محمد أبو عرب: أكتب لأحفظ ذاكرة القرية وبوح أهلها

عمّان- «العمانية»: يقف الكاتب الأردني محمد أبو عرب في إصداره الجديد «رسالة في جيب بيكاسو» عند ذاكرة (‏‏القليعات)، القرية الواقعة على الجهة الشرقية من نهر الأردن، ليكشف أسرار الحياة في الريف الفلسطيني والأردني خلال القرن الماضي، وسيرة الطقوس والمعتقدات الأسطورية التي شكلت حياة البشر في المكان الذي ينتمي إليه.
ويجمع أبو عرب في كتابه الصادر عن دار دوّن للنشر بالقاهرة، حكايات شخصيات غيّبها الموت في قريته وتركت وراءها أسرارا غامضة في الحب، والسحر، والإيمان والغيب. إذ يسرد حكاياتهم بلغة الروائي، ويقدم قراءة دلالية تأويلية في كل حكاية بلغة مصبوغة بالفلسفة.
ويقدّم أبو عرب في كتابه تفاصيل الغرائبي والسحري الذي تحمله ذاكرة القرية، مستعينا بمرويات الأجداد، والشواهد على الحكايات التي عاش عليها أهل القرية، ليعيد قراءة مفاهيم إنسانية لم يتوقف العقل الفلسفي عن دراستها، فيعرض تحليلا تأويليا لمفاهيم على غرار الحب، والموت، والذاكرة، والنسيان، من جانب، ومن جانب آخر يقف عند مفهوم كل من اللغة والنص، والعلاقة بين المرئي والمتواري.
ويقول أبو عرب في حوار مع وكالة الأنباء العمانية، إن كتابه يمثل انتصارا للمرويات المغيبة عن السرد العربي، ويُبرز الشفاهيَّ بوصفه مادة حيّة وغنية للنص الإبداعي، مستلهما قريته «القليعات» التي تنطوي على خصوصية جمالية على المستويات المختلفة؛ البصرية، والتاريخية، والجغرافية، وحتى على مستوى التركيبية السكانية.
ويضيف أنه انشغل في «رسالة في جيب بيكاسو» بتقديم القرية الحدودية المهمَّشة التي ينتمي إليها بوصفها خزينا لذاكرة الأسطورة الفلسطينية والأردنية، ومعينا جماليا لمروياتها الساحرة، ومكانا عاليا للإطلالة على شواغل الوجود الإنساني بصورة عامة.
ويتابع بقوله إنه يطلّ على تلك الشواغل العالقة في الذاكرة البشرية من خلال حكايات غرائبية سحرية مفارقة، لشخصيات عاشت في قريته الصغيرة التي وُلدت على الضفة الشرقية من نهر الأردن بعد التهجير القسري الذي شهده الفلسطينيون في عام 1984، إذ يتوقف في كتابه عند مفاهيم الحب، والإيمان، والسحر، والغيب، والكتابة، والنسيان، والوشم، واللغة، والنص، وذلك في سياق سرد الحكايات التي يرويها عن 15 شخصية لم يحفل أحد بها أو بتجربة عيشها، فظلت عالقة في مكان المغيب والهامشي من عوالم الريف، في الوقت الذي تمثل فيه حياتها «عوالم غنية ومفارقة للسرد، لا يمكن الانتهاء من جمالياتها، لما تقدمه من لغة جديدة، وواقع جديد، وتجارب فارقة».
ويوجّه أبو عرب في إهداء كتابه، رسائل إلى خمس نساء (الجدة، الأم، الخالة، الأخت، العاشقة). موضحاً أن الأم والجدة كانتا الأكثر حضورا في حياته وفي نصّه على السواء، لأنه تعلم منهن معنى العيش، وإتقان الحكمة، والإصغاء إلى التفاصيل..
ويضيف صاحب المجموعة الشعرية «أعلى من ضحك الأشجار»: «ربّتْ جدتي تسعة أبناء وابنتين، وقادت بحكمتها كلّ واحد منهم إلى حلمه.. علّمتهم مهارة العيش، ودرّبتهم على الصبر حتى باتوا مثالا يحتذى في القرية».
أما الأم فيقول عنها: «كانت أمي وما زالت توصيني وتفيض عليّ من تجربة عيشها، مرددة: (الذي يرضى يعيش)، وكأنها تعلّمني فلسفة العيش بقوانين الماء التي قدمتها الفلسفة الكونفوشيوسية، كما أنها لا تبخل عليّ بسرد سيرة القرية وذاكرتها.. تروي كلما سنحت لها الفرصة تفاصيل طفولتها، وسيرة عمرها على ضفاف نهر الأردن شرقي فلسطين المحتلة.. تشير إلى التلال البعيدة في بيسان، وتقول: هناك كان جدك يزرع أرضه، ويطعم خيله، وكانت الأرض تسمع نداء الفلاحين وتجود عليهم».
ويشير إلى أنه تعلّم التذكّر من جدته وأمه، وعاش وكأنه وُلد قبل مئة عام، فمنهن حمل «أرواح مئات الشخصيات التي حفرتْ سيرتها في الأرض»، فصات ذاكرةُ المكان وأهله محفوظة لديه، ولا يملك إزاءها إلا أن يمنحها حياة جديدة على الورق.
وتوضيحا لما جاء في مقدمة الكتاب: «كل إنسان فارق الحياة ولم تُكتب أسراره خسارة كبيرة للبشرية»، يقول أبو عرب: «الكتابة ليست حكرا على أحد، كل من يملك مهارة بناء جملة ذات معنى ويرغب في البوح والكتابة، عليه أن يكتب، لكن ما هو حكرٌ على المحترفين هو النص الذي يعبّر عن ذائقة زمانه ومكانه، ذاك النص الذي ستحفظه المكتبات لمن سيعيشون بعدنا، وهنا مكمن الخطر، إذ علينا الالتفات إلى أن الذائقة الجمالية تُبنى وتتشكل جيلا تلو آخر، وإذا صارت معرَّضة للعبث من دعاة الكتابة والإبداع، فإنها ستنهدم وستتراجع».
وعن الجديد في هذا الشكل السردي الحكائي لكتابه الذي وصفه الشاعر علي العامري بكتاب «تحبير الشفاهيّ»، يوضح أبو عرب أنه أتبع كلَّ واحدة من الحكايات بقراءة فلسفية تأويلية، للوقوف عند المفاهيم الإنسانية الجمالية الكبيرة في سيرة البشرية.
ويتوقف المؤلف عند إسقاطات عنوان الكتاب على محتواه، قائلاً: إن الذائقة البشرية الجمالية تدين للفنان بيكاسو بما فتحه من تجريب وقراءة للشكل البصري، وهذا ما حاول أبو عرب تنفيذه في قراءة الحكايات وكشف أسرار القرية، إذ يجد هذه الحكايات «مادة بصرية، وسردية، وغنائية، ولغوية غنية جدا، ولا يمكن معالجتها بقالب شكل إبداعي واحد»، كما إنه يقتبس عبارة لبيكاسو تلخّص الكثير من تجربة العيش، وتلخص ثيمة الحكايات في الكتاب، وهي: «كل شيء يمكنك أن تتخيله هو حقيقي بالنسبة لك».
يُذكر أن أبو عرب يعمل في الصحافة ومجال الإعلام، اختيرت مجموعته الشعرية «يمضي كزيتونة عالية» من بين أفضل خمس مجموعات في جائزة الشارقة للإبداع العربي لعام 2015، وصدر له في عام 2016 مجموعة شعرية بعنوان «أعلى من ضحك الأشجار».