معضــلة «بريكســـت» فـي بريطــانيا

لندن – الأناضول: لا يزال الغموض يلف مصير عملية «بريكست» في بريطانيا، بعد أن أدت إلى استقالات واسعة في صفوف حكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي، وجعلت «ماي» تواجه احتمال عزلها من قبل حزبها.
وعقب اجتماع مطوّل لحكومتها، الأربعاء الماضي، أعلنت «ماي» موافقة وزرائها على مسودة اتفاق بشأن تنظيم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
إلا أن هذه الموافقة أعقبتها استقالات واسعة في صفوف الوزراء، أبرزهم الوزير المسؤول عن عملية «بريكست»، ووزير العمل.
ومع مطالبة النواب المؤيدين للخروج من الاتحاد ضمن حزب «ماي» المحافظ، بحجب الثقة عن رئيسة الوزراء، يوشك أن تتحول أزمة «بريكست» في لندن إلى أزمة حكومة.
ومن المنتظر مناقشة اتفاقية «بريكست» الموقعة بين لندن والاتحاد الأوروبي، خلال الاجتماع الاستثنائي للاتحاد، والمزمع عقده في 25 نوفمبر الجاري، إلا أن المستجدات المحتملة حتى ذلك الحين، قد تجر علاقات بريطانيا وبروكسل إلى مأزق.
وأبرز الأقسام الحساسة في نص اتفاقية «بريكست»، هي تلك المتعلقة بأزمة الحدود بين جمهورية أيرلندا العضو لدى الاتحاد الأوروبي وبين أيرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا. حيث ينص اتفاق الجمعة العظيمة أو «بلفاست» (الموقعة في أبريل 1998)، على ألا تكون هناك حدود فاصلة بين جزئي أيرلندا.
وبحسب اتفاقية «بريكست»، ستبدأ مرحلة انتقالية مدتها 21 شهراً عقب خروج لندن رسمياً من الاتحاد الأوروبي نهاية مارس 2019، تحافظ فيها بريطانيا على حقوقها ومسؤولياتها الناتجة عن عضويتها لدى الاتحاد.
وتنتهي المرحلة الانتقالية التي ستناقش خلالها الأطراف مستقبل العلاقات التجارية، نهاية ديسمبر من عام 2020، وسط إمكانية تمديد هذه المدة في حال تم الاتفاق بين الجانبين.
ومن الأهمية بما كان بالنسبة لبريطانيا توقيع اتفاقية تجارية عقب «بريكست» مباشرة مع الاتحاد الأوروبي التي تعد أكبر شركائها التجاريين، وإلا فإنها ستواجه أزمة كبيرة في قطاعات عدة أبرزها الغذاء والدواء.
في حال عدم توصل الطرفين في نهاية المرحلة الانتقالية، إلى اتفاق حول مستقبل العلاقات التجارية، سيتم اللجوء إلى «البند الاحتياطي» المتفق عليه.
وبحسب البند الاحتياطي هذا، يتم تأسيس منطقة الاتحاد الجمركي بين كامل بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وبفضل هذا البند لن تكون هناك حدود فاصلة أو جدار جمركي بين أيرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا وجمهورية أيرلندا العضو لدى الاتحاد.
وستضطر لندن في هذه الحالة، للالتزام بكافة المعايير والقواعد التجارية للاتحاد الأوروبي، من أجل تأمين استمرار الاتحاد الجمركي الذي سيحقق مواصلة بريطانيا تجارتها مع دول الاتحاد بشكل طبيعي.
إلا أن الوضع سيكون مختلفاً في أيرلندا الشمالية، حيث سيتم فرض معايير أوروبية إضافية على قطاعات مختلفة هناك، وبالأخص الزراعة والبيئة، بالتزامن مع اعتزام الاتحاد الأوروبي إرسال ممثلين له للتأكد من مدى تطبيق تلك المعايير.
وسيستمر العمل بـ«البند الاحتياطي» حتى التوصل إلى حل دائم بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حول أزمة أيرلندا الشمالية، وتوقيع اتفاقية تجارية شاملة، ولن تستطيع لندن الانسحاب من البند المذكور من جانب واحد.
ومع اللجوء إلى «البند الاحتياطي» لن تتمكن بريطانيا من «الخروج دون اتفاق» من الاتحاد. جميع الخلافات التي قد تظهر خلال سريان «البند الاحتياطي»، يتم حلها لدى محكمة العدل الأوروبية.
وتحتاج الموافقة على اتفاقية «بريكست» على الجانب البريطاني، مصادقتها من قبل البرلمان في بريطانيا، ومن قبل برلمانات 27 بلدا عضوا لدى الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد موافقة حكومة بريطانيا.

الاعتراضات على اتفاقية «بريكست»
يرى معارضو «بريكست» داخل بريطانيا أن «البند الاحتياطي» يجعل من لندن كأداة بيد الاتحاد الأوروبي يوجهها كيفما شاءت.
كما يحذّر هؤلاء من أن تؤدي الاتفاقية إلى انفصال أيرلندا الشمالية عن بريطانيا، إضافة إلى اعتقادهم بأن الامتيازات الممنوحة لأيرلندا الشمالية، قد تؤدي في أسكتلندا إلى مطالبات بالانفصال أيضاً.
كما يعتقد المؤيدون للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي، أن «بريكست» ستؤدي إلى خسارة لندن حقها في التصويت لدى الاتحاد بعد أن كانت تملكها عندما كانت تتميز بالعضوية التامة.
وفيما يتعلق بمصير رئيسة الوزراء الحالية، تيريزا ماي، قد يتم اللجوء إلى التصويت لحجب الثقة داخل الكتلة البرلمانية للحزب المحافظ الذي تنتمي إليه «ماي»، وذلك في حال وصول الأصوات المطالبة بالتصويت إلى 48 صوتا.
ولكي لا تقع في هذا المأزق، يتوجب على «ماي» الحصول على دعم 158 على الأقل من أصل 315 نائباً في الكتلة البرلمانية لحزبها، وفي حال حققت ذلك لا يمكن إجراء تصويت لحجب الثقة عنها طوال 12 شهراً.
أما في حال عدم حصولها على الأصوات المطلوبة، ستضطر «ماي» إلى الاستقالة، إضافة إلى عدم ترشحها في انتخابات الزعامة للحزب.
ومن بين الاحتمالات التي تنتظر بريطانيا، هي رفض البرلمان المصادقة على اتفاقية «بريكست»، وبالتالي استقالة «ماي» وإجراء انتخابات مبكرة في بريطانيا.
كذلك قد تتم المطالبة بتمديد مرحلة المباحثات بحسب المادة 50 من اتفاقية لشبونة، أو خروج لندن من الاتحاد الأوروبي تحت بند «الخروج دون اتفاق».
رغم تأكيد «ماي» لمرات عدة، معارضتها فكرة إجراء استفتاء جديد حول مصير عضوية بريطانيا لدى الاتحاد الأوروبي، إلا أن ذلك قد يحدث نتيجة لضغوط الرأي العام، وهذا إحدى الاحتمالات الواردة أيضاً.
هذا وكانت بريطانيا قد اتخذت قرارًا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، عبر استفتاء أجرته في 23 يونيو 2016.
وفي 29 مارس 2018، بدأت بريطانيا رسميًا عملية الخروج من الاتحاد، من خلال تفعيلها «المادة 50» من اتفاقية لشبونة، والذي ينظّم إجراءات خروج الدول الأعضاء.
وفي حال تم الإقرار نهائياً بخروج لندن من الاتحاد الأوروبي، سيتوجب عليها دفع 40 مليار جنيه إسترليني (ما يعادل 54 مليار دولار) لبروكسل تعويضا عن خروجها من الاتحاد.