إعادة الاعتبار للإعلام التقليدي

أ.د. حسني نصر –

تؤكد الأحداث الأخيرة التي شهدها ويشهدها العالم أن وسائل الإعلام التقليدية ما زالت، رغم المنافسة الشديدة التي تلقاها من الوسائل الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي- تلعب دورا كبيرا، ليس فقط في تغطية الأحداث المهمة وتشكيل الرأي العام العالمي تجاهها، ولكن أيضا في تشكيل السياسات والمواقف العالمية منها. ولعل هذا ما دفع بعض اللاعبين السياسيين الرئيسيين في أحداث عالمية كثيرة إلى الإشارة- أحيانا بالاسم- إلى صحف وقنوات تلفزيونية عالمية كان لها إسهام واضح في كشف غموض وأسرار بعض الأحداث والقضايا ومتابعتها، وصولا إلى نتائج محددة وصلت إلى دفع الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون إلى الاستقالة في سبعينات القرن الماضي على سبيل المثال .
ولعل من أخر الأحداث التي يمكن القول إنها أعادت الاعتبار لوسائل الإعلام التقليدية، تلك المشادة التي وقعت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبين جيم اكوستا مراسل شبكة سي إن إن في البيت الأبيض خلال مؤتمر صحفي عقد قبل أسبوعين، وانتهت بطرد الصحفي وسحب ترخيصه ومنعه من دخول البيت الأبيض، وما ترتب على ذلك من قيام الشبكة بمقاضاة البيت الأبيض وإصدار قاض بالعاصمة واشنطن أمرا وقتيا بإعادة المراسل إلى عمله بالبيت الأبيض لحين الحكم في القضية.
هذه الأحداث وغيرها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الصحف والقنوات التلفزيونية التقليدية ما زالت الوسائل الأساسية التي تشكل معارف ومدركات الجمهور عن الأحداث، بل إنها تسهم بشكل فاعل في تشكيل السياسات وتوجيه التحركات العالمية المتصلة بالصراعات المحلية والدولية.
والواقع أن وسائل الإعلام التقليدية تقوم بهذا الدور من خلال نشر المعلومات التي يحرص البعض على التعتيم عليها، ووضع أجندة الاهتمامات والأولويات العالمية بالأحداث والقضايا، بالإضافة إلى تأطير الأخبار باختيار نشر معلومات واستبعاد معلومات أخرى والتركيز على تكرار معلومات محددة، بما يؤدي في النهاية إلى التأثير في الرأي العام وتوجيهه ثم التأثير في القرار السياسي. ولعل هذه الأدوار المؤثرة والمعقدة في الوقت نفسه هي ما حفظت لهذه الوسائل قدرتها على الاستمرار في مناخ اتصالي عالي التنافسية من جانب، ومكنها من مواجهة رغبة الأنظمة السياسية، بما فيها الديمقراطية منها، في كبت صوتها وإفقادها ثقة الجماهير فيها، ثم إخراجها من المعادلة الاتصالية، باستخدام مزاعم بعضها صحيح مثل سيطرة الشبكات الاجتماعية على اهتمامات الناس، وبعضها مشكوك في صحته مثل اتهامات الرئيس الأمريكي المتكررة للصحافة الأمريكية بنشر الأخبار الزائفة.
ومع الإقرار بأن وسائل الإعلام التقليدية قد استعادت دورها كجزء رئيس في العملية الديمقراطية في المجتمعات المعاصرة، فقد أصبح لهذه الوسائل تأثير متزايد في صنع السياسة الخارجية للدول. ويولي صناع هذه السياسة، كما يتضح في أكثر من حدث عالمي، مزيدا من الاهتمام للقصص والأخبار والتقارير والمقالات التي تنشرها الصحف ووسائل الإعلام، ويتابعون من خلالها الأحداث التي تتجاوز القنوات الدبلوماسية الطبيعية، ويؤسسون رؤيتهم للعالم على الرؤى التي تقدمها، ثم تأتي غالبية قراراتهم متوافقة إلى حد كبير مع التحليلات والتقويمات التي تقدمها. ونتيجة لذلك فإن الطريقة التي تعالج بها وسائل الإعلام الأحداث والآراء ربما تقلل الخيارات السياسية المتاحة أمام المسؤولين، وتدفعهم أحيانا إلى اتخاذ مواقف والإعلان عنها، رغم انهم ربما كانوا يفضلون عدم إعلانها. وكثيرا ما تسبغ وسائل الإعلام الشرعية على القرارات الحكومية أو تنزعها عنها.
وتكتسب وسائل الإعلام التقليدية أهمية خاصة في سياق الصراعات الدولية، بسبب أدوارها الحاسمة – أحيانا- في الترويج للسلام وحل الصراعات، وذلك عندما تتحول إلى وكالات يفوق دورها دور وكالات الأمم المتحدة المعنية في تقديم ودعم خطط السلام وإجبار الأطراف المتصارعة على القبول بها، أو في المقابل زيادة التوتر وتعميق الصراع عندما تتحول إلى وكالات لهدم العملية السلمية من أساسها واستمرار الصراع وتجذيره. وتشير الصراعات الدولية السياسية سواء في اليمن أو في غزة أو في سوريا، وكذلك صراع العقوبات بين الولايات المتحدة الأمريكية من جانب وإيران والاتحاد الأوروبي من جانب أخر، والصراعات الاقتصادية التي خلقها الرئيس الأمريكي ترامب منذ قدومه للسلطة مع الصين والاتحاد الأوروبي، إلى أدوار متعددة لعبتها وسائل الإعلام التقليدية في الدفع باتجاه السلام أو في الدفع باتجاه زيادة الصراع.
إذا عدنا قليلا إلى الوراء فإن من المؤكد أن وسائل الإعلام التقليدية لعبت دورا كبيرا في تشكيل السياسات المتصلة بالصراعات الوطنية والدولية، وكانت في هذه الصراعات ساحة مركزية للصراع. وقد بدا ذلك واضحا في الصراعات التاريخية بدءًا من الصراع في فيتنام في ستينيات القرن الماضي، مرورا بالصراعات في البوسنة، والصومال، والعراق، وأفغانستان، وكشمير، وصولا إلى الصراع العربي- الإسرائيلي، وحروب الخليج. وهو ما جعل هذه الوسائل محط اهتمام صناع السياسة والصحفيين وعلماء الاجتماع وغيرهم.
من الضروري أن ندرك هنا أن الصورة التي تعكسها وسائل الإعلام للصراع تتأثر بعوامل كثيرة، كون هذه الوسائل لا تعمل في فراغ أو بشكل منعزل عن السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية في الدولة التي تعمل فيها. وعلى هذا الأساس فإن تحليل دور وسائل الإعلام في الصراعات التي يعج بها العالم حاليا يستوجب وضع عوامل مثل الأسس الأيديولوجية وطبيعة ملكية وسائل الإعلام وما إذا كانت مملوكة للحكومات أم لأحزاب سياسية أم لأفراد وشركات، في الاعتبار. ففي بعض الحالات عندما تعجز وسائل الإعلام عن الوصول لمصادر الأخبار وتعتمد اعتمادا كليا على المصادر الحكومية فإن دورها في الصراع يكون سلبيا وتتجه إلى دعم الرؤية الحكومية للصراع. ويمكن القول إن هذا ما حدث في تغطية وسائل الإعلام الأمريكية لصراعات ما بعد حرب فيتنام، بعد أن وضع الجيش الأمريكي قيودا على حركة مراسلي وسائل الإعلام في الحروب التي دخلها، في جرينادا، وبنما، وليبيا، والكويت والعراق، والصومال، وهاييتي. وترجع دراسات علمية عديدة تأييد الأمريكيين الواسع لقرار غزو العراق في العام 2003 إلى الرؤية التي قدمتها وسائل الإعلام الأمريكية في الأيام السابقة على الغزو، والتي أظهرت المعارضين لهذا الغزو على أنهم غير وطنيين.
لقد أدت تغطية شبكة سي إن إن لحرب الخليج الأولي في العام 1991 وما تلاها من صراعات دولية أخرى إلى ظهور مصطلح «تأثير السي إن إن» للإشارة إلى الدور المهم الذي تلعبه وسائل الإعلام في تقرير السياسة الخارجية للدول، وذهب البعض إلى تشبيه هذا الدور بدور الدول دائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي، وإطلاق مسمى العضو السادس الذي له حق الفيتو في المجلس على الشبكة التلفزيونية. فهل أصبحنا بعد الأحداث الأخيرة أمام ظهور مصطلح جديد عن «تأثير الجزيرة» أو «تأثير الواشنطن بوست»، يعيد الاعتبار لوسائل الإعلام التقليدية؟ اعتقد ذلك.