظات العمانية الأخرى، في حين أن 25% توجهوا للسياحة إلى خارج السلطنة، وأن أكبر نسبة منهم توجهوا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة نظرًا لقربها وللعلاقات العائلية والأسرية التي تجمع بين الشعبين الشقيقين، بجانب ما يتوفر بها من خدمات ترفيهية وتجارية وتنوعها في الأعمال الأخرى.
فعلى المستوى المحلي هناك الكثير يمكن عمله لتطوير القطاع السياحي في السلطنة وجذب السياحة الداخلية خلال الأعوام المقبلة، وقد أجريت بعض الدراسات في هذا الشأن، فيما كشف برنامج «تنفيذ» الذي عقد قبل فترة مضت العديد من التحديات التي يواجهها قطاع السياحة في السلطنة تتمثل في تعقيد وطول فترة إجراءات تقديم الطلبات للحصول على الموافقات اللازمة، وغياب الخدمات والمنتجات والأنشطة السياحية المبتكرة، بالإضافة إلى عدم فاعلية الإنفاق على العملية التسويقية، الأمر يحول دون نمو القطاع بالشكل المطلوب.
علاوة على ذلك كشف البرنامج أن قطاع السياحة يعاني من تداخل للإجراءات التي تتبعها الجهات الحكومية المختلفة فيما يتعلق بإصدار التراخيص والموافقات الأساسية، كبقية القطاعات الأخرى في الصناعة والأعمال اللوجستية والخدمات والعمل المصرفي والمالي وغيرها. وهناك ثمة صعوبات في تحقيق معدلات النمو المستهدفة من هذا القطاع المهم.
ومن خلال النتائج البسيطة للاستفتاء الأخير يبدو أن حوالي 13% ممن أدلوا بآرائهم توجهوا للإمارات، في الوقت الذي أظهرت فيه إحصاءات دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي أن عدد العمانيين الذي زاروها منذ بداية العام الجاري 2018 وحتى نهاية أغسطس الماضي (أي خلال 8 أشهر) وصل إلى نحو 542 ألف زائر، أي بواقع 68 ألف زائر شهريا، مشيرة إلى أن السوق العماني يحتل المرتبة الخامسة من حيث الأسواق المصدرة للسياح إلى دبي، وهذا الرقم بالطبع لا يشمل بقية الإمارات الأخرى باعتباره صادرا من الجهة المعنية بدبي.
وحول الإجازة الأخيرة تحدث عدد من الخبراء المسؤولين في السياحة بدبي مشيرين إلى أن هذه الإمارة شكّلت الخيار الأول للعمانيين خلال الإجازة الأخيرة، حيث تدفقت العائلات العمانية عبر المنافذ الجوية والبرية لدبي لقضاء الإجازة، وقد سمعنا عدة حكايات تعرض لها بعض المسافرين عبر البر بأن ظلوا لساعات طويلة على الحدود لإنهاء معاملات الخروج والدخول إلى الإمارات، في الوقت الذي شكلت هذه المجموعات المتجهة إلى دبي نشاطا سياحيا كبيرا ساهم في رفع نسب الإشغال الفندقي، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت فيه تراجعا سياحيا للمنطقة نتيجة للأوضاع السياسية التي تمر بها.
ويرى هؤلاء الخبراء وفق صحافة دبي بأن السائح العماني يمتاز بزيادة عدد أفراد العائلة، الأمر الذي يعني مزيدا من الإنفاق في الفنادق ومراكز التسوق والمطاعم، مشيرين إلى أن الإمارات دائما تشكل أحد أهم الخيارات السياحية للعائلات العمانية خلال الإجازات القصيرة وإجازات نهاية الأسبوع.
ويحدث هذا النشاط السياحي بدبي وفق آرائهم نتيجة لتنوع وتعدد الخيارات الفندقية من مختلف الدرجات بالإضافة إلى توفر الوسائل الترفيهية التي تبحث عنها العائلات بجانب توفر وسائل المواصلات البرية والجوية، الأمر الذي يدفع العائلات العمانية إلى قضاء تلك الأوقات هناك، وجميع تلك المعابر أصبحت اليوم تلعب دورا كبيرا في استقطاب العمانيين، في الوقت الذي يتحدث البعض عن تراجع أسعار الفنادق بدبي مقارنة بأسعار الفنادق في السلطنة التي تقوم برفع الأسعار في مثل هذه المناسبات، بالإضافة إلى تعدد الخيارات أمام السائح العماني من حيث توافر الغرف الفندقية بمختلف نجومها، الأمر الذي يساهم في زيادة أعداد السياح إلى دبي سواء من السلطنة أو بقية دول مجلس التعاون الخليجي. وبنظرة سريعة للقطاع السياحي ومساهمته في الاقتصاد العماني من واقع بيانات برنامج «تنفيذ» نجد أن مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة منخفضة، حيث بلغت في المتوسط 2.2% خلال الفترة من 2010 إلى 2015.
وتحتل السلطنة المركز الخامس بين دول مجلس التعاون في عدد السياح الواصلين والمقيمين لليلة واحدة على الأقل، أي ما يعادل 4% فقط من 49 مليون زائر لدول المجلس خلال عام 2014م.
وتشير التصنيفات العالمية إلى أن السلطنة لم تحقق الإيرادات المرجوة مقارنة بإمكانيات القطاع وامتلاكها للعديد من المقوّمات الثقافية والتراثية، وهناك الكثير من الفرص والإمكانيات في هذا القطاع، كما أن هناك فرصًا لتحسين واقع العمانيين العاملين في هذا القطاع نتيجة للفرص التي يمكن توفيرها في حالة نمو واتساع هذا القطاع وإمكاناته في مجال السفر والترفيه والمتنزهات والرحلات وغيرها من الإمكانات الأخرى، بجانب استغلال المرافق الموجودة اليوم بصورة إيجابية سواء في مجال السكن والإيواء أو الأكل والشرب أو النقل وغيرها، بجانب التسهيلات الجديدة التي يوفرها مطار مسقط الدولي وحركة الطيران العماني إلى مختلف العواصم. ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر تنمية الاستثمارات بشكلٍ مضاعف لتحقيق طموحات السلطنة في هذا القطاع، مما يحتّم تسهيل الاستثمار من القطاع الخاص، فهناك اليوم محدودية برامج تشجيع الاستثمار للقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسّطة، كما هناك محدودية التمويل والقّدرة على إنجاز المشروعات في بعض الأماكن التي تتمتع بالمقومات السياحية سواء في الثقافة والتراث أو المواقع الطبيعية الاستثنائية التي تميز السلطنة مقارنة بنظيراتها من دول أخرى في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فحري بالجهات المعنية الاهتمام بالتوجهات السياحية للعمانيين لوضع الاستراتيجيات التي ينبغي العمل بها مستقبلا، وتوفير الخدمات التي يبحث عنها السائح العماني ليتمكن من البقاء في بلده في مثل هذه الإجازات القصيرة، فهذه الإجازة تختلف عن إجازات الصيف حيث الجو الحار والرطوبة الشديدة، الأمر الذي يدفع بالكثير من العائلات العمانية بالتوجه إلى دول تتمتع بجو بارد، بجانب قضاء عدد كبير منهم إجازاتهم الصيفية بمحافظة ظفار نتيجة للجو المعتدل في فترات الصيف الحارة، وفي مثل هذه الحالات الحارة يمكن أيضا أن تقام بالبلاد المشروعات التي تستطيع تغيير الواقع الحالي في فترات الصيف، وتجذب السياح لقضاء فترة إجازاتهم في مختلف الولايات العمانية الأخرى، فهناك الملايين من الريالات تخرج سنويا من الدولة في مثل هذه المناسبات، وتسبب ضغطا على ميزان المدفوعات بجانب التحويلات المالية للوافدين في السلطنة، الأمر الذي يتطلب الاهتمام بهذا القطاع.