الحق.. ولغة أصحاب النظّارات !!

علي الصراف –

الصراع مع الأيديولوجيا ظل واحدا من أكبر المعضلات التي واجهت المنطقة. ليس لأنها شيء أشبه بالنظارة التي تحجب عنك رؤية الألوان، بل لأنها كانت لا تفتح إلا زاوية نظر واحدة أيضا، فلا ترى – بعد زوال الألوان – إلا جانبا ضيقا من الواقع.
التحرر من ضيق الأفق، يظل بالغ الأهمية من أجل تحرير فلسطين. ذلك أن كل جهد في هذا الاتجاه سوف يذهب هباء من دون أن نمتلك القدرة على أن نرى الواقع كما هو، لا كما نتخيله.
كان المنطق، بحد ذاته، يفترض البدء من حقيقة أن تحرير فلسطين لا يتحقق بشعار «كل شيء من أجل المعركة»، بل بشعار «المعركة من أجل كل شيء». فما لم يكن الاقتصاد والعدالة الاجتماعية ودولة القانون هي رافعة القوة العسكرية، فإن الحروب، على رافعات هشة، سوف تدمر القوة العسكرية وتدمر كل شيء آخر معها. وهذا ما حصل.
القليل فقط من حكماء هذه الأمة هم الذين أدركوا تلك الحقيقة، أولئك الذين آثروا أن يبدأوا بعمران أوطانهم أولا، على أوجه تضمن لها المنعة والاستقرار. فهوجموا أكثر مما هوجمت إسرائيل نفسها.
وكنتُ على موعدٍ مع دعوة لاختبار قدرتي على خلع النظّارة.
قبل نحو عشرين عاما، كانت «إسرائيل» ما كانت، عبر تلك النظارات التي تكاد ترتديها الغالبية العظمى من الناس، ويتقدمهم مثقفون وضع بعضهم نظارتين لكي لا يرى شيئا من الأساس، وذلك للدلالة على مدى أصالته القومية.
تلقيتُ دعوة من معهد «ويدرو ويلسون» في واشنطن للمشاركة في ندوة تعقد في قبرص ويشترك فيها 12 من الباحثين الإسرائيليين ممن انخرطوا في تيار «المؤرخين الجدد». وهو تيار بدا طليعيا في الدعوة الى تحقيق السلام، ونقد الاحتلال وسياسات التعسف ضد الفلسطينيين.
كنتُ أعمل في صحيفة عربية في لندن يرأس تحريرها رجل أقل ما يقال فيه أنه قومي، بل وناصري أيضا. ولم يكن بوسعي ألا أن أسأله رأيه، قبل أن أتخذ أي قرار.
سألني في المقابل: وهل ستقول هناك غير ما تكتب هنا؟
قلت: بالأحرى فأنا اعتزم ترجمة بعض ما اكتبه هنا لأقرأه هناك.

قال: اذهب، ولا تخف.
شارك في الندوة عددٌ من الصحفيين والكتاب العرب البارزين. كما كان الوفد الإسرائيلي متنوعا، بين كتاب ومفكرين وسياسيين وإعلاميين ونشطاء حقوق إنسان.
جاء دوري لألقي كلمتي، فسألني مديرو الندوة عما إذا كنتُ أرغب بأن يحجبوا التسجيلات الصوتية عن كلمتي. فآثرت أن تبقى، وتعمدت أن أجعل صوتي أكثر وضوحا.
مضت الكلمة، وكانت الوجوه تكشف عن انطباعات متضاربة. ولكنها أثارت نقاشا حاميا من بعد ذلك، تصدره حاييم صادوق، وزير العدل الإسرائيلي السابق في حكومة جولدا مائير.
سألتُه خلال بعض الجدل ونحن نتحدث عن حقوق الفلسطينيين: كنتَ وزيرا للعدل، فهل كان كل ذلك عدلا؟
قال: لا، لم يكن عدلا، ولكنه كان القانون.

قلت: قانون الغاب فحسب.
فانبرى إعلامي إسرائيلي شهير (لم أعد اذكر اسمه) يقدم برنامجا إخباريا على إحدى القنوات الرئيسية، ليهاجم الاحتلال، وقال وعيناه تغرورقان بالدموع: «ليس أنا. لا دخل لي بكل ما يفعله هؤلاء (مشيرا الى صادوق). كل مشاكلنا جاءت منهم. أنا مستعد للتنازل حتى عن بيتي في القدس من أجل أن ننتهي من هذا كله. ليس أنا».
تكهربت الندوة كليا. ولكن أمكن استعادة بعض الهدوء لبحث فرص وإمكانيات السلام ومخاوف الإسرائيليين من تهديدات الوجود التي يشعرون بها حيال استمرار الصراع سواء مع الدول العربية أو مع الفلسطينيين.
لم أشعر بالأسف أبدا على المشاركة، ولا التسجيل، ولا حتى على الصور التي التقطها لي (لا أعرف من أجل ماذا) أحد الصحفيين العرب الذين شاركوا في الندوة.
لم أتلق دعوة أخرى أبدا.
عدت الى لندن، وجمعت كل أوراقي التي حملتها الى هناك، وجعلتها في ملف، كتبت عليه كلمات ساخرة .
إذ كانت تلك هي لغة أصحاب النظارات.
هي ذاتها اللغة التي لا يزال يتداولها بعض من لم يقدر أن يقول الحق، ولا حتى أن يراه.