حديث جلالة السلطان عن التنويع الاقتصادي

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

تتكرر توجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – لأعضاء حكومته بين حين وآخر بضرورة الاستمرار في تعزيز مصادر الدخل القومي وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات، وهو حديث تتداوله الصحافة منذ فترة السبعينات عندما تم تشكيل أول مجلس للتنمية في 17 نوفمبر من عام 1974. ويعتبر هذا المجلس العلامة البارزة في تاريخ أجهزة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السلطنة الذي تبنى خمسة أسس للاستراتيجية في هذا الشأن منها أولا: أن الثروة النفطية للبلاد حق لكل الأجيال من العمانيين وليس للجيل الحاضر منهم وحده، فيما يرتكز المحور الثاني على أن ضمان المستقبل الاقتصادي للبلاد هو في تنوع مصادر الدخل القومي، وهذا ما نركز عليه في هذا الإطار، فيما يؤكد المحور الثالث على أن القطاع الخاص هو الركيزة لاقتصاد وطني حر من الاحتكار. أما المحور الرابع فيؤكد أن المواطن العماني المؤهل لممارسة النشاط الاقتصادي والإنتاجي هو هدف التنمية، فيما يشير المحور الخامس في استراتيجية التنمية إلى ضرورة توزيع الاستثمارات بما يكفل إزالة التفاوت في مستوى المعيشة بين مختلف محافظات السلطنة.
والحديث عن هذه المحاور يتكرر في خطب وكلمات جلالته حفظه الله على مسمع جميع الوزراء والمسؤولين في الدولة منذ تلك الفترة وحتى اليوم، إلا أن ما تم تحقيقه في هذا الشأن دون الطموحات وأبناء الوطن ينتظرون تحقيق المزيد من الانجازات والمشاريع التي يمكن أن تحتويهم، بحيث يصبح كل عماني لديه عمل وشاغر في أحد هذه المشاريع. وقبل عدة أيام مضت، ذكّر – جلالته حفظه الله – بضرورة الاستمرار في هذا الاتجاه خلال اجتماع مجلس الوزراء عند حديثه عن بعض التطورات الاقتصادية الإيجابية التي شهدتها السلطنة مؤخرا في سياسة التنويع الاقتصادي، ومنها افتتاح مطار مسقط الدولي بصورة رسمية وبحلته الجديدة المتميزة، بجانب إشادة جلالته بالتقدّم الذي شهده قطاع الطرق والموانئ، والخدمات اللوجستية بالبلاد. فقد بدأت السلطنة في العقد الحالي تنفيذ العديد من المشاريع الاقتصادية في هذا القطاع المهم الذي سوف تكتمل منظومته ببناء سكك الحديد، الأمر الذي سيعزز جانب البرامج الاقتصادية والاجتماعية من جهة، ويعمل على جذب المزيد من الاستثمارات الداخلية والخارجية من جهة أخرى. وهذا سوف يساعد بالطبع على توفير المزيد من فرص التوظيف للكوادر العمانية الشابة الباحثة عن العمل.
ومما لا شك فيه، فإن قطاع النقل والاتصالات يعتبر من ضمن القطاعات التي حظيت بالاهتمام الكبير منذ بداية السبعينات من القرن الماضي، حيث عمل هذا القطاع على دمج أفراد المجتمع العماني وساعدهم في التنقل من ولاية إلى أخرى بيسر وسهولة، وقرّب المسافات بين أبناء هذا الوطن من أقصاها بمحافظة مسندم بشمال السلطنة إلى أدناها بمحافظة ظفار في الجنوب، وتمكّن من تحقيق المزيد من التكامل في المشروعات التي تتبناها السلطنة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. كما ساعد هذا القطاع على تنفيذ الخطط والبرامج التي أعدتها السلطنة لتحقيق التنمية في جميع أرجاء البلاد من خلال تأسيس مشاريع الطرق والموانئ البحرية والمطارات بجانب إنشاء المناطق الصناعية والمناطق الاقتصادية الحرة في عدد من المحافظات. وقد أدى ذلك إلى تحقيق المزيد من النمو في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، في الوقت تهدف استراتيجيات هذه القطاعات تحقيق المزيد من النمو خلال المرحلة المقبلة. فقطاعات السياحة والثروة السمكية والزراعة والصناعة والتعدين وغيرها بدأت في تنويع منتجاتها وتصل إلى المستهلكين إلى خارج السلطنة، فيما دخلت السلطنة مؤخرا في تنفيذ مشاريع عملاقة في قطاع الطاقة المتجددة (من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) والتي يمكن لها أن تشكّل مصدرا مهما للدخل القومي، وتحقّق مزيدا من التغييرات الإيجابية في المشاريع الأخرى التي تحتاج إليها البنية التحتية مستقبلا، فيما يمكن لقطاع المعرفة أيضا أن يلعب دورا كبيرا في سياسة التنويع الاقتصادي، الأمر الذي يجب أن يولى عناية كبيرة ومستمرة لتصبح السلطنة مركزا لهذا القطاع في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
وهذه المشاريع – بلا شك- سوف تعزز التوجهات الوطنية، الأمر الذي يتطلب من الجهات المعنية ووحدة دعم التنفيذ والمتابعة الاستمرار في تسهيل مهام وأعمال المؤسسات والشركات التي تنوي الدخول في هذه المشاريع، والبُعد كل البُعد عن ممارسة البيروقراطية وفرض الضرائب على القطاع الخاص واستخدام أساليب ملتوية أمام أصحابها بحيث لا تؤدي هذه الإجراءات إلا إلى نفور الاستثمارات الوطنية إلى الخارج في ضوء المنافسة القادمة من دول المنطقة ودول الشرق الأقصى التي تتميز بتقديم الكثير من الخدمات المجانية للمستثمرين. وهذا ما أكده جلالته في حديثه مؤخرا في اجتماع مجلس الوزراء بضرورة وأهمية إيجاد الشراكة الحقيقية بين القطاع العام والقطاع الخاص للإسهام بدور أكبر في إنشاء المشاريع الإنتاجية التي يمكن لها أن توفر العديد من فرص العمل، وتهيئ الظروف المناسبة للكوادر العمانية من أجل الالتحاق بتلك الفرص واستقرارهم فيها. وهذا لا يتم إلا من خلال حل مشاكل القطاع الخاص وتقديم مزيد من الحوافز له بدلا من التفكير بفرض ورفع الضرائب على المؤسسات والشركات الأهلية.
وكما نعلم فإن الخطط الخمسية التي اعتمدتها السلطنة منذ أكثر من ثلاث عقود تتركز على تنمية قطاعات حيوية، كالصناعات التحويلية والتعدين والسياحة والنقل والثروة السمكية، في حين ما زالت صناعة النفط تساهم بنسبة تزيد عن 44% من الناتج المحلي الإجمالي، في الوقت الذي تستهدف السلطنة خفضها إلى 22% فقط بنهاية الخطة الخمسية الحالية (2016-2020) من خلال ضخ استثمارات كبيرة في القطاعات الحيوية غير النفطية. كما تعمل جاهدة في تطوير القطاع السياحي الذي يشمل اليوم العديد من الشركات السياحية لدعم هذا القطاع السياحي ورفع ناتجه المحلي إلى 6% عام 2020. فخفض أسعار النفط منذ منتصف عام 2014 أدى إلى تغيير في التفكير لدى المسؤولين في الدولة وإيجاد عزيمة كبيرة وتوجهاً حقيقياً لتنويع مصادر الدخل والتوجه نحو القطاعات الإنتاجية التي تم ذكرها بهدف تعزيز إيرادات الدولة ورفع معدلات الناتج المحلي الإجمالي من أجل تعزيز بنود الموازنة العامة للدولة وتوفير مزيد من فرص العمل للباحثين. فبقاء أسعار النفط في الأسواق العالمية عند مستويات منخفضة يؤدي إلى تباطؤ الأنشطة الاقتصادية في الدول المنتجة لهذه السلعة، وهذا هو الحال مع السلطنة وسائر الدول الخليجية الأخرى، ومن الطبيعي أيضا أن تنخفض القيمة المضافة للقطاع النفطي مع تراجع الأسعار، وبالتالي يتراجع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد أيضا. وهذه القضايا تتطلب إيجاد تجانس وتناغم العمل المؤسسي بين المؤسسات في القطاعين العام والخاص، وتحقيق المزيد من الإصلاحات الهادفة للقضاء على أشكال الفساد والتلاعب في الأموال العامة. فكلنا نعيش اليوم أمام تحد كبير يتمثل في انخفاض أسعار النفط ، الأمر الذي يتطلب إيجاد منهجية سليمة لمواجهة جميع التحديات والضغوط الناجمة عن ذلك. ونتيجة لذلك يتطلب من المعنيين إجراء المزيد من الإصلاحات التي تستهدف في نهاية الأمر زيادة الإيرادات غير النفطية والمضي قدما في سياسة التنويع الاقتصادي التي يمكن من خلالها تحقيق المزيد من الإنجازات في جميع المجالات.
لقد تبنت السلطنة خلال الفترة الماضية البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ)، بهدف معرفة التحديات والصعوبات التي تواجهها الجهات الحكومية وغيرها في سبيل تحقيق الرؤية الاقتصادية. وقد تم تطبيق البرنامج وفق خطة عملية منهجية وتوظيف أفضل التجارب والممارسات الدولية الناجحة في هذه المجالات من قبل بعض الدول التي سبقتنا في ذلك. والكل ينتظر معرفة النتائج الإيجابية التي تم تحقيقها من خلال هذا البرنامج. فالكل يدرك الخطورة الكامنة من وراء تراجع أسعار النفط العالمية، وحاجتها إلى إعادة التخطيط الاقتصادي، وتعزيز مفهوم التنويع الاقتصادي بحيث لا تبقى عرضة لمورد رئيسي واحد، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على النمو والاستقرار السياسي والاقتصادي لها، الأمر الذي يتطلب تعزيز دور القطاع الخاص وتسهيل الخدمات له من أجل تعزيز بيئة الأعمال، واستقطاب المزيد من الاستثمارات مع الاستمرار في الإصلاحات المطلوبة لتحقيق المزيد من التنمية الشاملة في البلاد.