على مشارف انتخابات الفترة التاسعة لمجلس الشورى

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يرى كثيرون أن ما ينادي به البعض من ضرورة تخصيص «كوتة» نسائية في مجلس الشورى، كما هو الحال في مجلس الدولة بالتعيين» هو أمر لا يرضي المرأة التي تؤصل دورها في كل مرحلة من مراحل التنمية المختلفة ، فضلا عن اختلاف أسلوب شغل العضوية بين المجلسين ،
بافتتاح دور الانعقاد السنوي الرابع لمجلس عمان (الدولة والشورى) وهو الدور الأخير للفترة السادسة لمجلس الدولة، وكذلك للفترة الثامنة لمجلس الشورى في 12 من نوفمبر الجاري، تلملم هذه الفترة من عمر مجلس الشورى؛ موضع الحديث هنا؛ مجموعة اشتغالاها التشريعية المختلفة في الحرص من عدم ترحيل موضوعات محل الاشتغال إلى الفترة التاسعة القادمة (2019 – 2023) التي ستشهد انتخاب أعضاء جدد؛ لأول مرة؛ يستظلون بظلال قبة المجلس، ليبدأوا مهمتهم الوطنية التي يوكلهم بها مجموعة الناخبين لهم وغير المنتخبين، على امتداد قرى وولايات ومحافظات السلطنة من أقصاها إلى أقصاها، وهي الفترة الرابطة بين منتصفي القرن لمسيرة النهضة المباركة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – حيث تختتم هذا العام الـ (48) عاما، وسط مكاسب تنموية كبيرة وكثيرة، وحرص أكيد من لدن المقام السامي على الرعاية السامية المباشرة للمسيرة الشورية منذ انطلاقاتها الأولى.
تتجه الأنظار هنا أكثر الى نوعية الأعضاء القادمين لتكملة هذه المسيرة الشورية التي انطلقت في عام (1991م) من حيث مستوى المؤهلات العلمية والخبرات العملية، والرؤى الاستشرافية التي يحملونها لتعزيز مسيرة الشورى للمرحلة القادمة، ويضاف الى ذلك الخبرة المتراكمة التي مرت بها هذه المسيرة على امتداد (27) عاما من العطاء والتطور، فاليوم وما سوف يأتي بعده من فترات زمنية متتالية، لا يكفي أن يحمل العضو أوراقا مملوءة بالكتابة ليقرأها في الجلسة كأنه يلقي خطبة ، نريد أعضاء عندهم القدرة على التحاور، وعندها المعلومات الواضحة لمقارعة الحجة بالحجة، نريد رؤى استشرافية لا تحدها إلا السماء، نريد أعضاء يدركون مجمل المخاضات التي تعيشها جل البرلمانات في العالمين، ليس تقليدا معابا، ولكن في مستوى الهمة والنشاط، والعمق في الطرح، والاتزان في المناقشة، والقدرة على التحليل، وغير منكور كذلك أن الفترة الثامنة «الحالية» من عمر المجلس ضمت عددا غير قليل من هؤلاء الأعضاء، وكانوا ولا يزالون مضرب مثل، ونفتخر بهم، وندرك أن عطاءهم الذي وثقته مداخلاتهم الرائعة محل تقدير، فجزاهم الله خيرا.
في نصفية القرن القادمة، من عمر مسيرة النهضة المباركة، أي بعد عام (2020) يجب أن يرتقي التشريع عما عليه الآن، ولا بد من العودة الى المربع الأول لدراسة كل تشريع على حدة، في كل مجال من مجالات الحياة العامة، لأن المطلوب أن ترتقي كل التشريعات مع ترقي مجالات الحياة المختلفة، وحياتنا اليوم تضج بالكثير من التغييرات والتبدلات، وبالتالي فهذا الأمر يستلزم أن يرافقه وعي شامل يتحلى به العضو، وهذا أمر يقرره القادم الى الترشح قبل أن يحفزه صديق، أو قريب، أو وجاهة اجتماعية، أو منصب إداري مرموق كان فيه، ويريد أن يكون امتدادا له، ليكون ذلك خط سير للقادم إلى الترشح، ولعل في ما يقال عنها إنها «انتقادات» موجهة إلى أعضاء مجلس الشورى التي نقرأها هنا أو هناك، ما يقترب منها إلى تلمس بعض الإخفاقات التي يقع فيها عدد غير قليل من الأعضاء أثناء ممارساتهم للعمل الشوري ، وهذا أمر مفروغ منه؛ في جانب ليس هناك من معصوم عن الخطأ، ولكن ليس مفروغا منه؛ في ظل وعي كامل بأهمية الدور الذي يجب أن يكون عليه العضو قبل أن يتقدم لصناديق الاقتراع، وليس بعد أن يكون تحت قبة البرلمان، وهذا أمر مهم، ولذلك؛ ربما؛ يقسو البعض في النقد، لأن الصورة الحقيقية غائبة عن مجموعة الاشتغالات غائبة عن هؤلاء «النقاد»فهناك ضغوطات كبيرة يواجهها هؤلاء الأعضاء، وعلينا أن نقدر ذلك، إلى حد ما على الأقل ، لأن العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية علاقة «معقدة » واحيانا متقاطعة ، وهذا أمر مفروغ منه، وهو أمر طبيعي في معظم ان لم يكن كل التجارب البرلمانية على مستوى العالم، وليس في مسيرة التجربة في السلطنة فقط، ولولا هذه الـطبيعة «المعقدة» لما استطاعت السلطة التشريعية أن تنتزع الكثير من المعلومات التي تقوي بها موقفها في الدفاع عن قراراتها، وهذا ما يستدعي العضو لأن يكون أكثر وعيا وشمولية في تعامله مع الجهات الأخرى، وهو أمر يسعى في النهاية إلى الوصول إلى كثير من التكامل بين السلطات المختلفة ، فالهدف الأسمى هو البناء والتطوير، وموازاة تطورات الواقع، ومواجهة جميع التحديات التي تطرأ على هذا الواقع، وليس أفضل من مواجهة التحديات إلا وجود مؤسسات تشريع قوية وحيوية ولها القدرة على التكيف مع هذه المستجدات التي تطفو على السطح بسرعة لا مثيل لها.
والسلطة التشريعية وجدت لخلق قراءات سريعة وعميقة لكافة التطورات التي تشهدها الحياة، والدور التقليدي الذي عرفت به قبل وجود الصلاحيات التشريعية والرقابية، لا يجب أن يكون حاضرا اليوم، فمجالس البلدية الـ (11) مجلسا، هي المعنية بهذا الدور، وهي الأقرب إلى تلمس احتياجات السكان في شأن الخدمات، فليترك لهم الدور مطلقا، وعضو المجلس قبل ترشحه يفترض أن يكون واعيا أكثر من غيره من هذه الناحية، حتى لا يوقع نفسه في مطلب الانتقادات في أي تقصير فيما يخص الخدمات العامة الموكولة كلها الى المجالس البلدية، فعليه أن يشتغل في مستوى مجالات التشريع والرقابة فقط. وكما قرأت منذ فترة؛ والعهدة على كاتبه؛ أن مجلس الشورى لم يتقدم بأي مقترح لأي مشروع قانون خلال دور الانعقاد السنوي الثالث (2017م) ولست متأكدا من هذه المعلومة؛ حيث اكتفى الأعضاء بدراسة مجموعة المشروعات التي أحالتها الحكومة إلى المجلس، ولعله في زحمة هذه المشروعات، و البعض منها يأخذ صفة الاستعجال؛ ما يوجد العذر لأصحاب السعادة أعضاء المجلس، ولكن في مثل هذه الظروف، يجب أن يقيم الوضع على انه «استثناء» وليس «قاعدة» لأن القاعدة هي ما تشير إليه المادة (58) مكررا (36): «لمجلس عمان اقتراح مشروعات قوانين وإحالتها إلى الحكومة لدراستها ثم إعادتها الى المجلس، وتتبع بشأن إقرارها او تعديلها وإصدارها ذات الإجراءات المنصوص عليها في المادة (58) مكررا (35)» – انتهى نص المادة – لأنه ووفق هذه المادة، يبقى اقتراح القوانين، هو ضمن الاختصاص الأصيل من بين الاختصاصات الأخرى للمجلس في ممارسته لمهامه ودوره. في نصفية القرن القادمة أيضا، نأمل أن يكون هناك أكثر من مقعد للمرأة تحت قبة مجلس الشورى، حيث يفترض أن يتخلى أفراد المجتمع عن كثير من القناعات التي تحد من عدم وجود أي مقعد، أو وجود مقعد واحد يتيم، على الرغم من تقدم (20) امرأة للترشح في انتخابات عام (2015م) للفترة الثامنة الحالية، في ظل تحقق نسوي كبير في مختلف مفاصل التنمية وفي تخصصات علمية دقيقة جدا، بدءا من القاعدة العريضة للنساء العاملات في القطاعين، مرور بالمستويات الإدارية الوسطى المختلفة، وصولا إلى المستويات الإدارية العليا «وزيرات “ويرى كثيرون أن ما ينادي به البعض من ضرورة تخصيص «كوتة» نسائية في مجلس الشورى، كما هو الحال في مجلس الدولة بالتعيين» هو أمر لا يرضي المرأة التي تؤصل دورها في كل مرحلة من مراحل التنمية المختلفة ، فضلا عن اختلاف أسلوب شغل العضوية بين المجلسين ، لذلك يبقى الوصول إلى تمثيل أوسع للمرأة في مجلس الشورى أحد الضروريات المهمة للمرحلة القادمة وهذه مهمة المجتمع في المقام الأول .