مشادة صحفية على الهواء !!

د. عبد العاطى محمد –

إن كبير مراسلي شبكة سي. إن. إن لم يكن على خطأ عندما استنكر موقف ترامب من الهجرة، لأنه بذلك كان يعبر عن تيار يريد أن ينتصر للقيم التي قام عليها المجتمع الأمريكي حيث أنه مجتمع مهاجرين بالكامل ويعامل الأقليات بنفس حقوق وواجبات الأكثرية، ولم يتعود على مدى تاريخه وصف من يرغبون في الهجرة إليه بأنهم غزاة، أو ينظر للأقليات على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وتخلص من عقدة العنصرية.
دون التقليل من أهمية ما جرى في الانتخابات النصفية للكونجرس، فإن اللقطة التي سجلت المشادة أو السجال الحاد بين الرئيس ترامب وجون أكوستا كبير مراسلي شبكة سي. إن. إن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد بالبيت الأبيض عقب إعلان النتائج، هي الأكثر إثارة ودلالة على سخونة المشهد السياسي الراهن في الولايات المتحدة. بل وبالنسبة لما آل إليه الحال في السلوك السياسي على المستوى العالمي من تشنج في المواقف واستنفار للصدام واحتدام للجدل.
التحفز للصدام وقهر الآخر ليس جديدا في المشهد الأمريكي منذ الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية عام 2016، والتي فاز فيها ترامب، وما أكثر الوقائع التي تابعها الرأي العام داخل وخارج الولايات المتحدة التي أكدت أن هناك حالة من العداء بين ترامب وبين المؤسسات، وفي الجانب الأبرز منها كافة وسائل الإعلام باستثناء محطة فوكس نيوز المؤيدة له. ولكن هذا المؤتمر الصحفي جسد ذروة الصراع الذي يخوضه الرجل مع أجهزة الإعلام. لقد كان المؤتمر طويلا على غير العادة، وانهالت فيه الأسئلة المحرجة للرئيس، وهو من جانبه استدعى كل ما لديه من تعبيرات حادة وغاضبة تعززها لغة للجسد هدف منها إلى تأكيد رغبته في استعراض قوته في بداية النصف الثاني من ولايته، وثقته في نجاحه ونجاح حزبه الجمهوري ضد خصومه سواء من الحزب الديمقراطي، وذلك برغم خسارته لمجلس النواب.
واللقطة المثيرة ذات الدلالة تتلخص بإيجاز في أن كبير مراسلي سي. إن. إن وجه سؤالا إلى ترامب يحمل قدرا من الاستنكار عن السبب الذي دعا ترامب إلى إطلاق وصف الغزو على تدفق أعداد غفيرة من مواطني دول أمريكا الوسطى في اتجاه المكسيك بهدف دخول الولايات المتحدة كمهاجرين. وكان المراسل يتبنى وجهة النظر المضادة لموقف ترامب من مسألة الهجرة. وبناء على هذه النظرة فإن الأمر لم يكن غزوا لأن هؤلاء المواطنين جاءوا من بلاد تبعد مئات الأميال عن الولايات المتحدة، وكان من المفترض على الرئيس أن يتفهم مطلبهم ويسمح بدخولهم. وتناوب ترامب والمراسل الجدل حول هذه القضية بينما كان صبر الرئيس ينفد بسرعة وقاطع المراسل بأن ما قاله يكفي وعليه أن يترك الميكروفون، وبدوره لم يتوقف المراسل وظل ممسكا به بينما موظفة في البيت الأبيض تحاول نزعه منه، وألقى سؤالا أخرا عما إذا كان ترامب يشعر بالقلق من مسألة التحقيقات في مسألة اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية، وسارع ترامب بالنفي مشددا هذه المرة على أن يتوقف المراسل عن الكلام طالبا منه أن يترك الميكروفون، ثم عقب الرئيس موجها نقده للمراسل بأنه فظ وبغيض!!. وعندما وقف مراسل من نفس المحطة يدافع عن زميله نهره ترامب ومنعه من استكمال سؤاله!. ثم صدر بيان من البيت الأبيض يتضمن تعليق اعتماد كبير المراسلين المذكور بدعوى أنه وضع يده على موظفة الرئاسة عندما حاولت نزع الميكروفون منه!! .
شيء من هذا لم يكن متوقعا حدوثه في بلد مثل الولايات المتحدة، ولكنه وقع فعلا وعلى الهواء مباشرة، بما يعنى أن الانقسام الذي تحدث عنه المحللون والنقاد السياسيون قبيل الانتخابات الرئاسية لم يكن مجرد رؤية استشرافية قد تتحقق أو لا تتحقق، وإنما هو حقيقة موضوعية لها أسبابها القوية تتعلق بأن الولايات المتحدة شعبا وحكومة ومؤسسات وجدت نفسها منذ أواخر عهد أوباما في مفترق طرق وتشعر بالقلق الشديد على المستقبل، في ظل تغير موازين القوى العالمية على الصعيد الاقتصادي لصالح الصين وأوروبا وعلى الصعيد السياسي والعسكري لصالح روسيا.
لو أن الأمور كانت كما هي مثلما تعودنا بخصوص الممارسة السياسية في الولايات المتحدة حيث احترام قواعد الحوار والاختلاف في الآراء والمواقف دون الوصول إلى الانشقاق ما كان لمشهد كهذا أن يحدث، وإذا كان الرد هو أن ترامب في ذاته قد يكون مصدر الانقسام بناء على التحليلات التي صاحبت صعوده وفوزه المفاجئ بالنظر إلى شخصيته «الشعبوية» ، فإن نتائج الانتخابات النصفية للكونجرس أكدت أشياء أخرى تتعدى ذلك كثيرا تعكس التفافا جماهيريا حوله، بل والتفافا جديدا حوله من حزبه الجمهوري. فمن المعتاد في معظم تجارب الانتخابات النصفية أن يجد الرئيس نفسه أمام كونجرس مضاد له، وقد حدث هذا مع رؤساء كثر في الماضي البعيد والقريب. وكان من المفترض بناء على الصورة الذهنية التي أحاطت بترامب أن تأتى النتائج سلبية ، ولكن ما حدث هو أن الجمهوريين عززوا أغلبيتهم في مجلس الشيوخ بينما فاز الديمقراطيون بالأغلبية في مجلس النواب بفارق 25 عضوا. كما حقق الجمهوريون فوزا كبيرا في مناصب حكام الولايات. ومع أن فقدان الأغلبية في مجلس النواب يمثل بلا شك خسارة سياسية لترامب، إلا أنها لم تأتى بالقدر الذي كان متوقعا بما يعنى أن الرجل له شعبية فعلا ، وأن حزبه عاد إلى الوحدة الداخلية ، وإلى الإقرار بقيادة الرجل (خصوصا بعد وفاة جون ماكين مثلا). كما لابد من الأخذ في الاعتبار أن مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه ترامب بالأغلبية لابد أن يوافق هو بدوره على ما يتخذه مجلس النواب!. وبوجه عام إن كان لذلك من دلالة، فإنها تشير إلى أن الأمريكيين منقسمين بقوة حقا، وأن ما يختلفون حوله من قضايا عميق جدا سواء فيما يتعلق بالهجرة أو الضمان الصحي أو وضع الأقليات أو الضرائب (خصوصا بالنسبة للطبقة الوسطى). وبهذه النتائج تبدو الحلول الوسط بين هذا الفريق وذاك صعبة، بما يؤشر إلى أن الانقسام يمكن أن يتزايد لا أن يتراجع.
إذا أخذنا في الاعتبار الصورة الشاملة للمشهد الأمريكي فإن كبير مراسلي شبكة سي. إن. إن لم يكن على خطأ عندما استنكر موقف ترامب من الهجرة، لأنه بذلك كان يعبر عن تيار يريد أن ينتصر للقيم التي قام عليها المجتمع الأمريكي حيث أنه مجتمع مهاجرين بالكامل ويعامل الأقليات بنفس حقوق وواجبات الأكثرية، ولم يتعود على مدى تاريخه وصف من يرغبون في الهجرة إليه بأنهم غزاة، أو ينظر للأقليات على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وتخلص من عقدة العنصرية.
كما لم يكن مخطئا عندما حاول أن يقلق ترامب من تقرير المحقق موللر في مسألة التدخل في الانتخابات، فربما في حالة الإدانة يجد ترامب نفسه في موقف لا يحسد عليه حيث تصبح مسألة عزله مطروحة من جانب مجلس النواب، والمراسل هنا كان ينتصر لقيم الشفافية الكاملة في قضية الانتخابات العامة في بلاده مهما كان الثمن.
ولكن ترامب أيضا لم يكن مخطئا في تصديه للمراسل الكبير، لأن الأخير تعمد في جدله مع الرئيس أن يظهره بالقيادة التي لا تعرف كيف تدير البلاد، وفيما يعنى أيضا أنه رئيس مشكوك في شرعيته (الإصرار على انه جاء بفعل تدخل الروس!)، كما أراد أن يفسد عليه شعوره الذي عبر عنه عقب ظهور النتائج بأنها تمثل انتصارا له كان قد وصفه بالساحق!، وعندما وقف زميله للدفاع عنه كان ذلك بمثابة تحدى للرئيس من جانب المحطة الشهيرة.
ولا يفوت على القارئ أن هذه المحطة وغيرها من وسائل الإعلام الأمريكية تتخذ موقفا عدائيا مطلقا من ترامب منذ حملته الانتخابية انحيازا واضحا من جانبها للديمقراطيين. وليس من الغريب أن يكون ترامب وسط هذا المناخ الإعلامي المعادي متحفزا للهجوم والتقليل من شأن المحطة ومراسليها لأنها استهدفته بالهجوم من اللحظة الأولى ولم تتوان هي وغيرها عن نشر مزيد القصص التي تشكك في قدرته على قيادة البلاد. وللحق فإن موقف الإعلام وتلك المحطة لم يكن منصفا أو متحليا بالقيم الديمقراطية التي يتحدثون عنها، خصوصا أن واقع التجربة يشير إلى أن إدارته حققت خلال عامين فقط انجازا اقتصاديا غير مسبوق من حيث ارتفاع معدل النمو الاقتصادي وانخفاض معدل البحث عن عمل وكلاهما يهمان المواطن الأمريكي، مثلما يهمه الحفاظ على القيم الديمقراطية.
كلاهما، المراسل الذي وصفه زميله بالعبقري والكفاءة المهنية والرئيس ترامب، يتنصر لفريق من الشعب الأمريكي، أحدهما يعلي من شأن القيم الليبرالية التي اشتهرت بها الولايات المتحدة بين شعوب العالم، والآخر ينتصر للاقتصاد وتفرد المواطن الأمريكي بالتفوق على الآخرين!. ومع أن كلا منهما في ذلك على حق ويكمل بعضهما الآخر، إلا أن المسافة بدت واسعة بين موقفي الفريقين في العامين الماضيين وبدأ كل فريق في تشكيل قاعدة مجتمعية له تناهض بعضها البعض إلى حد الانشقاق والتحدي في سابقة لم يعرفها التاريخ الأمريكي إلا في فترات طارئة. هكذا فإن أمريكا الآن في حاجة للوحدة شعبا وحكومة ومؤسسات، حتى لا نشاهد على الأقل عراكا على الهواء مباشرة بين رئيس لها ومراسلا إعلاميا.