هذا ما يجنيه المستوطنون على إسرائيل

د. عبدالعاطى محمد –

اعتادت إسرائيل أن تحذر فتمنع تحركا من المقاومة، أو أن تحسم المواجهات المسلحة معها بحكم ما لديها من عتاد وقوات، أو أن تردع ، أي تقوم بعدوان محدود يضعف البنية العسكرية للمقاومة. هذه المرة لم يجدِ التحذير نفعا لأن المسيرات لم تتوقف برغم سقوط عشرات الشهداء، كما لم تنجح في الردع لأن عملية مثل عملية خان يونس كشفت زيف هذه القدرة،
مع كل مواجهة بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة في غزة يتكرر المشهد بين التصعيد والتهدئة دون أن تتغير عقلية اليمين الإسرائيلي بأن الحل الأمني لن يجدي شيئا لأي حكومة إسرائيلية سواء اتصفت باليمين المتطرف أو اليسار المعتدل، وما ذلك المأزق الذي تعيشه الحكومات الإسرائيلية منذ آخر محاولة جادة من الولايات المتحدة آخر عهد كلينتون لتحقيق انفراجه سلمية، إلا نتيجة لسيطرة المستوطنين عمليا على اتخاذ القرار الإسرائيلي.
المستوطنون لا يفهمون إلا لغة العنصرية والاستعمار ومن ثم الدفع دائما لأن يبقى الحل الأمني هو الخيار الوحيد أمام أية حكومة إسرائيلية أيا كان شكل ائتلافها. هم لا يعترفون أصلا بالوجود الفلسطيني صاحب الحق المشروع في أرض فلسطين، ويصرون على أنهم البديل المطلق لهذا الوجود مهما كانت خطورة النتائج التي تترتب على هذا المنطق المغلوط والمرفوض ليس فلسطينيا وعربيا وإنما من بقية المجتمع الدولي وعلى الرأس منه الولايات المتحدة ذاتها، ولنا أن نتذكر أن الأزمة التي نشبت بين الأخيرة وإسرائيل آخر عهد أوباما كانت بسبب التوسع الاستيطاني وعجز حكومة نتانياهو عن وقف هذا التوسع.
بسبب قوة نفوذ المستوطنين بعد أن أصبحت لهم أحزاب وقاعدة شعبية إسرائيلية تحول الاستيطان إلى ورقة سياسية مؤثرة في المشهد كله داخل إسرائيل يستخدمها كل طرف للمشاركة في السلطة والبقاء فيها. وكان من المنطقي أن يكون اليمين المتطرف هو الصوت الذي يعبر عن هذا الواقع لأن التوجه العنصري والاستعماري (الاحتلال بالقوة لأراضي الغير) هو الذي يجعل قوى اليمين والمستوطنين في صف واحد. وفي ظل هذا التطور لم يكن غريبا أن تتوقف كل محاولات السلام التي جرت على مدى نحو عقدين من الزمان لأن أية محاولة في هذا الاتجاه كانت تعني تراجع الاستيطان أو توقفه على الأقل من جهة والشروع الجاد في مفاوضات سلام والتخلي عن الحل الأمني من جهة أخرى.
المواجهة الأخيرة بين المقاومة وسلطات الاحتلال في خان يونس والتي انتهت بهزيمة عسكرية وسياسية واضحة للائتلاف الحاكم في إسرائيل أكدت أن المستوطنين وأحزاب اليمين المتطرف التي تتبنى نزعتهم العنصرية والاستعمارية يقودون إسرائيل إلى شلل سياسي وعسكري غير مسبوق، بما يمثل انتصارا استراتيجيا للمقاومة من شأنه أن يغير كثيرا في معالم المشهد بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال الفترة المقبلة.
قبيل هذه المواجهة كانت الأجواء السائدة تشير إلى أن هناك صداما متوقعا بين قوات الاحتلال والمقاومة في القطاع على خلفية إحياء الفلسطينيين لذكرى يوم الأرض بتسيير المسيرات إلى الحدود كل أسبوع والتي تواصلت لعشرات الأسابيع, ووقع فيها عشرات الشهداء من أبناء القطاع دون أن تتوقف، وفي الوقت نفسه تحول غلاف غزة حيث بعض المستوطنات إلى ساحة لإطلاق الطائرات الورقية الحارقة ثم الصواريخ حتى وصل عدد الصواريخ لنحو 500 صاروخ خلال أيام المواجهة في موقعة خان يونس. وقد مثل ذلك قلقا أمنيا كبيرا للحكومة الإسرائيلية، وكالعادة جرت مجددا محاولات التهدئة وكالعادة أيضا واجهت صعوبات كبيرة.
خلال هذه الأجواء الساخنة عاشت حكومة نتانياهو حالة من الانقسام بين تيارين أحدهما يتزعمه ليبرمان وزير الدفاع (المستقيل لاحقا) يدفع في اتجاه الرد بعنف على المقاومة في القطاع حتى لو اقتضى الأمر القيام بحرب برية مبررا ذلك بأن المقاومة وصلت إلى مرحلة متقدمة من التطور العسكري، وأن التهديدات المتواصلة لمستوطنات غلاف غزة تمثل خطرا أمنيا لا يمكن السكوت عليه، لا تتوقف عند المستوطنين هناك، وإنما من الممكن أن تطول صواريخ المقاومة مطار بن جورين وتل أبيب ذاتها. كما هدف ليبرمان وغيره من قادة أحزاب اليمين المتطرف من الدفع بمواجهة أمنية قوية إلى إحراج رئيس الوزراء نتانياهو سياسيا وإجباره على الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة (تنتهي مدة الكنيست الحالية آخر العام المقبل)، وذلك على أمل أن يخسر نتانياهو وحزبه الليكود الأغلبية الهشة الحالية وتتحول لصالح الأحزاب الدينية المتطرفة. وبالمقابل كان هناك تيار آخر يتبناه نتانياهو نفسه يرى ضبط النفس ورفض التصعيد العسكري ضد القطاع. والملفت أن جنرالات الجيش كانوا ضد التصعيد العسكري، أي ضد رئيسهم وزير الدفاع تقديرا منهم بأن الإقدام على خطوة كهذه سيوقع خسائر في صفوف القوات الإسرائيلية من ناحية وفي صفوف المدنيين من أبناء القطاع مما يضع حكومة إسرائيل في ورطة أمام المجتمع الدولي هي في غنى عنه.
ولأن الائتلاف الحكومي كان منقسما على نفسه بشهادة وسائل الإعلام الإسرائيلية، وبالنظر إلى تنامي نفوذ المستوطنين ورضوخ الحكومة لضغوطهم، دفع ليبرمان حكومته إلى تحرك غير محسوب النتائج من خلال العملية التي وقعت في خان يونس ومنيت بالفشل مما دفعه إلى الاستقالة، ووضع الحكومة في مأزق إذا ما انتهى الأمر إلى انتخابات مبكرة (ربما تكون في مارس المقبل إن انتهت مفاوضات أحزاب الائتلاف إلى ذلك). وهناك من رأى داخل النخبة الإسرائيلية أن ليبرمان وأمثاله ممن يتزعمون اليمين المتطرف الذي يتبنى مطالب المستوطنين أرادوا بالعملية التي جرت في خان يونس أن يجددون التأكيد على أن أية محاولة للتهدئة في القطاع لا يجب أن تمثل هزيمة سياسة لهم ومن ثم يجب إجهاضها بتحرك خاطف يمثل رسالة للمقاومة بأنها لن تغير من قواعد اللعبة ولا من أدواتها. وما يؤكد ذلك أن العملية جرت بينما كانت جهود التهدئة قد وصلت إلى نقطة متقدمة جدا.
ما حدث هو العكس تماما حيث نجحت المقاومة في قلب الطاولة على قوات الاحتلال وعلى الحكومة الإسرائيلية وتحديدا على قوى اليمين المتطرف والمستوطنين، لأن المقاومة اكتشفت سريعا القوة الإسرائيلية التي تسللت إلى خان يونس وأوقعت بها خسائر وأفشلت مهمتها، ثم وضح التنسيق بين قوى المقاومة في الرد بسيل من الصواريخ على غلاف غزة أحدث فزعا أمنيا للإسرائيليين من جهة وجدلا سياسيا حادا داخل الحكومة من جهة أخرى. وقد حفلت وسائل الإعلام الإسرائيلية بانتقادات شديدة لهذه العملية سواء من جانب قوى المعارضة أو من قادة حاليين وسابقين للجيش الإسرائيلي.
عسكريا اعتادت إسرائيل أن تحذر فتمنع تحركا من المقاومة، أو أن تحسم المواجهات المسلحة معها بحكم ما لديها من عتاد وقوات، أو أن تردع، أي تقوم بعدوان محدود يضعف البنية العسكرية للمقاومة. هذه المرة لم يجدِ التحذير نفعا لأن المسيرات لم تتوقف برغم سقوط عشرات الشهداء، كما لم تنجح في الردع لأن عملية مثل عملية خان يونس كشفت زيف هذه القدرة، وطبيعي أنها لم تحسم لأنها لم تقدم على حرب برية (اجتياح للقطاع) لإدراكها أنها ستتكبد خسائر كبيرة فيها. والجديد هنا هو خسارة القدرة على الردع بعد أن اكتشفت إسرائيل أن قدرات المقاومة تطورت إلى حد كبير. وهذه الخسارة تحديدا هي ما أقلقت إسرائيل.
وسياسيا تجد الحكومة الإسرائيلية الحالية، وأي حكومة مقبلة، لو جرت فعلا انتخابات مبكرة، نفسها في مأزق، حيث تتعرض لضغوط من الشارع الذي ازدادت فيه أصوات اليمين المتطرف (العنصري الاستعماري) المتبنى لمطالب المستوطنين استنادا إلى الفشل الذي سببته لها عملية خان يونس، بينما لا تستطيع الاستجابة لهذه الضغوط لأن ثمنها سيكون باهظا.
والكلام السائد على لسان جنرالات الجيش هو أنه من الأفضل أن يتظاهر الإسرائيليون وخصوصا المستوطنين على أن تنزلق إسرائيل في حرب برية مع القطاع. وبالطبع في حالة استمرار وضع كهذا تتزايد احتمالات الانتخابات المبكرة مما يربك كل الحسابات، وعليه تعيش الحكومة الإسرائيلية حالة من الشلل السياسي لمدة خمسة أشهر!. وليس من المستبعد أن تستثمر أحزاب اليمين المتطرف هذه الحالة في زيادة الضغوط على رئيس الوزراء ودفعه إلى التورط في مواجهات جديدة مع القطاع تنسف أية محاولات للحفاظ على تهدئة ولو مؤقتة.
مصدر الداء هنا هو هيمنة المستوطنين على عملية اتخاذ القرار في إسرائيل بعد أن تركت الحكومات المختلفة لهم الحبل على الغارب، وفي ظل سكوت المجتمع الدولي على جريمة الاستيطان. ولكن ما جرى مؤخرا يشكل هزة قوية لهذا الوضع، فقد بات واضحا أن أمن إسرائيل واستقرارها السياسي لا يتحققان بالاستجابة لمطالب المستوطنين.