المولــد النـبــوي الـشــــــــريف .. ذكرى للمؤمنين

أهداف الاحتفال –   
حمود بن عامر الصوافي –

لم يرد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في قرآن ولا سنة ولا عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تابعيهم ولكن لما رأى المسلمون غيرهم يحتفل بالعظماء والقادة الكبار كان لزاما على المسلمين أن يحتفلوا بأعظم رجل عرفته البشرية، وأكرم رجل سعدت به الأمم، وبذل نفسه ووسعه في سبيل نجاحها وتخليصها من الشرك والوثنية.
إنه رسول الرحمة المهداة، والدعوة الخالصة النيرة ألا يستحق أن يحتفى به ويحتفل به كل عام؟ ألا يجدر بنا أن نذكّر أنفسنا ومن حولنا إبان مولده؟ ألا ينبغي أن نوقظ شعورنا ومشاعرنا لتتجه نحو نبينا صلى الله عليه وسلم ونقتدي به؟
ليس رجلا عاديا بل هو نبي مرسل من عند الله تعالى، فهو قدوة في تصرفاته وكلماته وحركاته وسكناته، قال تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا»، ويقول عن عموم الأنبياء: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ».

فلن تنال الخير ولا المعروف ولا الإحسان ولا الاستقامة إلا بطاعته صلى الله عليه وسلم والسير على نهجه بل طاعته من طاعة الله تعالى؛ لأنه تعالى أمرنا بطاعته صلى الله عليه وسلم، فرتب الرحمة على طاعتهما قائلا: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»، وأمرنا باللجوء إليهما في التنازع أو التخاصم ورد الأمور والأحكام إليهما، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»، وحذرنا من مخالفتهما أو التمرد على أوامرهما، قال تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ»، وربط الإيمان بطاعتهما، فقال: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»، وطاعتهما منجاة من التنازع والتفرق والتشرذم، قال تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ».
لذلك من قصد الاحتفال لم يقصده لذات الاحتفال وإنما أراد أن يذكر الناس بصفات هذا الرجل ومناقبه وأخلاقه وقيمه، وربما هي لا تخفى على كل ذي بصيرة ولب وعقل، ولكن قد يتناسى الناس الصفات الحسنة والأخلاق الحميدة لبعدهم عن التذكرة والموعظة، فإذا ما جاء الاحتفال صدحت ألسنة الوعاظ والمرشدين والموجِّهين وأعادوا للناس هذه القيم في الواجهة، وذكروهم بمكان الحبيب المصطفى، وأفعاله الحسنة وبما كان سراج الأمة يمارس في مختلف أيامه ومراحل عمره.
نعم إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن تمر حادثة المولد النبوي كمثيلاتها من حوادث العظماء دون وقفة تأمل أو محاولة فهم مغزى ذلك وما ينبغي أن يكون حالنا ونحن نحتفي بهذه القامة البشرية العالية التي لا نضير لها في التاريخ.
فإذا كان هذا الرجل قد جاء بنور الهدى الذي به غيّر البشرية وأنقذ الأمم من وحول الظلام والشرك ألا ينبغي أن نستمد منه النور الذي أتى به وهو القرآن الكريم ونعمل وفق منهجه في تغيير أنفسنا وتخلصنا من المحن والإحن التي أحاطت بنا، قال تعالى: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا»، وقال أيضا: «الم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».
ألا يجدر بنا أن نذكر أنفسنا ونعظها في أيام أحوج ما نكون إلى الالتزام بهدي المصطفى، قال الله تعالى: «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ»، ولا ريب أن أعظم ذكرى نذكر بها أنفسنا ومن حولنا هو ذكرى الحبيب ووجوب الاقتداء به واتباع أوامره والسير على منهاجه.
إن حادثة مولد النبي صلى الله عليه وسلم فرصة سانحة وهبة ربانية تجعلنا ننظر إلى حالنا اليوم ونحن نرى أنفسنا نتقلب من ضعف إلى ضعف ومن استكانة إلى استكانة ألا تحرك دعوة المصطفى فينا حب الخير والعمل من أجل تصحيح مسارنا؟ ألا ينبغي أن نشمر عن سواعد الجد ونحن ندرس عظيما ونبيا من الأنبياء المكرمين؟ ألا تتحرك أفئدتنا بمحاولة النهوض من كبوتنا والسير على نهج المصطفى وكسر الأصنام العتيقة التي تقبع في دواخلنا؟ ألا ينبغي لنا أن نكسر السلبيات والأوهام الجاثمة على رؤوسنا منذ زمن؟
فليكن أبناء اليوم متشابهين مع أبناء الماضي في الفتوة والقوة والعزيمة والبحث عن الحق في أي مكان، فلا يليق بنا ونحن الذين ندعي العلم والمعرفة أن نكتفي بتذكر عظم حضارتنا وإنجازاتنا السابقة ونكتفي برفع شعاراتنا وترديد أغانينا وأشعارنا فقط بل يجب أن ننهض مرة أخرى ونعمل ليل نهار لنحقق شيئا على أرض الواقع، قال تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»، وقال أيضا: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى».
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما استلم راية الأنبياء لم يقف مكتوف الأيدي وسط تعرضه لمختلف المصائب والمحن ووسط وقوف قومه وأقرب الناس إليه حجر عثرة في تبليغ الدين ولكنه عمل سرا وتدرج شيئا فشيئا حتى وصل إلى مبتغاه.
لقد بذل كل البذل حتى كاد أن يتخلله اليأس من شدة ما كذب وأوذي في سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الآخرين ألا يجدر بنا أن نسير على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ».
فقد بذل جهده فأرادوا قتله واضطر إلى هجران بلده والانتقال إلى آخر رغبة فيمن يقوم بإعزاز الدين والدفاع عنه وحماية نبيه والمسلمين المستضعفين حتى قارب أن يصل إلى اليأس من إسلام قومه إلا أن صبره وتجلده فتح له الخيرات وانقشع عن أمته الظلام فبشر الصابر دوما بالخير ولو بعد حين، فكما قالوا: إنما النصر صبر ساعة.
الاحتفاء بالنبي الأواب لا ينبغي أن يقصر على تقديم الطعام والشراب وإلقاء المحاضرات والخطب الوعظية بل يتعدى هذا وذاك إلى إقامة ورش تدريبية وخطط ممنهجة قوية تنفذ بتدرج وتأن؛ لتغيير واقعنا وتقديم الأفضل لأمتنا ولا ريب أن وحدتنا هي من أعظم سبل النجاح وأجمل ما يمكن أن نستفيد منه من مولد النبي صلى الله عليه وسلم فقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على رص صفوف المسلمين من الانهيار أو التصدع فكان يقف بالمرصاد لكل من حاول أن ينال من صفوف المسلمين ووحدتهم، فكان يخطب ويصلح ويهيئ النفوس للتغاضي عن الصغائر والصفح عند الزلات.
وقد ركز القرآن في كثير من الآيات على سلامة وحدة المسلمين وأن التفرق هو شر محض لا خير فيه، قال تعالى ممتنا على وحدة المسلمين واجتماعهم، قال تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ»، وقال: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ».
فالوحدة ضرورية بين أمة الإسلام لمواجهة كتائب الكفر والتغلب عليها، وقد قالوا إنما قتلت يوم قتل الثور الأسود، نعم هكذا حالنا كل يوم تُنهش أرضنا ويعتدى على حرمنا وتهان كرامتنا بسبب تفرقنا واستقلال كل برأيه ولو تماسكنا واتحدنا لهزمنا أي قوة تريد أن تنال منا أو تحاول الاقتراب من حدودنا أو النيل من كرامتنا فقد ورد: إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية؛ لانفرادها عن أخواتها وأمثالها.
فليكن شعارنا الاتحاد قوة؛ فهو ضرورة لا محيص عنها وواجب لا يجوز التفريط فيه وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، قال تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ».
فهذه الخيرية لا تتحقق إلا بهذه الشروط: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله ولا شك أن الاتحاد مقدم في كل تلك الشروط سواء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في الإيمان بالله، أو في العبادة قال تعالى: «إيّاك نعْبُدُ وإيَّاكَ نسْتَعِيْن» مجتمعين في كل شأن من شؤوننا الدينية أو الدنيوية.

 

أبناؤنا والسيرة النبوية –   
ميمونة بنت حميد الجامعية –

العملية التربوية التعليمية عملية مشتركة تجمع المعلم والبيت والمدرسة، ولكل دوره حتى يتحقق الهدف من هذه المنظومة كلها، ولأن الحديث عن أهم أعمدة البيئة التعليمية وهو المعلم الذي يتحمل العبء الأكبر في توجيه الطالب بصورة مباشرة داخل الحرم المدرسي عامة وبيئة الصف خاصة، وهو مطالب بأن يرتقي بالطالب إلى أقصى درجات الرقي الفكري، مع ما يحرص عليه من اتباع أفضل الطرق وأنجعها لتحقيق الهدف الذي رسمه لطلابه، في هذا الإطار كله، علينا أن ننظر أيضا إلى الذي يقف خلف المعلم حتى يحقق رسالته على الوجه الأكمل، وهو ما سيسلط عليه المقال الضوء مع التركيز على بعض الجوانب التي قد تكون من العوامل المساعدة في دفع المعلم لأن يكون أكثر فاعلية في نقل ما يوفر له من قبل بيئة المدرسة إلى الموقف الصفي، وقد يكون المجتمعي ككل.

إن مما يعتمد عليه في نجاح مهمة الهيئة التدريسية هو تنمية روح الفريق الواحد الذي يعمل في مناخ تربوي تدريبي تعليمي مُعين على تحمل الرسالة المناط بها، وتأتي أهمية فريق العمل من حيث إنها خليط من التغذية العكسية، ومدخل الاستشارات الإجرائية الذي يهدف إلى تحسن فاعلية عمل الجماعة الإنتاجي والسلوكي من خلال التركيز على أساليب وإجراءات العمل والعلاقات الشخصية، وعرف على أنه «سلسلة من النشاطات المصممة بهدف تحسين أداء الأفراد»، وينظر إلى أنشطة بناء فريق العمل على أنها طريقة للتأثير الإيجابي في العلاقات بين الأفراد بهدف رفع أدائهم نحو الأفضل، وتوحيد جهودهم نحو المهام الموكلة إليهم للوصول إلى أهداف المؤسسة بأفضل الطرق وأيسر السبل الممكنة.
وبما أن فريق العمل هو وسيلة لتمكين الأفراد من العمل الجماعي المنسجم كوحدة متجانسة، وأن العمل الجماعي أمر يحث عليه الإسلام، لما فيه من البركة والتوفيق والفاعلية؛ يتطلب العمل تحت مظلته عدد من قواعد السلوك، منها ما هو خاص بمهارات التعامل مع الآخرين، ومنها ما يُعنى بمهارة القدرة على حل المشكلات، وفهم المشاعر النفسية، والاحترام المتبادل، لذا من الأهمية:
– إيجاد أرضية مشتركة لإنجاز العمل المطلوب التخطيط والتنفيذ له.
– زيادة القدرة على الإدارة الذاتية عند فريق العمل.
– وجود نظام مكتوب وإرشادات واضحة للرجوع إليها مما يضمن استمرار العمل وعدم توقفه، مع اعتبار أن الأهداف الشخصية وأهداف الفريق على الدرجة نفسها من الأهمية، ويراعى عدم تداخل الأهداف الشخصية مع أهداف الفريق.
– العمل في جو نفسي مريح، وإشعار الجميع أن التعاون وتبادل وجهات النظر من أسس نجاح العمل.
– إحلال الثقة محل الخوف والتعبير عن المشاعر دون حرج، مما يوجد الأريحية والطمـأنينة بين أفراد الفريق.
– اعتبار الاختلاف في الرأي من العلامات الصحية بهدف الوصول لأفكار جديدة والبحث الدائم عن أرضية مشتركة.
– تحسين الأداء باستمرار ومراجعة النتائج والميل للتجريب المثمر.
– اتخاذ القرارات بالأغلبية والتأييد من الجميع، مما يدفع إلى إنجاز العمل برغبة وحب كبيرين.
– سيادة الاحترام والتعاون، والبناء على أفكار الآخرين، والتوصل إلى حلول يستفيد بها الجميع، وإن مما يعين على تعزيز روح الفريق التدريب على احترام وجهات النظر، والتركيز على أهمية النقد البناء، وحين تتوفر القدوة الفاعلة تسير الأمور بصورة سلسة كتعامل الإدارة مع وجهات النظر المختلفة والمتباينة التي قد لا تتفق مع آرائها بشكل هادئ دون انفعال ومعالجتها منطقيا، وعدم التسرع في إبداء الرأي الخاص بل الانتظار حتى يتفق الأغلب على رأي ما حول المسألة المطروحة، وتوجيه الأطراف المعنية للوصول إلى قرارات منطقية من خلال طرح أسئلة حول الحلول غير المنطقية، حتى تصل الأطراف المعنية بأنفسهم لقناعة بعدم جدوى مثل هذه الحلول واللجوء عندئذ إلى الحلول الأكثر منطقية، هذه وغيرها من طرق التعامل تختصر الكثير من المسافات كما تدفع بالهيئة التدريسية إلى نقل تلك الخبرات إلى طلابها وكأن المدرسة بيئة تكاملية يخدم أفرادها بعضهم البعض.
إن الروح العالية التي تجمع أعضاء الفريق تبين أن خلفها فكر يحرص على توفير أرضية خصبة ينمو فيها الإبداع بين الهيئة الإدارية والتدريسية وبالتالي بين المعلمين وطلابهم.
هذا القائد المفكر حين يكون نموذجا لممارسة العملية الإبداعية ومهاراتها؛ إذ لا يمكنه بث القوة في الآخرين وتحفيزهم لممارستها دون أن يكون هو محفزا في المقام الأول، فيحاول إحداث تغييرات ذات قيمة، – وإن فشل ثم استطاع أن يجمع شتات أمره ليعيد المحاولة مرة أخرى – فإن أفراد فريق العمل معه -بلا شك- يصبح أكثر رغبة في الإقدام على المحاولة بأنفسهم، وهنا الاهتمام بهذه المحاولات الناشئة من الفريق ما يستحق الاهتمام والمساندة لمن سلك طريق المبادرة والمغامرة في آن واحد.
أما المجال الثاني الذي ينبغي حث الأفراد القائمين على التعليم عليه، هو: امتلاك مهارات التفكير المختلفة، حيث يلعب التفكير الحاذق دورا حيويا في نجاح الأفراد وتقدمهم داخل المؤسسة التعليمية وخارجها؛ لأن أداءهم في المهمات الأكاديمية والمواقف الحياتية عموما أثناء الدراسة وبعد انتهائها هي نتاج تفكيرهم، وبموجبها يتحدد مدى نجاحهم أو إخفاقهم، فالتعليم الواضح المباشر لعمليات ومهارات التفكير المتنوعة يساعد على رفع مستوى الكفاءة في القدرات العقيلة للتفكير المثمر للأفراد «إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». يشير الله -عز وجل- في الآية إلى صفات أولي الألباب أي العقلاء الذين يجمعون بين صفتي ذكر الله في جميع الأحوال والتفكر في خلق الله، وفي هذا دعوة لذوي العقول والنهى إلى التفكير في آيات الله، وإن القرآن الكريم يذخر بنداءات ودعوات كثيرة للتفكر إلا أنه – جل وعلا – يربط بين مفهوم التفكر والذكر على أنهما جناحا ذوي العقول؛ إذ بهما يعمل الإنسان فكره وهو ذاكر لنعم ربه، مقر بعبوديته، وعندئذ فقط يستوي تفكيره، فيعمل فكره وقلبه متصل بربه، فينسج عقله أفكارا بناءة، أفكار تجلب النفع للعباد والبلاد. بهذا التلاحم الرائع بين العقل والقلب يصيغ الإسلام والمسلم التوازن الذي يشيد حضارة عادلة، متزنة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وبالتفكر في خلق الله يعيش أفراد محور العملية التعليمية في حضور دائم لقدرة الله تعالى وسيطرته على هذا الكون مما يوجد اتزانا في الأفعال والأقوال، ويسهم في حل الكثير من القضايا التربوية لينتقل الأمر من التنظير إلى الفعل، وهو مما قد يسد الفجوة الواقعة بين القول والفعل الأمر الذي يعين الفرد على امتلاك قوة المشاركة في صنع قرار ما أو تحديد أهداف، أو إبداء رأي برؤية بعيدة وبصيرة ثاقبة لا تكون إلا في المؤمن الحق، وقد أمرنا القرآن بالجد والحزم فيما نقرر عمله ليكون القدوة أيا كان مسماها وموقعها قوة فاعلة ومؤثرة فيمن حولها: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ»، وحثنا على الإقدام متوكلين عليه «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ۚ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ».
أما المجال الثالث الذي ينبغي تعزيزه في بيئة التعليم هو: الشورى، والشورى هي عملية التشاور بين ذوي العلم والخبرة بالقضايا المطروحة، وأفضل الطرق إلى تحقيقها هو النقاش المثمر، وهي من أهم مبادئ الإسلام الإدارية التنظيمية والدستورية «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»، كما تزخر السنة النبوية بأمثلة التشاور بين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصحابته، فكان عليه السلام أحرص الناس على التشاور مع صحابته، وكان دوما يسعى للحصول على رأي الجماعة لتقرير الأمور الدنيوية ولم يتجاوز الشورى إلا في حال نزول الوحي، ومن تلك الأمثلة تشاوره حول معاملة أسرى بدر فاستمع إلى رأي أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – وأعطى لكل رأي حقه من النقاش، قبل أن يقرر قبول الفدية لإطلاق سراح الأسرى.
إن ممارسة الشورى هو إبراز الآراء المطروحة المختلفة ليظهر أصوبها، ولكي تؤتي الشورى فائدتها، فإن على القائد الناجح في أي مؤسسة تنظيم عملية طرح الآراء بما يحقق الفوائد التالية:
– حماية صاحب القرار من الانسياق وراء الرأي الغالب بدون تمحيص ودراسة.
– توفير البدائل وإتاحة الفرصة للاختيار عند اتخاذ القرار.
-إدارة الاختلاف لما له من دور في تنشيط الأذهان والتشجيع على التفكير الموضوعي، إذ إن النقاش الموثق يوقظ العقول ويبعث فيه الحيوية، ويجب عند ممارسة الشورى مناقشة الآراء بموضوعية وشفافية على أوسع نطاق لتكوين إدراك كامل وواع للحقائق والآراء والبدائل، ثم ينشأ القرار السليم من تمحيص تلك الآراء مع التسديد والتقارب فيما بينها للخروج برأي شامل يخدم الرؤية المقدمة.
وإن كنت قد صدرت المقال بالحديث عن البيئة التي يعيشها المعلم لما في ذلك من أهمية في رفع المعنويات التي تنعكس تلقائيا إلى بيئة التعلم مع الطلاب، فإني أختم المقال بما ينتظر من المعلم إذا ما توافرت له البيئة المناسبة والمشجعة حتى يشارك في صناعة جيل واع يمكنه من مسايرة التغييرات ويجعله قادرا على تقبلها والاستفادة منها، ولعل الترغيب في طلب العلم هو من الأهمية بمكان لاعتبار التعليم هو الوسيلة الأساسية التي تستخدمها الأمم في رقي فكر أبنائها في مختلف المجالات، فيتوقع من المعلم أن يكون مستوعبا لمضمون الرسالة التي يريد إيصالها لطلابه على نحو يمكنه من الارتقاء بهم، ودفعهم إلى الأمام؛ حتى يصبح لكل منهم هدف ورؤية ورسالة، هذا الحديث يجعلنا نستحضر أن كلّ قدوة في موقعه هو مصلح لمن يقتدى به، والمعلم في المجال التربوي التعليمي هو مصلح لطلابه، وهذا يعطينا مؤشرا أن المعلم قد حقق الصلاح في نفسه، وامتلك الخبرة والمقصد الحسن ما يجعله متمكنا من إشاعة الخير والاستقامة في المجتمع الطلابي، فتكسو علاقته الرضا مع خالقه أولا، ثم مع الناس ثانيا، فحق له الثناء عندئذ:
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
إن تدع داعية المروءة تلقه
ذا جانب وافي المروءة وافر
ولعل أهم ما يشغل المجتمع وأبناؤه يقضون جل وقتهم في البيئة المدرسية، هو المعلم القدوة، فإن كان هذا المعلم ممن يتأسى بنبيه – صلى الله عليه وسلم – فهو ممن عناه الشيخ أبي سرور – رحمه الله -:
أين المعلم كي أقبل راحة
منه تخط محامدا وجنودا
وإن عدم توافر البيئة المحفزة لأداء الرسالة المنوط بها المعلم على أكمل وجه لا يعفيه من أن يكون القدوة في أقواله وأفعاله.
فإن كنت أيها المعلم سراج هذه الأمة فسر لا كبا بك الفرس والجميع معك قلبا وقالبا.

 

في بيته صلى الله عليه وسلم – 

زهرة سليمان أوشن –

(كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر).
تلك كانت كلمات أمنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لحبيب الرحمن صلوات ربي وسلامه عليه، عندما جاءها يرجف من الغار قائلا: زملوني دثروني، بعد أن تلقي الآيات الأولى من الوحي، فطمأنته وهدأت روعه وطيبت خاطره بهذه الكلمات.
تلك شهادة خديجة في زوجها بعد مضي خمسة عشرة عاما معه، فأي بيت كان ذلك البيت الرائع وأي معاملة تلقت خديجة من رفيق دربها لتوسمه بهذه الكلمات الطيبات ؟؟؟
ولكن ليس لنا أن نعجب أو نستغرب أو نستكثر، فهو الحبيب المصطفى، القدوة والأسوة، يكفيه أنه تلقى شهادة من ربه ومولاه مفادها: (وإنك لعلى خلق عظيم) سورة القلم 4.

لقد كان في بيته الزوج الودود والأب الرحيم والأخ الكريم والرفيق الرقيق، والصاحب الوفي.
في بيته عند بعثته كان يعيش معه زوجه خديجة وأولادهما وولده بالتبني حينذاك زيد بن ثابت رضي الله عنه الذي اختاره على والده وعمه عندما جاءا يبحثان عنه فترك له محمد صلى الله عليه وسلم الخيار، فاختار بيت رسول الله على بيت والديه وفضل الرفقة والحياة مع الحبيب على المعيشة مع أهله، ولك ولنا جميعا أن نتخيل ونرفع سقف توقعنا لروعة الخلق ورقة المعاملة التي تجعل شخصا ما يتنازل عن قومه وأهله ليبقى بجوار شخص غريب عنه، فأي أخ وأب وحبيب وطبيب وعظيم وجدت يا سيدنا زيدا لتؤثر محمدا عن العالمين؟
وفي بيت محمد كان هناك علي رضى الله عنه ابن عمه وزوج ابنته مستقبلا، وما مقامه في بيته وانضمامه إلى هذه الأسرة المباركة إلا علامة من علامات الوفاء ورد الجميل لعمه الذي أواه ورعاه لما كان صغيرا، فلما وسع الله عليه بعد زواجه من خديجة ضم عليا إلى أسرته ليخفف عن عمه بعض التكاليف، وقد كثر بنوه وقلت أرزاقه، ولك أن ترى عليا المحب المضحي من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم لتتوقع أي رعاية واهتمام وأي حدب وعطف حظي به في هذا البيت النور.
في بيته ولا أجمل من بيته ونعمة من الله أننا مسموح لنا أن ندخل بيته لنهنأ بالراحة في جنباته ونشنف أسماعنا بعذب كلامه وتقر أعيننا بطيب معشره وحسن تعامله.
والفرصة ولله الحمد سانحة والأمر متاح عبر قراءة سيرته وجولة في مسيرته الوضاءة التي لم يخف علينا منها شيء، فلعلنا ندخلها ونسعد بجواره وحواره وجماله خصاله، وهو الكريم بأبي هو وأمي، ونكون جميعا في معيته نتعلم من صحبته وننعم بأنوار رفقته.
وها نحن ذا نرصد بعين الفخر ونرسم المشاهد بمداد الحب لمواقف في بيته في هذه الأسطر محاولين أن نعبر بها إلى قرب يعلو بنا إلى مقامه السامق وموقعه الرفيع؛ تذكر عائشة- رضي الله عنه- وفاء النبي صلوات ربي عليه لخديجة بعد وفاتها، فتقول: ما غرت على أحد من نساء النبي غيرتي على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في لأصدقاء خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: (( إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد))، ويظهر البشاشة والسرور لأخت خديجة، لما استأذنت عليه لتذكره بخديجة، قالت عائشة: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك، فقال: اللهم هالة بنت خويلد، فغرت، فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها قالت، فغضب، ثم قال: والله ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ منعني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها، قالت عائشة: فقلت في نفسي لا أذكرها بعدها أبدا).
وها هي عائشة تسأل عن ماذا يصنع رسول الله في بيته فتقول: كان يكون في مهنة أهله، أي خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة، وتقول: كان رسول الله يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته.
و كان يدلل أزواجه، فها هو ينادي عائشة: يا عائش، ويناديها: يا حميراء، والحميراء تصغير حمراء يراد بها المرأة البيضاء المشربة بحمرة في وجهها.
ولا يستنكف أن يعلن حبه لزوجاته، يقول عن خديجة: رزقت حبها وعندما سأله عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك يا رسول الله، قال: عائشة، ويدخل السرور عليهن، فقد كان يسابق السيدة عائشة ويتركها تسبقه ثم يسابقها مرة أخرى فيسبقها ويقول ضاحكا هذه بتلك.
وتحكي أنها -رضي الله عنها- كانت تغتسل مع رسول الله في إناء واحد فيبادرها وتبادره حتى يقول لها دعي لي وتقول له دع لي .
ومن الأفعال التي كان يظهر بها حبه لزوجاته أنه كان يشرب من موضع شرابهن، تقول عائشة كنت أشرب فأناوله النبي فيضع فاه على موضع في وأتعرق العرق فيضع فاه على موضع في، أي يأكل ما بقي من لحم تركته السيدة عائشة على العظم.
ويدخل عليهن السرور، فعن عائشة قالت: زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله بيني وبينها إحدى رجليه في حجري والأخرى في حجرها، فعملت حريرة فقلت: كلي، فأبت فقلت: لتأكلي، أو لألطخن وجهك، فأبت فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها لتستقيد مني، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهي، ورسول الله يضحك.
ويلتمس لهن الأعذار ويراعي غيرتهن، فقد روي أن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها أهدت للنبي عليه السلام طبقا من طعام وهو في بيت عائشة رضي الله عنها، وحينما رأت عائشة ذلك ضربت بيدها الطبق فتكسر نصفين وتناثر الطعام في غرفتها، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على أن تبسم قائلا: غارت أمكم.
ويستمع إلى مشورتهن فقد استمع إلى مشورة زوجه أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية، حينما أشارت عليه أن يحلق رأسه ويذبح هديه ويتحلل من إحرامه حتى يراه المسلمون فيفعلون مثله، حيث أصابهم الهم والغم يومئذ من تعنت كفار قريش وشدة شروطهم مع رغبتهم في دخول المسجد الحرام ما جعلهم يترددون في التحلل من إحرامهم.
وهذا مشهد يظهر جمال ذوقه ورقته صلوات ربي عليه، فعن أنس رضي الله عنه قال: خرجنا إلى المدينة قادمين من خيبر فرأيت النبي يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب البعير.
وها هي صفية مع رسول الله في سفر وكان ذلك يومها فأبطأت في المسير فاستقبلها رسول الله وهي تبكي، وتقول: حملتني على بعير بطيء فجعل رسول الله يمسح بيديه عينيها ويسكتها.
وعن رفقه بهن يحدثنا أنس -رضي الله عنه -أن النبي كان في سفر وكان هناك غلام اسمه أنجشة يحدو بهن أي ببعض أمهات المؤمنين فسارت بهن الإبل بسرعة كبيرة، فقال النبي: رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير.
أما حبه لفاطمة ابنته فلعلنا نلخصه بمشهد استقبالها فقد كان إذا دخلت فاطمة قام من مجلسه وأمسك بيدها وقبلها ثم أجلسها في مجلسه، وهي تفعل كذلك معه إذ قدم عليها.
وحدث وأكثر عن حبه لأحفاده خاصة الحسن والحسين، ويكفي أن نذكر أن كتب السير تروي أنه بينما رسول الله على المنبر يخطب إذ أقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل وحملهما، ثم قال صدق الله: (إنما أموالكم وأولاكم فتنة)، رأيت هذين يمشيان ويعثران في قميصهما فلم أصبر حتى نزلت فحملتهما.
وها هو أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم يروي لنا جانبا من معاملة رسول الله له فيقول: (والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء كرهه لم فعلته ولا لامني نساؤه إلا قال لهم: دعوه إنما كان هذا بكتاب وقدر، وما قال لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟
ويقول: خدمته صلى الله عليه وسلم عشر سنين فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له.
وفي الختام نقول صدق حبيبنا القائل: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

 

تعليم النبي عليه السلام للصحابة والأمة – 

د/‏ سعيد بن سليمان الوائلي –
كلية العلوم الشرعية- مسقط –

لما تحل بنا الذكريات الإسلامية تربطنا بذكريات عطرة، غالية على نفوسنا ومحببة إلى قلوبنا، بشخصياتها وأحداثها وما فيها، ومنها ذكرى المولد النبوي الشريف؛ حيث تذكرنا بشخصية النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت ولادته مولدا للنور المبين بمعناه العميق. إن من أهم أجزاء النور الذي يحدد شخصية النبي المصطفى أنه معلم، وهو معلم بأتم ما للكلمة من معنى، ولو نظرنا إلى بعض نصوص القرآن الكريم ووقفنا عندها متدبرين لأدركنا عظم وظيفة الرسالة في تبليغ جوانب العلم للناس أجمعين، بما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وبما يحقق لهم الهداية من الضلال البعيد.

ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، وينبغي لنا في هذا المقام أن نقف عند بعض منها، من تلك الآيات قول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (إبراهيم: 1) فلو وقفنا في ظلال هذا النص لوجدنا الإشارة واضحة إلى إخراج الناس من الظلمات التي كانوا يتخبطون فيها، وهي ظلمات كثيرة متعددة، ومن بينها ظلام الجهل المدقع والجاهلية الشعواء، يخرجهم الرسول عليه الصلاة والسلام منها بنور الإسلام وما فيه من نور العلم والمعرفة، وأكد ذلك ببيان هدايتهم إلى الصراط المستقيم صراط الله العزيز الحكيم.
والذي تجدر الإشارة إليه أن هذا الأمر يكون للناس كافة وليس مقتصرا على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ لأن نبينا عليه الصلاة والسلام بعث للناس كافة، ومقتضى ذلك أن يقوم بتعليم الأمة بأسرها ما تخرج به من تلك الظلمات العمياء إلى النور الواحد المحدد.
ومن تلك الآيات قوله عز وجل: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 151) وهذه الآية الكريمة وأمثالها مما يحدد الجانب الأعظم في وظيفة الرسول، وهو تعليم الكتاب والحكمة وتعليم الناس ما يهمهم من الأمور التي لم يكونوا لها عالمين، مع ما يصاحب ذلك من تلاوة آيات الله عليهم والعمل على تزكيتهم.
فإذن أكبر جانب من وظيفة الرسول هو تعليم الناس .. وبداية تعليهم بالكتاب والحكمة، ومن أجل ذلك أتى في الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد للولد أعلمكم …» وفي رواية أخرى: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم». ومقتضى الكلام أنه يعلمهم ما يهمهم من أمر دينهم وما يحتاجون إليه في حياتهم، مثله في ذلك مثل الوالد الذي يربي أولاده ويقوم تجاههم بواجب التربية والتعليم، مع الحرص على مصالحهم الدينية والدنيوية والشفقة عليهم من كل ما يؤثر عليهم.
ومن أجل ذلك كان عليه الصلاة والسلام يبذل وسعه وجهده في تعليم الأمة بفعله قبل قوله وبسيرته العطرة ما يصلح شأنهم في حياتهم الإيمانية والعملية، وهذا المعنى قد أشار إليه قوله تعالى في وصفه والكلام عنه حيث قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: 128)
نعم لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معلما للبشرية جمعاء، فعلّم الناس حقيقة الإيمان بالله والتوحيد الذي يلزمهم التزامه، وقد بيّن للناس ضمن تعليمه لهم أن للإيمان حلاوة يجدها من وجد عنده ثلاثة أمور ذكرها في الحديث المروي عنه أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». فنأخذ من الحديث أن الإيمان يطبع في النفس حلاوة يجدها من كان في نفسه هذه الثلاث، فعلى الإنسان أن يعمل ليجد حلاوة في قلبه ويجدد هذه المعاني ليخرج مما يوقعه في الملل من أداء العبادات والسأم من تتابع الواجبات، كما يتصوره بعض الناس.
وعلمهم كيف يحولون عاداتهم التي ألفوها وتعودوا على فعلها إلى عبادات تقربهم من الله تعالى، وأقصد بذلك التصرفات والسلوك المتعلقة بالأوضاع الاجتماعية في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وغير ذلك، من موروثات الجاهلية الأولى، تتحول من عادات إلى عبادات يتقرب بها إلى الله تعالى بما يرضيه.
فتجعل الحياة كلها بكل حركاتها وسكناتها، بأقوالها وأعمالها، بظاهرها وباطنها موجهة لنيل رضوان الله تعالى وتقربا لوجهه الكريم، مصداقا للآية الكريمة: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162- 163).
وقد علم الناس ما يعينهم على إقامة العبادة بحقيقتها ومعناها، بمعنى حتى تؤدى الأعمال التكليفية بصورة عبادة حقيقية عن قوة الإيمان وثبات اليقين، كما يطلب منهم شرعا، ففي الصلاة قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وفي الزكاة يأخذ من أموالهم ما يطهرهم ويزكيهم بتعهد منه لتحقيق العبادة، وفي مناسك الحج والعمرة جانب تعليم يأتي النص فيه: «خذوا عني مناسككم».. وفي كل العبادة يكونون لهم قدوة علياء وأسوة حسنة للعمل الأحسن.
وكذلك نجد الهدي النبوي على صاحبه أفضل الصلاة وأتم السلام يوجه الأمة إلى التعاون على البر والتقوى في إطار معاملات السوق وكل المجال الاقتصادي والنظام المالي، حتى تؤدى بروح إيمانية عالية وأخلاق إسلامية طيبة، ومهمة التعليم من النبي للأمة فيه لم تكن غائبة. فإننا عندما ننظر إلى الأحاديث النبوية نجد فيها بروز للأخلاق الإسلامية في التعاملات الاقتصادية حتى لا يقع الإنسان في سوء الأوضاع حتى عند الأزمات المالية، فعلى سبيل المثال: النهي عن الاحتكار حتى لا يستغل الإنسان أوضاع الناس لمصلحته الشخصية، كما يتعذر بعضهم بسوء المعاش وغلاء الأسعار فيحتكر سلعة من السلع حتى يتصرف في السوق بدون منافس، فقد ثبت النهي في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك حيث جاء: «أنه نهى عن الاحتكار وعن سلف جر منفعة وعن بيع ما ليس عندك». وكل مظهر من هذه المظاهر تلك على استغلال الأوضاع للمصالح الخاصة.
كذلك النهي عن الغش وخداع الناس؛ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا ومن غشنا فليس منا»، وجاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «القليل من أموال الناس يورث النار». كما كان ضمن التعليم النبوي النهي عن إضاعة المال حيث جاء في الحديث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال وعن تضييع المال». وفسره الإمام أبو عبيدة بقوله: قيل وقال: هو المزاح والخنا من القول، وتضييع المال: هو ألا يقف الرجل على نفسه في البيع والشراء ولا يحوط ماله من الضيعة.
ومن الآداب في تعاملات السوق عدم المساومة على سوم الآخر، وعدم النجش وهو الزيادة في سعر السلعة دون رغبة في شرائها، وعدم تلقي الركبان للبيع فتأخذ منهم البضائع قبل عرضها في الأسواق، وعن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، إلى غير ذلك من المنهيات التي تعبر في جملتها عن القيم الأخلاقية والتعاملات الراقية في ظل الدين الإسلامي الحنيف، فيظهر المسلم قاهرا للأوضاع وإن ساءت، متغلبا على شهواته وإن ثارت، متمكنا من شرور نفسه وإن عصفت.
وكذلك جملة الفضائل والأخلاق التي أتى عليه الصلاة والسلام متمما لمكارمها، فكان فيها على خلق عظيم، وغرس أصولها وثمارها في صحابته الكرام والمنتمون إلى أمته، ومن ادعى محبته، بما يشمل ويغطي شعب الإيمان كلها من أعلاها إلى أدناها، من قول لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق، وبما يظهر من الأخلاق وما يخفى من سرائر الطهارة والصفاء.. وفي كل ذلك مراعاة لمعاني الوفاء بأصول الدين وفروعه التي ترضي المولى عز وجل، فلم يغب عنه تعليمه وتبليغ أمره للناس؛ ليكتمل الدين في صورته بفض الله تعالى.
وتأتي هذه التعاليم النبوية بغرسها في نفوس الصحابة وتناقلها منهم إلى الآخرين عبر الأجيال، تعليما للأمة الإسلامية، وتحقيقا لمهمة الرسالة الإسلامية التي منّ الله بها علينا، فبعث إلينا من يعلمنا ما يهمنا في أمر ديننا ودنينا، وما يأخذ بأيدينا إلى ما يصلحنا، والفضل والمنة لله ذي الجلال والإكرام.