من سمات السياسة والاجتماع في عُمان !

محمد عبدالله العلي كاتب بحريني –

كَتَبَت الروائية البريطانية «كاثرين ويب» كلمات لافتة عن سلطنة عُمان. ففي الثامن من أبريل 2016م وفي صحيفة الجارديان البريطانية، قالت «ويب»وهي تصف زيارتها لـ عُمان عندما كانت تكتب روايتها: The English Girl أنها لم تسمع «بالصمت مطلقًا» حتى زارت عُمان ووقفت على كثبانها في الربع الخالي. إلى الحد الذي يبدو «الصوت الأعلى هو تنفسك». ثم تقول في مكان آخر من حديثها: «يرحب العُمانيون بالسياح لكنهم لا يعيدون بناء بلادهم من أجلهم».

الحقيقة أن كاثرين قالت شيئًا جيدًا. فإذا ما وسّعنا من المجاز، فإن دَيْدَن عُمان هو الصمت والابتعاد عن الجَلِبَة والضوضاء. في الداخل عَمِلَت ونشّأت وعمّرت وقوّمت دون أن يسمع أحد أصوات المطارق أو المزاليج. وفي الخارج قادت مفاوضات بين متخاصمين وأفرجت عن عديدٍ من الرهائن في أماكن شتى ولم يُعلَم بذلك إلاّ لحظة المصافحة والعناق. لم تشأ أن تقول، لسبب بسيط وهو أنها لا تريد أن تُفصِح عن ذلك فقط كي يتقافز اسمها على مانشيتات الصحف، فذلك لا يعنيها مطلقًا.
أمرٌ آخر مهم يُظهِر جانبًا من سلوك العُمانيين (كما أشارت له كاثرين) وهو أنهم يعملون لبلادهم وليس كي يقول عنهم الآخرون أنهم يعملون بهذا الكَيْف أو ذلك. لذلك ترى التنمية في بلادهم «عُمانية» والسياسة في بلادهم «عُمانية» والاجتماع والفكر في بلادهم «عُماني». لا يستعيرون ما يفعله ويقوله الآخرون كـ علب جاهزة، ما دام لديهم ما هو أنفع مما لدى الآخرين، بل إن ما لديهم قابل أصلاً لأن يستفيد منه الآخر. لذلك نجدهم حين يسوسون في القضايا وشؤونها فإنهم يتناولون السياسة من مبضع منتظمهم التاريخي وليس شيئًا آخر.
وحين يتسامحون اجتماعيًا فإنهم يفعلون ذلك لأن التسامح من صميم ثقافتهم فترى طوائفهم على مسطرة الأرض بالسواء. وعندما يقولون أنهم ليسوا بطائفيين ولا يُبشّرون بمذهبٍ بعينه، نتذكر مباشرة أنهم بقوا في زنجبار أزيد من قرنين ونصف القرن لكنهم لم يُأبِّضوا قبيلة أو جماعة هناك. وتواجدوا في جوادر على ساحل مكران في بلوشستان 200 عام (وتحديدًا منذ العام 1784م وفقًا للوثائق البريطانية) ولم يُأبِّضوا أحدًا. والتاريخ والديمغرافيا شاهدان وَفِيّان على ما أقول.
حين تسمع خطاب العلماء العُمانيين في محاضراتهم وندواتهم ومجالسهم أو تقرأ مخطوطاتهم تكتشف أنهم صناعة تاريخ ممتد من الممارسة على ذلك السّمْت. هذا الخطاب بات شمعة اليوم وسط ظلام الطائفية الذي هو كجائحة الجراد لم تُبقِي ولم تذر، حتى تمزقت الأمة وشعوبها وقبائلها وعشائرها وأسرها وأفرادها، ودَبّ الخصام فيها من رأسها حتى أخمص قدميها.
يشير ميكو ميكفارا Mikko Vehkavaara إلى الخطاب الديني العُماني ومرتكزاته ناقلاً عن أحد شخوصه الذي شرح كيف حافظت عُمان على سلامها وسِلمها الأهلي بالقول: «لدينا ثلاث مجموعات سكانية على الأرض: الأولى تتكون من مسيحيين ويهود ومسلمين، يؤمنون بإله واحد وكتاب مقدس. الثاني هم الملحدون الذين فقدوا كل الثقة في الدين. والمجموعة الثالثة وهي التي تمثل مجموعة متنوعة من الأفكار الدينية والروحية. نحن نسعى للحفاظ على حوار بناء وصادق مع العلماء وممثلي كل هذه المجموعات. فما يجمعنا هو الأخلاق المشتركة والشعور العام بالعدالة».
هذا خطاب متقدم جدًا. وكأن العمانيين يعيدون معركة أرمينيوس ضد الجوماريين أنصار الكاليفينية المتشددة المهووسة بالطائفة في أوروبا إبّان الإصلاح. نعم كأنهم يُسمعوننا خطابه الذي ألقاه قبل 413 عامًا حين قال: «ولنتلبّس شخصية خصمنا خالعين عليه شخصيتنا، ما دام يمكن أن نكون كلانا مخدوعين. بل فلنتصوّر أن هذا الذي يبدو لنا متورطًا في الضلال ومحكومًا بسوء النية، قد يكون مرسلاً إلينا من الله، كي نتعلم من فمه حقيقة ما زلنا نجهلها حتى اليوم». (راجع كتاب: تاريخ التسامح في عصر الإصلاح لـ جوزيف لوكلير).
هذا الخطاب وهذا المنهج جعل الأرض العُمانية الطيبة بورًا أمام بذور التطرف، وبالتالي لم تحرث ترابها موجات الإرهاب الذي اجتاحت العالم. تذكر» ألكساندريا كابوتو» في دراستها التي أتمتها في جامعة تشالرز حول سلطنة عُمان بأن ذلك قد يعود إلى طبيعة المدرسة الإباضية التي شجعت على التعايش مع الأديان الأخرى روحيًا وجسديًا. لقد وجد العُمانيون قوتهم في حريتهم الدينية التي أنتجت معادلة ثنائية تقوم على العلاقة العضوية ما بين الهوية الدينية والهوية الوطنية القوية جدًا.
لذلك، والقول لـ « كابوتو»، فإن بيئة عُمان تختلف عن كل دول مجلس التعاون، وكذلك عن الدول العربية، ودول آسيا الوسطى، وهو ما جعلها عصيّة من أن يَلِجها فكر قاعدي أو داعشي. وحتى عندما كان العُماني يذهب إلى الخارج فإنه كان يُفكِّر، وهو في الغربة، بأسلوب «عُماني». وإذا ما علمنا أن موجات التطرف قد بدأت تتعاظم في المنطقة والعالم مع بداية الألفية نتذكر أنه وفي عام 2002م كان هناك أكثر من 20 ألف طالب عُماني يدرسون في جامعات خمس وأربعين دولة مختلفة تعلموا خلالها وأبدعوا دون أن يتأثروا بفكر غير الفكر العُماني المتسامح والمتصالح. هذه هي عُمان وهؤلاء هم ناسها.

في الختام نبارك للسلطنة عيدها الـ 48 متمنين لها دوام الرّفعة، وندعو لجلالة السلطان قابوس المعظم بالخير والصحة الوافرة، وللشعب العماني الشقيق بالتقدم والازدهار تحت قيادة جلالته الحكيمة .