نوافذ: يقال: شمّ قبل أن تتذوق

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يدور الحديث هنا أكثر حول السؤال: هل ثمة علاقة قائمة بين الشم والتذوق؟ وإذا كان الأمر كذلك؛ فكيف يمكن لنا أن نوظف هذا الفهم في حياتنا اليومية؟ وهل كل اشتغالاتنا اليومية قائمة على حاستي الشم والتذوق؟ وماذا عن بقية الحواس الأخرى في مسألة التوظيف الذي نريد؟
يقول لك البعض – عند نهوضك من النوم في أول الصباح – عليك أن تشم القهوة قبل تناولها، لأن الشم قد يوقظ فيك مجسات أخرى للشعور، فتقبل إلى قهوتك وقد تجاوزت الكثير من مشاعر الإحباط؛ ربما؛ ومن مشاعر الكسل أكثر؛ فالشم أكبر باب يمكن أن يدلف إلى دواخلك العميقة مجموعات من الشعور، والمشاعر، فتعيد ترتيب حياتك اليومية على نحو أفضل، ولربما التذوق مباشرة؛ قد يصدمك بمرارة ما، بشعور ما، بشيء ما، قد يوقف عليك مشاريعك اليومية، والتي بيّتَّ النية لإنجازها في يومك.
عند محاولتك إسقاط مفهومي الـ «شم» والـ«تذوق» على واقع حياتك، فيظل كل ما يحيط بك، يحتاج إلى ممارسة الشم قبل التذوق، لان التذوق نتيجة، وقد تكون النتيجة غير مرضية، فتقصر بك دون الوصول إلى الحقيقة الكاملة لأي توجه تذهب إليه، بينما الشم يعطيك فرصة ثانية، فإن لم يسعفك الـ «شم» فتبقى عندك فرصة الـ «تذوق» وهذه الصورة عندما نستحضرها بصورة دقيقة أكثر، نجد أنها الأقرب في إسقاطاتها على كل علاقاتنا مع الآخرين، فعلاقتنا بهم تحتاج إلى كثير من ممارسة غريزة الشم مرة ومرة ومرة، لحساسية هذه العلاقة بالطرف الآخر، وهذا سبيل سالك نحو وجود علاقة طيبة وآمنة بين الطرفين، أما «القفز فوق الحواجز»؛ كما يقال؛ فهذا أمر خطير، ولا يسلكه إلا المتهور، بينما علاقتنا بالآخرين يجب أن نبتعد بها إلى الصدام المباشر.
« شم قبل أن تتذوق»: يأخذني هذا المفهوم إلى المعنى الكبير الذي يحمله قول الحق سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). فهذه هي مشكلتنا الكبرى في علاقتنا مع الآخر، حيث «لا نصدق خبرا»؛ كما يقال؛ حتى نوجه سهام الاتهامات السريعة والمباشرة إلى الآخر قبل أن نعطي هذا الآخر فرصة الدفاع عن نفسه، فلربما عنده الكثير مما يضعه في قائمة البراءة، والقاعدة القانونية تقول: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» نعم؛ هو نوع من التسرع الذي يسقطنا دائما في مطب الأخطاء القاتلة، حيث نكيل التهم، ونلبس البريء الظلم، وننزل الحكم المطلق قبل أن نتأكد، كل ذلك لأننا تذوقنا – ذهبنا إلى النتيجة – خبرا ما عن آخر، قبل أن نستحضر الحقيقة الواضحة التي تعفي هذا المتهم من ضلالته، أو تدينه.
«شم قبل أن تتذوق»: يكون هذا المفهوم أكثر إيلاما عندما تتراكم الخسارات في حياتنا اليومية، وهذه الخسارات لا تتراكم إلا من خلال الشطط والتسرع الذي نمارسه، سواء على الآخر من حولنا؛ كأحكام مطلقة؛ أو سواء في اتخاذنا القرارات المصيرية دون ترو منا وتحقق، أو دراسة جدوى لذات الأمر، ظنا منا أننا بتسرعنا سوف نسابق الزمن، ونكسب النتائج، ولكن ما يحدث؛ في أغلب الأحيان؛ هو العكس، حيث تتعاظم الخسارات، والمصيبة بعد ذلك، أنه لن يكون لنا «خط رجعة» لنعيد ترتيب الأشياء من جديد، فنعود إلى خندق النفس اللوامة، وما أكثر حالاتنا ومواقفنا وأخطاءنا التي نتخندق بعدها إلى هذه النفس.
علينا؛ إذن؛ أن نشم أكثر، أن نتريث أكثر، أن نعيد حساباتنا أكثر، أن نمارس كل العمليات الحسابية من جمع، وطرح، وقسمة، قبل اتخاذ أي قرار، صحيح أننا لن يكون باستطاعتنا إلى نصل إلى نتائج مطلقة؛ فهذا مستحيل؛ ولكن؛ كما قلت؛ لنقلل من حجم خساراتنا التي نتعرض لها على امتداد يومنا الذي نعيش.