الشعبوية والاقتصاد

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

يسيطر على العديد من دول العالم حاليا حكام شعبويون كما تكتسب الشعبوية أرضا كل يوم فما خطورة ذلك على الأوضاع الاقتصادية العالمية وعلي منطقتنا؟ كان هذا هو السؤال الذي شغلني قبل غيره، خلال لقاء مع الدكتور محمود محيي الدين – النائب الأول لرئيس البنك الدولي للتنمية المستدامة والتعاون مع الأمم المتحدة والشراكات -، خلال مرور سريع له بالقاهرة. كنت اقدر أن المركز الوظيفي الدولي الذي يشغله الدكتور محمود يضع قيودا على مناقشة أي شؤون اقتصادية أو اجتماعية خاصة بهذه الدولة أو تلك حتى ولو كانت دولة المسؤول ذاته، فالمنصب الدولي يتطلب الحياد الدائم والتركيز على المهام طوال الوقت وما أكثرها بالنسبة إلى الدكتور محمود.
وقد أجابني على التو بأنه لا يمكن ولا ينبغي أن نرد الموجة اليمينية والشعبوية الراهنة إلى الاقتصاد وحده أو متغير وحيد مهما كان تأثيره. ربما يلوم البعض التجارة الدولية وصادرات الأسواق الناشئة ويلوم البعض الآخر التغير التكنولوجي. وكثيرا ما يلام المهاجرون عن غير بينة أو دليل. ربما بحث البعض من  تيارات اليمين المتطرف عن قيادات وشعارات تعيد لهم الماضي لكن هناك اتجاها عالميا جديدا وتغيرات اقتصادية يجب إدراك معالمها وقواعدها، فقد بزغت قوى جديدة واستحوذت على حصة واضحة من النشاط التجاري والاستثماري في العالم، وأوجدت فرص عمل لشعوبها. وأدى التفوق التكنولوجي للقوى البازغة إلى سحب المزيد من فرص العمل من الدول المتقدمة، على أية حال ظهرت ممارسات مختلفة مخالفة لقواعد حرية التجارة، وهناك مؤسسات دولية يمكنها بحث ذلك وتصويب الخلل، وأعني منظمة التجارة العالمية، وطبعا لن يقتنع العامل الذي خسر عمله بالأرقام والبحوث والمنظمات، فهو يريد فرص عمل محل التي فقدها وعلى الحكومات التعامل مع هذه التحديات، وقاطعته قائلا إنه ظهرت أيضا كراهية واضحة للاجئين والمهاجرين مع الشعبوية؟ فرد :أكدت دارسة للبنك الدولي في 2016 بكل وضوح أن الأثر الصافي لإسهام المهاجرين واللاجئين على الدول المستقبلة للهجرة إيجابي على النمو والطلب والإنتاجية، وقد اجتذبت تلك الدول مهارات متميزة سواء مهارات مهنية عالية كالأطباء أو مهارات فنية عمالية، ولكن البعض في بلادهم ينظر للمهاجر كمزاحم له أو لأبنائه في المدارس والمستشفيات ناسيا أن المهاجر يدفع ثمن الخدمة التي يتحصلها وهو دافع ضرائب هو الآخر ويسهم في الإنتاج.
سالته أيضا عن أجندة بالى للتقنية المالية التي تم إطلاقها من إندونيسيا خلال اجتماعات الخريف لكل من صندوق النقد والبنك الدوليين، فهل يمكن أن نعرف بماذا تستفيد منها؟ قال الدكتور محيي الدين إن الهدف من إطلاق هذه المبادرة دعم كل ما يرتبط بحماية المتعاملين مع القطاع المالي والتوعية المالية والابتكار والتطوير في مجال الإدماج المالي وتأهيل الرقباء وجودة الخدمات المقدمة وشفافيتها وتكاليفها. الشمول المالي ليس فتح حسابات في البنوك فقط مع أهميته ويمكن لمصر والمنطقة العربية أيضا أن تسبق.
ووسط انشغال مستمر بقضية البيانات وأهميتها سألته عن قواعد البيانات وأهميتها وتكاملها في الدول ولماذا لا يكون هناك مؤشر قياس جودة لتلك القواعد عالميا؟
فاكد الدكتور محيي الدين أن هناك قواعد بيانات يجب أن تخضع للتكامل وهى التي تتعلق بالنفع العام، وأخرى للتنافس وتقوم بها الشركات، وكل هذه القواعد يجب أن يخضع للتطوير وحماية الخصوصية. وتصدر بشكل دوري تقارير دولية تتحدث عن مدى التقدم التكنولوجي ومنظومة الاتصالات بالإتاحة والبنية التحتية وترتب الدول طبقا لذلك ويقوم الاتحاد الدولي للاتصالات بدور أيضا في هذا المجال.
وأضاف أنه في كل الحالات ما دامت الدول تفتح الطريق للقطاع الخاص وتعول عليه في الاستثمار والنمو فلا بد أن توفر له معلومات كاملة ودقيقة عن الاقتصاد وفرصه بشكل عادل للجميع حتى إذا خسر مستثمر يخسر بسبب قلة كفاءة أو عدم جدارة أو سوء أداء، وليس أن الحكومة – أي حكومة – لم تقدم له بيانات كافية أو قدمت معلومات غير دقيقة ويقينا فإن إدارة قواعد البيانات بكفاءة سيرفع معدلات الإنجاز في كافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية. والقول: إن قواعد البيانات الكبرى هي النفط الجديد يحمل جانبا كبيرا من الصحة؛ فهي تستخدم كخامات يتم تحليلها وتطويرها، فتصبح لها قيمة مضافة عالية خاصة فيما يتعلق بالبيانات السلوكية التي تعكس تفضيلات الناس، وهو ما دفع أوروبا لإصدار تشريع جديد منذ شهور لحماية الخصوصية ومنع الاستغلال. مرة أخرى قاطعته: ماذا عن تنويهك الدائم إلى أهمية العناية باللوجستيات؟
فأجاب أنه كمثال على ما يطرأ من تغيرات حاملا معه فرص لا يلتقطها إلا المتعمق في رصد ما يدور هو أن «جاك ما» المستثمر الصيني صاحب شركة على بابا الشهيرة قال مؤخرا إنه إذا كان الاعتماد اليوم على الحاويات كوعاء نقل فإن المستقبل هو للحزم والطرود سواء كان المنقول ماديا أو رقميا. كلام له معنى ولم يصدر من فراغ فمن يهيئ نفسه من الآن للعمل في مجال النقل بالحزم أو الطرود سيحقق مكاسب لا جدال. منذ لحظة الإنتاج  أصبح معروفا مصير كل وحدة وإلى أين تتجه وأين ستباع ولا يوجد أي فاقد أو تخزين عشوائي. هذا لا يأتي إلا بمعلومات ضخمة وشاملة وتطور لوجستي، ويلزمنا في مصر في ضوء ذلك منظومة جديدة للأسواق والنقل وجمع المحاصيل والتخزين والتوريد.
واختتمت اللقاء الذي لم يكن هناك مفر من أن يكون قصيرا بسؤال عن أخطر التحديات التي تواجهها المنظمات متعددة الأطراف، ومنها البنك الدولي والصندوق نفسيهما؟ فقال الدكتور محمود محيي الدين: إن النظام الدولي الحالي بكل مكوناته يخضع للتحديث والتطوير فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، وقد أجرت منظمات كالبنك والصندوق تجديدات من الضروري أن يستمر ذلك، وإذا قلنا إن النظام القديم متعدد الأطراف خضع للمنتصرين في الحرب العالمية الثانية فها نحن أمام عالم متعدد الأقطاب حقا، وبالتالي توجد فرصة للإسهام في هذا التطوير ليكون الجديد أكثر ديناميكية وتمثيلا لمصالح كل الأطراف، ولن يكون هناك «كبير» أمام التغيرات العاتية فمن سيطور نفسه إذا كان عالميا أو إقليميا سيبقى ومن لا يفعل سيتراجع دوره، وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة وهو في إندونيسيا: إن العالم يعانى عجزا في الثقة كما تعانى الدول من عجوزات الموازنات وعليه لابد من تجسير الهوة بين الأطراف وسماع أصوات من لم يستطيعوا أن يتحدثوا من قبل أو تكلموا بصوت خافت.
وأكد أنه لن يوجد استقرار وسلام تنمية مستدامة إلا بتعاون الدول مع مؤسسات متعددة الأطراف فيها أعلى درجة من الحوكمة وأفضل درجة من التمثيل العادل. ولم يفت الدكتور محيي الدين أن يلفت انتباه الدول العربية الموقعة كغيرها على اتفاق باريس لحماية المناخ إلى أن هذا الاتفاق يقدم فرصة للقطاع الخاص والاستثمارات الضخمة وكذلك تمويل ميسر وطويل الأجل للزراعة والبيئة والطاقة وإعادة التدوير والحد من الانبعاثات الضارة والبنى التحتية والتكنولوجيات الجديدة، عبر تمويل أخضر وسندات خضراء .. ولن نستفيد منه إلا بسياسات متكاملة. المبادرات العالمية الكبرى ومنها مبادرة الحزام والطريق الصينية معنية بالاستدامة والحفاظ على البيئة وهى أيضا يجب أن تعمل وفق سياسات وطنية متكاملة للدولة التي تريد الاستفادة منها.