واشنطن وبكين.. وقمة الفرصة الأخيرة

عبد العزيز محمود –

«تعتبر القمة المقبلة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينج يوم ٣٠ نوفمبر الجاري في بوينس آيرس على هامش قمة مجموعة العشرين ، قمة الفرصة الأخيرة، فما لم تنجح القمة في وقف التصعيد المتبادل في حرب التعريفات الجمركية، واستئناف الحوار فإن الحرب التجارية بينهما ستصبح البديل الوحيد».
ثمة ما يشير إلى أن القمة الأمريكية الصينية التي سوف تعقد في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس يوم ٣٠ نوفمبر الجاري على هامش قمة مجموعة العشرين لن تكون مثل أي قمة، فهي تأتي في وقت بلغ فيه التوتر بين البلدين مرحلة غير مسبوقة، في ظل نزاع تجاري وصراع على النفوذ العالمي ومخاوف من اندلاع حرب تجارية. والمؤكد انه ليس من مصلحة العملاقين الأمريكي والصيني الدخول في صراع مباشر، على الأقل على المدى الزمني القصير والمتوسط، لما قد يترتب على ذلك من خسائر فادحة لكل منهما.
كما تأتي القمة بعد أسبوعين من عرض تقدمت به الصين لوقف التصعيد ودفع محادثات التجارة المتعثرة مع الولايات المتحدة، وهو عرض تضمن التزامات محددة تجاه معظم القضايا محل الخلاف، سواء التي تعمل الصين على حلها، أو تبدي استعدادا للتفاوض بشأنها، لكنه لم يتطرق إلى نقاط خلاف رئيسية تتعلق بسياسة الصين الصناعية والتكنولوجية، وحماية الملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا القسري، والتجسس الصناعي.
وهذا ما دفع واشنطن إلى اعتبار العرض الصيني بمثابة إعادة صياغة لالتزامات صينية سابقة، في إشارة إلى أنه لا يكفي لتحقيق انفراجة في النزاع التجاري بين البلدين، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصفه بأنه غير كاف، على الرغم من أنه قد يفتح المجال أمام وقف التصعيد في حرب التعريفة الجمركية.
وبدا واضحا من الرد الأمريكي أن واشنطن لا تمانع هي الأخرى في التهدئة، على الأقل بشكل مؤقت، لتوفير المناخ الملائم لإنجاح القمة الأمريكية الصينية، وإعطاء فرصة أخرى للحوار، وهذا ما يطالب به أيضا قطاع الأعمال الأمريكي، فحرب التعريفات الجمركية ألحقت ضررا بصفقات تجارية تحقق مصالح متبادلة، وأيضا بمصالح شركات أمريكية عملاقة تعمل داخل الصين، في مجالات التكنولوجيا والاتصالات والطائرات المدنية.
لكن الرئيس ترامب يعتقد أنه بدون حرب التعريفات الجمركية لما كان من الممكن إقناع الصين بمعالجة الخلل في الميزان التجاري بين البلدين، وإجراء تغييرات في سياستها التجارية.
وهكذا وخلال عام واحد (2018) فرض ترامب تعريفة جمركية على واردات صينية لبلاده بقيمة ٢٥٠ مليار دولار، ثم على واردات صينية أخري بقيمة ٢٠٠ مليار دولار، من المقرر أن يبدأ تنفيذها في يناير المقبل. وفي المقابل ردت الصين بفرض تعريفة جمركية عقابية على واردات أمريكية بقيمة ١١٠ مليارات دولار، مما ألحق ضررا كبيرا بالصادرات الزراعية الأمريكية.
ومع توقف محادثات التجارة الرسمية بين الولايات المتحدة والصين، هدد الرئيس الأمريكي بفرض تعريفة جمركية جديدة على جميع الواردات الصينية المتبقية وقيمتها ٢٦٧ مليار دولار إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وهذا ما دفع الصين إلى تقديم عرضها الأخير الذي استهدف كسر الجمود واستئناف محادثاتها التجارية مع الولايات المتحدة.
لكن استئناف الحوار قد لا يعني التوصل سريعا إلى اتفاق، فالفجوة مازالت كبيرة بين بكين وواشنطن إزاء القضايا العالقة، وفي مقدمتها خفض العجز في الميزان التجاري، والذي يقدر حاليا بنحو ٣٧٥ مليار دولار لصالح الصين. وأيضا حول مطالب أمريكية تدعو إلى تحسين وصول الشركات الأمريكية إلى الأسواق الصينية، وحماية الملكية الفكرية والتكنولوجية، وإزالة الدعم الصناعي، وإبطاء مبادرة صنع في الصين ٢٠٢٥، وبعض هذه المطالب يشكل تدخلا في شؤون السيادة، ترفضه القيادة الصينية. ومن الواضح أن واشنطن لا تريد التنازل عن مطالبها، وهذا ما أكده مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي حين شدد في ختام جولته الأسيوية الأخيرة على أن بلاده ليست متعجلة لإنهاء نزاعها التجاري مع الصين، حتى تغير الأخيرة من سياستها التجارية.
والحقيقة أن هذا النزاع يعكس حالة متبادلة من فقدان الثقة، فواشنطن قلقة من أن تترجم الصين تقدمها الاقتصادي إلى تفوق عسكري، يهدد الهيمنة الأمريكية الأحادية على العالم، ومن جانبها لا تخفي بكين قلقها من توسيع واشنطن لدائرة وجودها العسكري في شرقي وجنوب شرق آسيا، بالتوازي مع فرضها قيودا على الصادرات الصينية، ودعمها لتايوان والتبت وهونج كونج . والمؤكد ان تفاقم هذا النزاع، يهدد بدخول البلدين في صراع مباشر، سوف يترتب عليه خسائر فادحة لكل منهما.
ولعل هذا ما دفع الجانبين إلى التعامل مع القمة الأمريكية الصينية المقبلة باعتبارها فرصة جديدة للحوار، تتطلب الامتناع مؤقتا عن شن أي إجراءات عقابية، بينما دعت الصين إلى وقف التصعيد في حرب التعريفة الجمركية، حيث اقترحت تجميد جزء من التعريفة الجمركية التي فرضتها على واردات أمريكية، مقابل قيام واشنطن بوقف تنفيذ التعريفات التي فرضتها على واردات صينية بقيمة ٢٠٠ مليار دولار في يناير المقبل.
وفي حال قبول واشنطن لهذا العرض، فالمرجح استئناف المحادثات بين البلدين، بهدف التوصل إلى اتفاق، لكن المحادثات هذه المرة سوف تتم في إطار زمني محدد.
فإدارة الرئيس ترامب مقتنعة بأن المكاسب التي حققتها الصين في السابق، كانت نتيجة الرهان على عنصر الوقت، وهو ما يبدو أنها تحاوله الآن، استعداد لمرحلة ما بعد الانتخابات الأمريكية في عام ٢٠٢٠، ومن الواضح أن بكين لا تعترض من حيث المبدأ على الإطار الزمني.
وهكذا تعقد القمة المقبلة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينج يوم ٣٠ نوفمبر الجاري في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس على هامش قمة مجموعة العشرين ، باعتبارها قمة الفرصة الأخيرة، فما لم تنجح القمة في وقف التصعيد المتبادل في حرب التعريفات الجمركية، واستئناف الحوار وصولا إلى اتفاق خلال فترة زمنية مناسبة فإن الحرب التجارية بين البلدين قد تصبح البديل الوحيد.
وفي حالة اندلاع تلك الحرب، فإن حربا باردة أمريكية صينية سوف تشتعل، علي غرار تلك التي اندلعت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بين عامي ١٩٤٧ و١٩٩١، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات بالنسبة للبلدين والعالم.