نوافذ :تعويم المشاكل .. أو تغريبها

بقلم: أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
شد انتباهي؛ من خلال تصفح صفحات الـ»واتس أب» لعدد من المجموعات القصة التالية: «ذهب رجل يشكو لجحا مشكلته فقال له: يا جحا أسكن أنا وزوجتي وأطفالي الستة وأمي في غرفة واحدة فماذا أفعل؟ فقال جحا: اذهب واشتر حمارا وأسكنه بالغرفة معك وعد بعد يومين، عاد الرجل بعد يومين وقال يا جحا الأمر أصبح أسوأ، فقال له جحا اذهب واشتر كبشا وأسكنه معك، وعد بعد يومين، وعاد الرجل؛ وأصبح وجهه شاحبا، فقال: يا جحا الأمر أصبح لا يطاق، فقال له اذهب واشتر دجاجة وأسكنها معك، وعد بعد يومين، وعاد الرجل، وقد أوشك على الانتحار.

فقال له جحا: اذهب وبع الحمار، وعد بعد يومين وأخبرني بما جرى، فعاد الرجل بعد يومين، فقال: لقد تحسن الأمر قليلا، والحمد لله، ثم قال له الرجل: اذهب وبع الخروف، وأخبرني، فذهب الرجل وباع الخروف، ثم رجع إلى جحا؛ فقال له الوضع تمام.
ثم قال جحا اذهب وبع الدجاجة وأخبرني، فباع الرجل الدجاجة وعاد إلى جحا، فقال: أنا بأفضل حال، أشكرك يا جحا».
وكان التعليق المصاحب لهذه القصة النص التالي: «هكذا تدار الأزمات السياسية بالدول العربية يخلقون لك مشكلة جديدة حتى تحمد الله على نعمة مشاكلك القديمة وتنسى أصل المشكلة وتصبح مدينا لهم بالفضل والعرفان».
وكان تعليقي بعد قراءة هذه القصة: أولا: أن هذه القصة رمزية عمد مؤلفها إلى بعث رسالة ما، ثانيا: إن هذا الأمر ليس واقع الحكومات والدول، إن كان واضع القصة يذهب إلى هذا المعنى، وإنما هو واقع كثير من الأفراد في المجتمع، فكثير منا؛ على سبيل المثال؛ يملك بيتا صغيرا متواضعا؛ ربما؛ قد لا يكفيه وأسرته بالصورة التي عليها، ولكنه قادر على التعايش مع ما هو موجود، فيعقد العزم على شراء أو بناء بيت كبير، وبمواصفات؛ ربما؛ قد لا تحتاجها أسرته الصغيرة، فيذهب إلى الاستدانة من أحد المصارف ويحمل نفسه فوق طاقتها من الدين والأقساط الشهرية التي تمتد لسنوات تستهلك كل العمر الجميل، وبالتالي، فبدلا من أن يحل مشكلته البسيطة، يعمق نفسه في مشكلة أكبر، وينتهي العمر، وهو أسير مشروع واحد في حياته فقط، وكذلك الحال لمن يعزم على شراء سيارة كبيرة فارهة، وإمكانياته بسيطة، يوقع نفسه في ذات المشكلة، فكلا المثالين هنا هو البحث عن حل، وليس الذهاب إلى الشروع في منفذ آخر لتعزيز وضع الأسرة إلى الأفضل، وغيرها من الأمثلة الكثيرة، حيث يغربون أنفسهم بأنفسهم عن واقعهم الذي يعيشونه، بابتداع مشاكل أكبر من مشاكلهم القائمة، ومع مرور الأيام يتعايشون معها، ويظنون بذلك أنهم وجدوا حلولا لمشاكلهم القديمة، فإذا بهم يعومون مشاكلهم الصغيرة، ويذهبون إلى اقتناء مشاكل أكبر، فيعيشون واقعا آخر أسوأ من واقعهم الذي كانوا عليه، ومنها إما أن يتعايشوا مع هذا الواقع الجديد، ويعودوا إلى ذات الشكوى، وإما أن يبحثوا عن حل آخر – في تقديرهم – أنه الطريق الأنجى، بينما هم يكرسون ذات المشكلة في تعقيد أكبر عن المشكلة القائمة، وذلك ببيع البيت أو المركبة، ويظنون بذلك أنهم تخلصوا من مشكلتهم الكبرى، فإذا بهم يعودون إلى مربعهم الأول، مع أن الفرصة كانت متاحة لهم لمعالجة الوضع القائم بأبسط الحلول، وهكذا تتناسل المشاكل وتتنقل من واقع مؤلم إلى واقع أشد ألما، حيث تلازمهم حالة التغريب المستمرة.
ولعل الأمثلة الشائعة في هذه الصورة بالذات، هي حال كثير من مقاولي البناء، الذين عندما تقل في أيديهم مبالغ التمويل؛ لسوء إداراتهم؛ يقومون ببناء منازل متوقفة، من مستحقات منازل سوف يقومون ببنائها، ويقعون في مأزق عدم القدرة على تكملة كل المنازل، فيجبرهم واقع الحال على إعلان إفلاسهم، والقصص كثيرة في هذا الجانب.