الرسم بالمسامير والبراغي..إبداع من نوع خاص للفنان التركي «حيدر آكينك»

إسطنبول»الأناضول»: حول الفنان التشكيلي التركي حيدر آكينك، استخدامه للمسامير في الرسم إلى إبداع، جعله يرسم لوحات ويشارك في معارض محلية ودولية، لينفرد بهاذ النوع من الرسم في تركيا والعالم. لم تمنعه قلة الإمكانيات في طفولته من المضي قدما على طريق الإبداع، فرسم بالمسامير على الجدران في قريته بولاية «فان»، جنوب شرقي تركيا، واستخدم سخام الأدخنة الصادرة من تنور (فرن بدائي) صناعة الخبز، ليرسم بها وينمي موهبته، وينتقل بعدها إلى ورشة رسم في مدينة إسطنبول.
بعد أن يضع الألوان المناسبة على لوحاته القماشية، يعمل الفنان التركي عبر المسامير والبراغي، على اتخاذ أشكال معينة للوحاته، مما يعطيه طرازا فريدا، يدفعه لتعليم الرسم عبر المسامير مستقبلا لمن يريد.
وفي حوار مع الأناضول، عرف آكينك نفسه بالقول: «ولدت في العام 1967 في قرية جوماكلي بولاية فان، ولم يكن في القرية أي مدرس، لذا درست في مدرسة داخلية، كانت مفيدة لي، فقد أهلتني للوقوف وحيدا على قدمي، ومنذ المرحلة الابتدائية بدأ شغفي بالرسم».
وأضاف: «في تلك الفترة، عملت على صنع التماثيل من الطين، ونظرا لمواردي المحدودة، فقد كنت أجمع سخام الدخان من تنور صناعة الخبز في القرى، لكي أرسم بواسطتها على الجدران التي كانت بمثابة ورق لي، وفي المرحلة المتوسطة والثانوية حصلت على جوائز عديدة في ولاية فان».
وأشار آكينك إلى أن «حصوله على ورشة للرسم خلال وجوده في ولاية فان كان أبعد من الخيال بالنسبة له، وكان يرسم في طفولته على الجدران رموزا، وهو ما كان يسبب له آلاما في اليد لاعتماده على المسامير، فكانت أمه تلجأ لوضع زبدة لبن الزبادي على أصابعه لعلاج هذه الآلام، وهكذا كانت البداية». وردا على سؤال حول من كان له الأثر الأكبر في تنمية مواهبه، اجاب آكينك «أن أكبر دعم تلقاه ويفخر به جاء من مدرّسته في المرحلة الابتدائية، هانلار كوجا، حيث جعلته يحب الرسم، وأعطته الأوراق والألوان، وجهزت له مكانا خاصا في الصف للرسم، وكانت تلك هي أهم مرحلة نمت موهبه في الرسم».. ووجه لها «خالص الشكر مجددا» في حديثه للأناضول. وأردف انه «عندما يتحدث عن هذه الصعوبات فهو لا يقصد استجداء التعاطف، بل هو يذكر حقائق حدثت في حياتها، فالمهم هو إنجاز شيء معين من العدم، والرسم كان أملا، وإن كانت لديك آمال كبيرة عليك أن تسعى وتعمل كثير من أجل بلوغها، وهذا ما فعلته». وحول مسيرته التي نجح فيها تحويل ظروفه الصعبة إلى نجاح، قال «بعد انتهاء المرحلة الثانوية، لم تتوفر لي الإمكانية لدخول الجامعة، فحملت حقيبتي متوجها إلى إسطنبول لأكون رساما، عكس البعض الذي كان يأتي لإسطنبول بغرض الغناء، وشرعت في العمل على لوحات الدعاية والإعلان، والرسم على الجدران والزجاج».
وأشار إلى أنه «بهذا العمل تمكن من المعيشة، وصولا لإنشاء ورشة رسم بإسطنبول، يعمل بها منذ 10 سنوات، ومن أهدافه المقبلة عمل شيء باسم الفن في أنحاء العالم».
أما فيما يخص التقنيات التي يستخدمها في رسم لوحاته، ذهب إلى القول «قلة الحيلة تعلم الإنسان أمورا جديدة، ونظرا لمحدودية مواردي، طورت تكتيكا خاصا، أنا أول من يعمل على تطبيقه، رغم وجود أعمال مشابهة من أصدقاء، ولكن لعدم توفر فرشاة رسم عندي، كنت أرسم بالمسامير».
وزاد: «لعدم توفر الفرشاة كنت أحفر بالمسامير، وطورت هذا التقنية لتكون منظمة مع مرور الوقت، لتصبح هذه المسامير جزءا من حياتي، ومع تطور الإمكانيات وزيادتها حاليا، لم انقطع عن المسامير، بل هي أكثر ما أستخدمها في الرسم، إضافة للفرشاة».
وأكد أنه «يسعى لتعليم طلابه لاحقا الرسم عبر المسامير، رغم أنه لم يستطع توفير الوقت الكافي لانشغاله، ولكن يعتزم ذلك في المستقبل القريب».
وأجاب الفنان التركي على سؤال حول تركيزه على الألوان الغامقة بقوله «استخدم اللون البنفسجي بشكل مكثف، لأنه لون يعكس المشاعر، ولأن الفترة التي نعيشها فترة مضطربة، فاستخدم هذه الألوان مهمة من حيث توجيه رسائل معينة، ومن جهة ثانية أتجنب اللون الأسود، لأنه لون سلبي، وأفضل البنفسجي والأحمر والأزرق ومثلها من الألوان».
ولفت إلى أن «المنطقة التي نعيش فيها منطقة حروب، وهذا ما يؤلمنا ولا يمكن أن نبقى دون رد فعل إزاء ذلك، فالأطفال يموتون، والمفكرون يقولون كلمتين إزاء ذلك ويمضون لحال سبيلهم، وهذا أمر محزن، فكل شخص يجب أن يعبر عن مشاعره في ميدانه، وكفنان، اعبر عن مشاعري برسم ما يعبر عن السلام والحرية».
وشدد على أن «الأطفال يموتون في سوريا واليمن وليبيا وغيرها، والأمهات يتألمن.. وهذه مآس كبيرة، ولا يمكن للفنان الصمت إزاء ذلك، وإذا لم يعكس ذلك على قماش اللوحة فلا يجب أن يقول عن نفسه فنانا، ولهذا أحضر لمعرض كبير، يتناول هذه القضايا». وعن تركيزه على جزئية المرأة في رسوماته، قال آكينك «اعتمد كثيرا على جزئية المرأة في الرسوم، وهدفي هو رمز المرأة في السلام والحرية، ومنذ مئات السنين يتعامل الرسامون مع المرأة بهذا المعنى، فحرية المرأة تعني حرية الأطفال، وأنا اهتم بذلك كثيرا، وأدعو زملائي للتركيز على المرأة، لأن هذا يساهم في تنشئة المرأة الواعية». وأضاف «المرأة في منطقتنا تعاني قليلا، لي بنت، وأحبها كثيرا، وعلى الوالدين العمل بكثافة على بناتهم ليستقلوا اقتصاديا، والمرأة في لوحاتي رمز للحرية، ويمكن ملاحظة ذلك في كثير من لوحاتي».
أما عن المعارض المحلية والدولية التي شارك بها ويعتزم إقامتها، أجاب آكينك: «أركز حاليا على المعارض الدولية، ولهذا أهدف لعمل معارض في المنطقة وفي دول العالم، بهدف العرض فقط، وليس بغرض الإقامة، فأنا أحب بلدي». وأردف «آخر معرض لي كان في دبي بأحد الأماكن المميزة، وحظي باهتمام كبير هناك، واتفقنا مع معرض آخر في دبي على عرض اللوحات بشكل دائم، وقريبا ستكون لنا معارض في لندن وفي قطر، حيث هناك اهتمام كبير، ولكن ورشة الإنتاج تبقى في تركيا».
وحول الاهتمام الذي حظيه من الزائرين العرب في معرضه بدبي، قال «لم أصادف هذا الاهتمام من قبل، حيث امتلأت قاعة العرض بالكامل تقريبا، وكان هناك اهتمام كبير، وهو ما أسعدني، وهو من أكثر المعارض التي أفرحتني».
وختم بالقول «إن أكثر ما يرفع معنويات الرسام هو حجم الاهتمام بمعارضه، ويكفي ان تعطي جهدك ليقدره الناس، فالفنان يرسم لوحاته ليس من أجل المال، بل من أجل أن يصنع أفضل ما يمكنه في فنه الذي يصنعه».