نظام عالمي غير متناسق .. إلى أين يمضي؟

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
على مشارف نهاية عام يبدو العالم على شفا أكثر من حفرة والوقوع بات يسيرا جدا سيما وأن الملفات الخلافية والشقاقية أكثر من نظيرتها الوفاقية، ويصبح التساؤل إلى أين يمضي عالمنا؟ وما هي أبعاد المخاطر التي تتهدده؟ وكيف ستؤثر على حياة البشر في العقود القادمة؟ ولماذا انفك حبل الوصال الأممي في العقود الأخيرة بنوع خاص ومنذ بدايات الألفية الجديدة؟

يمكن القطع بأن أولئك الذين فرحوا بسقوط الاتحاد السوفييتي السابق، ربما أدركوا الآن أن رهاناتهم لم تكن صائبة، فالحياة جبلت على الثنائية الخلاقة منذ البداية، الليل والنهار، الشمس والقمر، الخير والشر.
والأمر نفسه انسحب منذ الآباء الأوائل على الممالك والامبراطوريات والتجمعات البشرية، فكانت هناك حضارات متباينة ولم يكن شرطا أن تتصارع فيما بينها، بل عرفت غالبيتها أنواعا عديدة من التعاون، منها ما قصته علينا كتب التاريخ وغيرها.
وحين تبلورت الدول في شكلها النموذجي قبل ألفي عام تقريبا وجدت الامبراطورية الفارسية، وفي مواجهتها نظيرتها الرومانية، وامتدت سياقات المواجهات إلى أن بلغت الامبراطورية الفرنسية ومعها الانجليزية، ووصل الحال بالعالم إلى حلفي الناتو ووارسو بعد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي فرض نوعا من التوازن وأرسى علامات واضحة من التعاملات الدولية لم يقدر لاحدهما أن يخرقها انطلاقا من إدراكه للند المواجه له.
هذا النموذج الدولي تغير وبات العالم اليوم في حالة سيولة جيوسياسية، ولم تعد المظلة الأممية المعروفة باسم الأمم المتحدة قادرة أدبيا على الأقل أن ترفع من صوتها في مواجهة الخروقات التي تقوم بها القوى الدولية الكبرى، ولهذا لم يكن غريبا أو عجيبا أن يتساءل البعض هل المشهد الحالي يقودنا إلى القول إن نظام وشريعة الغاب قد عادا أو هما على الأرجح في طريق العودة مرة جديدة.
ولعل السؤال الحقيق بنا طرحه هل العالم على موعد مع تغير جذري في الأنظمة والمعارف والقوى المؤسساتية الحاكمة بعد نحو خمسة قرون من سيطرة الغرب بنوع خاص ؟
الشاهد انه لا يمكننا ان نقدم جوابا شافيا وافيا على علامة الاستفهام المتقدمة ما لم نقف على المميزات التي قيضت للمعسكر الغربي انتصاراته الكثيرة، وربما في المقدمة منها المرونة الكبرى في أنماط إنتاج المعرفة، وإقامة الجسور المفتوحة من الثقافات العالمية والثقافة الشعبية أي بين ثقافة العوام وثقافة النخبة.
كما ان هناك ثمة إجماع على أن أساس تميز الغرب العمراني الجديد هو تقدمه العلمي والتكنولوجي القائم على نمط جديد من الوعي والتنظيم الاجتماعي، وقد أدى إعجاب غير الغربيين بهذه التجربة الفذة إلى محاولات التعرف عليها عن كثب كما فعل اثنان من الأمميين إن جاز التعبير الذين حاولوا التماهي مع التجربة الغربية.
أما الأول فهو الإمبراطور الياباني «ميج» في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي الذي أرسل الخبراء للتعلم من أوروبا.
فيما الثاني فهو والي مصر محمد علي باشا والذي قام بإرسال بعثات علمية إلى الدول الأوروبية أيضا وكان السبب في نهضة مصر الحديثة، فالكل كان يبحث عن سر نجاح الغرب وعن أساس هذا الإنجاز.
لم يكن العلم والتقدم الغربيين كما يشير إلى ذلك الدكتور السيد أمين شلبي في مؤلفه الشيق «رؤى عالمية»، ليحدث من دون أحد اهم المرتكزات في قيام ونشوء وارتقاء الأمم وهو الربح، وليس صدفة أن يعود أصل كلمة الربح Profit في اللغات الغربية إلى فعل Proficere باللغة اللاتينية الذي يعني التقدم، فكرة الربح مرتبطة عضويا في الذهنية الغربية بفكرة التقدم الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء.
نجحت الدول الأوروبية التي كانت قلب التجربة الغربية الأممية وقبل ظهور الولايات المتحدة الأمريكية في الحصول على ثروات العالم القديم عبر استعمار مباشر، وراكمت ثروات غير مسبوقة مكنت لها من السيادة والريادة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، غير انه لم يدر بخلد الغربيين ان الأيام دول كما يقال، وأن هناك خطوبا في الطريق لابد أن تجري بها المقادير، وأن يتحول قلب العالم من الغرب إلى الشرق.
السؤال المهم: ما الذي يدعونا إلى هذه القراءة القديمة الجديدة مرة أخرى وفي هذه الأوقات الملتهبة على الصعيد العالمي؟
خلال الأيام القليلة الماضية خرجت علينا وزارة الدفاع الأمريكية بأخبار ترتيبات لسحب نحو 25% من القوات الخاصة بها المكلفة محاربة الإرهاب في القارة الإفريقية والمعروفة باسم قيادة افريكوم، عطفا على البدء في سحب عدد من جنودها المنتشرين في القارة السمراء ويبلغ عددهم نحو 7200 جندي خلال الأعوام الثلاثة القادمة أيضا.
ما الذي يجعل أمريكا تسحب جنودها على هذا النحو؟ وهل هي بداية الانعزالية التي خيل للعالم أن الرئيس دونالد ترامب هو من يقودها عبر سياسته التي ترفع شعار «أمريكا أولا»، أم العكس هو الصحيح؟.
ربما يستدعي الأمر تذكير القارئ بان الرئيس الأمريكي، أي رئيس هو في واقع الحال ليس اكثر من منفذ لسياسات الدولة العميقة الأمريكية المكونة من أصحاب المصالح على اختلاف أسمائها، ولهذا فان السياسة التي تطفو على السطح لكل رئيس إنما تتساوق ولا شك مع خطوط طول وعرض تلك السياسات.
أمريكا منذ تسعينات القرن الماضي اتفقت فيما بينها على أن تتسيد العالم وأن يضحى القرن الحادي والعشرين قرنا أمريكيا بامتياز، غير ان تقديراتها ربما لم تأخذ في الحسبان عودة روسيا وصحوة الصين مرة جديدة، الأمر الذي يعيد التذكير بتحذيرات نابليون بونابرت من عودة الصين إلى سماء الحياة الأممية.
انسحاب القوات الأمريكية من إفريقيا يبين لنا حالة الاضطراب الدولية، والسبب تقرير قام عليه اثنا عشر من كبار الشخصيات الأمريكية النافذة من ديمقراطيين وجمهوريين، أعد بطلب عاجل من الكونجرس الأمريكي عن وضع الامبراطورية الأمريكية في العقود التالية.
مفاجآت عدة كشفها التقرير في المقدمة منها ان واشنطن ربما تخسر حربا اذا واجهت روسيا أو الصين أو الاثنين معا، بل الأسوأ هو أنها لم تعد قادرة على خوض حربين في وقت واحد حول العالم بخلاف الأوضاع عندما سقط الاتحاد السوفيتي.
أما عن حديث الأرقام فيخبرنا به المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستكهولم «سييري»، وفيه نجد انعكاسا لحالة العالم الذي عاد مرة جديدة إلى دائرة الصراع المسلح كأداة نهائية لفض النزاعات العالمية، وبصورة أسوأ مما كان عليه المشهد في زمن الحرب الباردة.
تشير الأرقام إلى ان الموازنة السنوية للقوات المسلحة الأمريكية تبلغ 760 مليار دولار، فيما موازنة الصين تصل إلى 228 مليار دولار، وتبقى موازنة روسيا هي الأقل 66 مليار دولار.
الأرقام المتقدمة حال فك شيفراتها تخبرنا بكلام كثير وقراءات مستقبلية عديدة، بمعنى انه وان كانت أمريكا حتى الساعة هي صاحبة الموازنة الأعلى إلا ان الصين التي باتت تهدد أمريكا وكما أشرنا مرات سابقة بتوازن الردع النقدي، تتسارع خطواتها وستلحق بأمريكا خلال العقد القادم وتتجاوزها في العقد الذي يليه، وبخاصة ان الرقم الحالي للإنفاق العسكري أعلى ثلاثين مرة مما كان عليه قبل عشر سنوات.
الصين هنا تعيد نجاحات أوروبا في القرون الوسطى حين نجحت في الحصول على موارد العالم الفقير والمستعمر بالقوة، والأمر المختلف ان الصين لا تباشر حروبا أو غزوات بقوة السلاح، وإنما بقوة منتجاتها التي غزت العالم وتسبب وجعا كبيرا في رأس الرئيس الأمريكي ترامب ولهذا فرض عليها جمارك تقدر بنحو 60 مليار دولار وهو يدرك في قرارة نفسه انه ما من قوة تستطيع ان تكسر إرادة شعب أراد الحياة والانطلاق.
أما عن روسيا فحدث ولا حرج، فهي على الرغم من ضالة موازنتها العسكرية تجاه موازنة أمريكا التي تتجاوزها عشر مرات وأكثر، لا تزال مهددا كبيرا بترسانة صواريخها النووية القادرة على إبادة مناطق بأكملها حول العالم وتهديد الأمن والسلم الدوليين، عطفا على تغير كيفي في التفكير الروسي فقد باتت روسيا مرحبا بها في كثير من بقاع وأصقاع العالم من دون أيديولوجية شرسة لها مخالب وأنياب، كما أن أسلحتها الحديثة سيما الفرط صوتية منها بجانب المستحدثة جدا مثل الصاروخ سارامات جميعها تؤكد على أن روسيا عائدة بقوة إلى السماوات العالمية القطبية.
لن تقف أمريكا ساكنة وهي ترى العالم يتحرك على هذا النحو، ولهذا فاغلب الظن أننا مقبلون على عسكرة أمريكية بشكل غير اعتيادي سيما وان اللجنة المشار إليها سترفع إلى الكونجرس الأمريكي توصيات عريضة بشأن زيادة حجم الإنفاق العسكري، ذاك الذي سوف يستخدم في زيادة عدد الغواصات والقدرات الاستطلاعية للطيران، وعدد المقاتلات القاذفة، والأشباح بعيدة المدى، والمزيد من الدروع والصواريخ الدقيقة. أما عن الترسانة النووية الأمريكية فيوصي التقرير بالاهتمام بها وتحديثها لتضحى أصغر حجما وأكثر فاعلية، عطفا على هذا كله فان هناك حديث عن برنامج القدرات الفضائية الأمريكية وهي قصة يطول شرحها وتحتاج إلى قراءة قائمة بذاتها.
هل أهملنا في هذه القراءة النظر إلى بؤرتين مهمتين للغاية حول العالم؟
بلا شك لابد من العودة إلى أوروبا وموضعها وموقعها في هذا العالم غير المتناسق من جهة، واليابان التي سئمت من أن تكون تابعا للولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من جهة أخرى.
والسؤال قبل الانصراف هل يعي العالم العربي والشرق أوسطي تحديدا أبعاد ما يدور من حولنا أم أن الكارثة الكبرى هي أننا وتقليديا كالأيتام على موائد اللئام إلا ما رحم ربك؟