تشييد الدولة العصرية..والمشهد الوطني !

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

الوطن من أقصاه إلى أقصاه يحتفل هذه الأيام بالعيد الوطني الثامن والأربعين المجيد، ونحن نقترب من نصف قرن على انطلاق فجر النهضة المباركة والتي قادها بحكمة واستنارة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – أحد أهم القيادات السياسية في العصر الحديث في العالم من خلال رؤية واضحة تجلت في خطابه الأول عام 1970 عندما تحدث عن الدولة العصرية والتي أصبحت حقيقة واقعة يلمسها الجميع على أرض عمان الخير.
المشهد الوطني يبدو الآن كما رسمه قائد النهضة العمانية الحديثة للوطن، دولة عصرية، ليس فقط من ناحية البنية الأساسية، وهي تشرف على الاكتمال ولكن هناك أمر أساسي أصيل يتمثل في اللحمة الوطنية والرقي الذي يتمتع به الإنسان العماني، والسجايا الطيبة من خلال ثقافة الحوار والتسامح والانفتاح على الآخر، حيث إن بناء الإنسان السوي وخلق مجتمع متماسك هي عملية ليست سهلة.
سمات مميزة
لا شك ان بناء المؤسسات التشريعية والقضائية ووجود المؤسسة التنفيذية وبناء قطاع خاص نشط ودور رائد للمجتمع المدني هي تحولات هامة في المنظومة الوطنية خلال السنوات التي تقترب من الخمسين عاما، وكانت السلطنة بقيادتها الواعية تواجه تحديات حقيقية ليس فقط من خلال الأوضاع التي كانت قائمة في السنوات الأولى من سبعينات القرن الماضي، ولكن كانت هناك تحديات لا تقل عن ذلك، أهمها إيجاد الوحدة الوطنية التي تنصهر فيها كل المشاعر لصالح الوطن بعيدا عن العصبيات والقبلية، وغير ذلك من التحديات التي كانت سببا فعليا في تمزق عدد من الأوطان الأخرى، وهي نماذج ماثلة للعيان.
التحدي الآخر يتمثل في أهمية البناء والعمل الوطني لتحقيق الرؤية التي أطلقها جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – وهي إقامة الدولة العصرية، وهذه إحدى سمات عصر النهضة. والمشهد الوطني الذي نراه اليوم رأي العين، لم يأت من فراغ، بل محصلة لجهد فكري وسياسي من جلالة القائد، من خلال جملة من السمات التي جعلت الشعب العماني يتفانى لخدمة وطنه ويلحق بركب التحديث والتطور.
من السمات المميزة في المشهد الوطني، هي المنظومة الوطنية والهدوء من خلال التركيز على إنجاز الخطط التنموية الخمسية المتتابعة، والتي كان لها الدور الأكبر في تغيير ملامح الوطن من خلال نشر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في محافظات وولايات السلطنة المختلفة.
من السمات الأخرى في المشهد الوطني، هو تكاتف أبناء الوطن حيث رجوع الكوادر الوطنية من الخارج لبناء الوطن، وهذه إحدى سمات المواطن العماني الذي يضحي بكل شيء من أجل رفعة وطنه والارتقاء به، مما جعل مسيرة النهضة المباركة تتناغم مع وحدة الأهداف الوطنية، والتوافق المجتمعي على ان بناء عمان هو الأولوية لكافة أبناء السلطنة، وكان التعليم هو الركيزة الأساسية في البناء الذي نراه اليوم شامخا على أرض الوطن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
ملحمة وطنية
الجغرافيا تلعب دور الملهم أحيانا رغم قسوتها، وكانت الطرق وشقها ورصفها من أكثر الأعمال صعوبة في ظل الموارد المحدودة، خاصة في السنوات الأولى، ومن هنا كان دور سلاح الهندسة في قوات السلطان المسلحة دورا وطنيا بارزا، حيث سجل ملحمة وطنية من خلال الجهود الكبيرة في عمليات شق الطرق الجبلية في كل مناطق السلطنة.
كما أن إيصال المعونات والمستشفى الطائر للمناطق البعيدة والقرى الجبلية، هو دور كبير لقوات السلطان المسلحة، ولا يزال حيث دورها المميز في الأنواء المناخية، التي شهدتها السلطنة خلال العشر سنوات الأخيرة، على سبيل المثال، وكان لها دور يتماشى والمنظومة الوطنية، وينسجم مع دورها البطولي في السنوات الأولى من عمر النهضة المباركة ولا شك أن المشهد الوطني الذي نراه اليوم بكل فخر واعتزاز هو ثمرة التضحيات والملحمة الوطنية والتي تكاملت فيها الأدوار الوطنية العسكرية والمدنية والتي تجسدت مؤخرا من خلال التمرين العسكري الوطني (الشموخ /‏‏‏ 2) والتمرين المشترك العماني البريطاني (السيف السريع /‏‏‏ 3).
بناء الأوطان على أسس صحيحة عملية ليست سهلة ولكن وجود القيادة الحكيمة تبقى الفيصل في هذا الإطار، وجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – كانت له رؤية واضحة وسديدة، منذ اليوم الأول، لتصبح عمان كما هي اليوم وطن السلام والاستقرار والحوار، ولتصبح المحطة الأساسية للحكمة والفكر المستنير في المساعدة في حل عدد من الملفات الإقليمية والدولية المعقدة، وهذا هو نتاج الاستقرار والوحدة الوطنية وإيجاد منظومة القيم التي تمت الإشارة إليها حيث التماسك بين القيادة والشعب، ونبذ العنف والتشدد والتطرف، وتكريس الجهد لإرساء دعائم التعاون وتبادل المصالح والمنافع مع الآخرين، لتسجل السلطنة موقعا رائدا في مجال الأمن والاستقرار على مستوى العالم، وخلوها من ظاهرة الإرهاب ووصولها إلى الرقم صفر وتنامي المؤشرات في مجال التنافسية العالمية لتصبح السلطنة هي البلد الذي يحظى بالاحترام الواسع النطاق إقليميا ودوليا وتصبح مسقط العاصمة محطة أساسية للتشاور مع جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه – من أجل العمل لحل مشاكل وصراعات مختلفة.
الفكر السياسي لجلالة القائد
السياسة الخارجية للدول تبنى على فكر القائد وليس اجتهادات أو طموحات غير منضبطة، علاوة على عاملي الجغرافيا والتاريخ. وأمام تحديات بدت ظاهرة للعيان منذ فجر النهضة المباركة، أصبح العالم ينظر الى جلالة القائد المفدى وكيف سيكون المسار السياسي لدولة تعاني من التخلف والجهل والعزلة الدولية، برغم أنها دولة حضارية تضرب بجذورها في التاريخ. ومن هنا يأتي الفكر السياسي الرفيع لجلالة السلطان المعظم في رسم سياسة خارجية أصبحت هي النموذج الأبرز في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
إن الذي تحقق في السلطنة من نهضه شاملة نراها اليوم رأي العين هي محصلة لفكر متطور ومتقدم، وحتى مسألة الدولة العصرية التي جاءت في خطاب جلالته الأول، لم يستوعبها الكثيرون، ولكن الآن أيقن الجميع بأن الدولة العصرية ليست فقط مكونا ماديا، ولكنها أيضا مجموعة القيم التي تجعل من السلطنة منظومة أخلافية إنسانية متصالحة مع نفسها ومع العالم من حولها.
ونجاح الفكر السياسي داخليا لابد وأن ينسجم مع التعاطي مع تحديات الخارج، خاصة وأن الموقع الاستراتيجي للسلطنة على البحار المفتوحة من بحر العرب والمحيط الهندي جنوبا وشرقا، الى بحر عمان والخليج ومضيق هرمز شمالا، ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية للسلطنة والتي تتطلب انتهاج سياسة خارجية موضوعية وذات أبعاد تتماشى وذلك الموقع الفريد لها.
الاستقرار الداخلي والسلام التي تنعم به السلطنة، كان نتاج ذلك الفكر الاستراتيجي لجلالة القائد – أعزه الله – والذي أثبتت الأحداث بأنه الفكر الصحيح الذي أصبح نموذجا يتحدث عنه قادة ومسؤولو العالم، شرقه وغربه، ولعل الملف النووي الإيراني والدور العماني البارز فيه مع الأطراف المختلفة، هو أحد المحطات المهمة لإنجازات الديبلوماسية العمانية بقيادة جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – ومن خلال المشهد الوطني وبلادنا العزيزة تحتفل بالعيد الوطني الثامن والأربعين المجيد، ندرك جميعا كيف تبنى الأوطان وكيف يحافظ على كينونتها وسمعتها، وعدم الزج بها في أتون الصراعات والحروب، وأن يكون لها الدور البارز في استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة، علاوة على إيجاد النموذج الوطني الذي ينطلق من مبادئ وثوابت راسخة لا تحيد ومن خلال تراكم تاريخي حضاري كبير استطاع قائد النهضة المباركة أن يستوعبه ويوظفه من خلال بوتقة وطنية منسجمة مع ماضيها التليد وحاضرها المزدهر ومستقبلها المشرق.
هذا هو حال القيادات العظيمة التي تبني الأوطان بفكر ورؤية ثاقبة، وفي ظل ثوابت موضوعية وفي ظل منظومة مجتمعية ترسخت حبا للوطن والقائد حفظه الله . وفي هذه المناسبة الوطنية الخالدة كل التهاني والتبريكات للوطن العزيز ولجلالة السلطان المعظم، الذي بنى هذا الوطن بكل ما فيه من سمات جميلة، وتطور في كل مجالات الحياة العصرية، وللشعب العماني الكريم، وكل عام والوطن في خير وسلام ومزيد من التقدم في ظل قيادة جلالته الحكيمة.