أوروبا تستعد لمرحلة ما بعد ميركل

سمير عواد –
بحسب بعض المعلقين الأوروبيين قد تكون الكلمة التي ألقتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام البرلمان الأوروبي بمدينة «ستراسبورج» الأخيرة من نوعها. ورغم أن كلمتها تضمنت رؤى المستشارة الألمانية التي تشغل منصبها منذ ثلاثة عشر عاماً لأوروبا المستقبل، فإنها قد تكون كلمة وداع بعد فترة قصيرة على إعلانها في برلين قرار التنحي عن منصب رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تشغله منذ ثمانية عشر عاماً، وعدم الترشح لولاية خامسة في منصبها عندما تجرى الانتخابات العامة في ألمانيا في نهاية عام 2021 ويعتقد كثيرون، في ضوء الخلافات التي تعصف بالائتلاف المسيحي- الاشتراكي الذي تتزعمه في برلين وباشر مهامه في فبراير الماضي، أن حكومتها قد لا تصل إلى نهاية الفترة الدستورية لها.

الوداع الذي حضره لها 751 عضوا في البرلمان الأوروبي كان خليطاً بين المصفقين والمحتجين من أحزاب الكتلة الشعبوية. وقد ألقت ميركل الضوء على رؤاها لأوروبا المستقبل حيث أيدت مقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل مكرون بتأسيس جيش أوروبي، وذلك رداً على نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي رفع شعار «أمريكا أولا» وأصبح يتجاهل أوروبا، والعلاقات التاريخية التي تجمع بين الطرفين عبر الأطلسي منذ تحالفهما ضد نظام هتلر في الحرب العالمية الثانية، كما دافعت ميركل عن سياستها تجاه اللاجئين، وانتقدت الشعبويين كما انتقدت حكومات أوروبية لم تذكرها بالاسم، مثل المجر والتشيك لأنها تعمل في عرقلة الصحافة وحرية التعبير عن الرأي، بالإضافة إلى أنه تم إغلاق جامعة في أوروبا لأول مرة منذ 75 عاما وذلك في المجر. وعبّر «نايجل فراج» الزعيم الشعبوي البريطاني عن اغتباطه لقرب رحيل ميركل وقال: «نشكرك أيتها المستشارة على دورك في أن نكون هنا اليوم بسبب سياستك تجاه اللاجئين، ولولاك لما نجحنا في مساعينا لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».
السؤال الذي طرحه المعلقون الذين هم أكثر جدية من «نايجل فراج» هو هل تستطيع أوروبا مواصلة هدفها نحو التكامل بدون ميركل، التي تُعتبر الزعيمة غير المعلنة للاتحاد الأوروبي منذ إعلانها عن عزمها التنحي عن قيادة الحزب وعدم الترشح لولاية خامسة بسبب الخلافات داخل ائتلافها الحاكم؟ أصبح الشعور السائد في بروكسل مقر المفوضية الأوروبية وفي البرلمان الأوروبي أن ميركل لم تعد قادرة على قيادة بلدها فكيف تستطيع قيادة أوروبا؟ وكانت ميركل قد تجاوبت أخيراً مع منتقديها من القادة الأوروبيين وتراجعت عن سياستها تجاه اللاجئين، وقالت قبل فترة أنها لن تكرر ما فعلته في سبتمبر 2015 عندما سمحت بدخول مئات الآلاف من اللاجئين عبر البر إلى ألمانيا بدون أوراق ثبوتية، وأيدت أخيراً إغلاق الحدود الخارجية أمام اللاجئين وإقامة معسكرات للاجئين في دول خارج أوروبا وسعت للاتفاق مع دول إفريقية لوقف تدفقهم إلى أوروبا بعدما سعت كي يوقع الاتحاد الأوروبي على اتفاقية مع تركيا مقابل مليارات الدولارات لوقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا عبر اليونان ودول البلقان.
وكان واضحاً لمؤيدي نهجها ومعارضيه في أوروبا أن سياستها تجاه اللاجئين عام 2015 هي التي أضعفت موقفها داخل ألمانيا وفي أوروبا، وساعدت في صعود الأحزاب الشعبوية ووصولها السلطة في بولندا وفنلندا والدنمارك والمجر وإيطاليا، بالإضافة إلى دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» جميع برلمانات الولايات الألمانية، بالإضافة إلى البرلمان الألماني «بوندستاج» حيث أصبح ثالث أكبر حزب في ألمانيا وكان في عام 2015 في طريقه إلى التلاشي بعد عامين على تأسيسه. والمؤكد أنه إذا تنحت ميركل في القريب كما يتوقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن الشعبويين في واشنطن وأوروبا لن يذرفوا دمعة واحدة على فراقها. وعلاوة على انتقاد هؤلاء سياستها تجاه اللاجئين، فإنهم يعتبرون أن دعوتها لسياسة التقشف كحل للتخلص من أزمة الديون مثلما حصل في اليونان وقبرص والبرتغال واسبانيا وإيرلندا كانت خطأ.
وزاد من ضعف ميركل الخلافات داخل حكومتها ونتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في ولايتي «بافاريا» و«هيسن» وفي ضوء تراجع شعبية حزبها لدى الناخبين في ألمانيا. وسيواجه حزب ميركل انتخابات صعبة للغاية في ولايات بألمانيا الشرقية بالإضافة إلى انتخابات البرلمان الأوروبي.
وبحسب صحيفة «زود دويتشه» الليبرالية الألمانية فإن ميركل ستترك «تركة» صعبة لخليفتها، وهي لن تتمكن من حل المشكلات القائمة في ألمانيا وبالتأكيد في أوروبا. ويُعتبر «فريدريش ميرتس»، الرئيس السابق للكتلة البرلمانية التابعة للحزب المسيحي في البرلمان الألماني، هو أبرز المرشحين لخلافتها في رئاسة الحزب، في ديسمبر المقبل، وعلى الأرجح في منصب المستشارية، و«ميرتس» لم يكن على وفاق مع ميركل وترك العمل السياسي سنوات طويلة بسبب خلافه معها، وهو يعد مؤيديه بنهج جديد وبمكافحة الشعبويين. كما يتنافس على المنصب أيضا «أنيجيريت كرامب- كارينباور»، الأمينة العامة لحزب ميركل، والتي تحظى بتأييد المستشارة الألمانية، وهى متهمة بأنها ستواصل نهج ميركل.
ويوضح الانقسام حول سياسات ميركل في أوروبا، مدى الانقسام الذي أصبح قائماً بين دولها. وبرأي يانيس إيمانوليديس مدير «مركز السياسة الأوروبية» في بروكسل، أن الأوروبيين سوف يشعرون بغيابها لكن سرعان ما سيتعودون على خليفتها الذي تنتظره تحديات كبيرة في السياسات الأوروبية مثل الهجرة و«البريكسيت» وإصلاح منطقة اليورو ومشروع تأسيس جيش أوروبي، وسيساعده في ذلك كون ألمانيا أكبر قوة مالية في الاتحاد الأوروبي. كما أن النفوذ الألماني في الاتحاد الأوروبي ليس مهدداً بالزوال حيث يسعى «مانفرد فيبر» مرشح الأحزاب الأوروبية المحافظة للفوز بمنصب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود جونكر. غير أن المعلقين يعتقدون أن انسحاب ميركل سوف يوفر فرصة ليصبح الرئيس الفرنسي إيمانويل مكرون الزعيم الجديد للاتحاد الأوروبي. أما بالنسبة لمستقبل ميركل فقد كان العديد من المراقبين قد أعربوا عن اعتقادهم أنها قد تسعى للحصول على منصب أوروبي كبير مثل رئيس المفوضية الأوروبية أو رئيس الاتحاد الأوروبي لكنها أكدت أخيراً أنها لا تتطلع للحصول على منصب في أوروبا.