مســقـط بوابـة السـلام أمس واليـوم

جمال إمام –
ليس من المبالغة في شيء ونحن نتحدث عن أبعاد الحراك السياسي العربي والإقليمي والدولي ودلالاته، التأكيد على الدور الحيوي لعمان في المشهد السياسي بوجه عام وفيما يتصل بالحوار بوجه خاص، أن نشير إلى أبعاد ومرتكزات السياسة الخارجية العمانية، وأن نتوقف عند إشارات مهمة كان لها بالغ الأثر في بناء مصداقية السياسة الخارجية العمانية وتأكيد مكانتها وتعزيز دورها كبوابة للسلام .

والواقع أنه في هذا الإطار فإن عمان وهي في كل المنحنيات السياسية الصعبة قد نجحت في التعبير عن نفسها كدولة تتسم سياساتها الخارجية بالحكمة والهدوء والصراحة والوضوح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ..
وذلك عبر إشارات سياسية لا تخطئها العين في مقدمتها ..
• تسوية ملف الحدود البرية والبحرية مع كل جيرانها وهو موقف يعكس جوهر هذه الثوابت في السياسة الخارجية العمانية ..
وقد نجحت عمان بحكمة ودراية في التعامل مع هذا الملف الشائك الذي مازال يثير الحساسية في مناطق كثيرة من العالم، وأبرمت اتفاقيات دولية لتحديد وترسيم حدودها بعقلية ناضجة ومتفتحة جعلت منها معابر لتبادل المنافع والمصالح وتعاون وتنمية بين الأشقاء والأصدقاء بعد أن كانت بمثابة ملفات مفتوحة على كثير من المشكلات والتوترات ..
وهي سياسة نابعة عن رؤية ثاقبة وحكمة وبعد نظر كبيرين لجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – الذي نجح في رسم سياسة تتسم بالاعتدال والانفتاح على الآخرين واحترام خياراتهم وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية ..
وهي أيضا سياسة حكيمة جلبت الاحترام والتقدير لعمان التي باتت محط أنظار العالم نظرا لمصداقيتها التي شكلت حجر الزاوية في بناء السياسة الخارجية طوال العقود الماضية ..
• على صعيد مجلس التعاون لدول الخليج العربية كانت عمان من المؤسسين لواحد من اكثر التكتلات الإقليمية نجاحا في المنطقة، ومازالت تساهم في كل الجهود لدعم مسيرة مجلس التعاون وتطوير آلياته من أجل خير شعوبه، وتجاوز أية مشكلات تواجهه .
• ثم على الصعيد الدولي يشكل انضمام عمان لعضوية مختلف المؤسسات الدولية ومشاركتها الفعّالة في كل الأنشطة الإقليمية والدولية جزءا من دورها التاريخي والإنساني في رفد التجربة الإنسانية ودعمها ..
تحكمها في ذلك نظرة واسعة وواعية ليس فقط لموقعها الاستراتيجي الذي أهلها لدور كبير في حماية الجانب الصالح للملاحة في مضيق هرمز وحماية التجارة الدولية للنفط عبره، وأهَلها أيضا لتكون دولة مُؤسسة لتجمع الدول المطلة على المحيط الهندي بكل ثقله البشري والاقتصادي والسياسي ..
• ثم هناك قراءتها الدقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية وبالتالي قامت ثوابتها على قواعد راسخة من الحقائق الجيواستراتيجية بعيدا عن المواقف الأيديولوجية المؤقتة التي يمكن أن تتبدل معها التحالفات ..
والواقع أن ثوابت السياسة الخارجية العمانية باتت تشكل حجر الزاوية في الفضاء الخارجي للعلاقات الدولية الذي تعمل سلطنة عمان من خلاله على التأثير في محيطها الجغرافي كدولة محبة للسلام، ساعية إلى تحقيق المزيد من التقارب والتفاهم لحل المشكلات بالطرق السلمية، وتحقيق أكبر الفرص الممكنة لدعم الأمن والاستقرار الدوليين، منحازة لقضايا العدل والتنمية المستدامة والعمل على تحقيق الرخاء للشعوب قاطبة وكذلك سلامة البيئة .
وهي ثوابت تحترم الخصوصية وترفض رفضا باتا التدخل في شؤون الغير كما لا تقبل على الإطلاق التدخل في شؤونها الداخلية ..
وكلها كما نرى قواعد واضحة وصارمة تتسق والقانون والأعراف الدولية التي تؤسس لعلاقات متينة على قدم المساواة تقوم على الصداقة والتعاون والشفافية ..
لقد ارتبط أداء السياسة الخارجية العمانية بالمصداقية التي جعلت من السلطنة دوما قناة حوار تحظى بالاحترام في مختلف الأوساط الإقليمية والدولية وذلك بشهادة عربية وإقليمية ودولية، عبر قناعات بأن لغة السلام والتوافق والاستقرار التي تتبناها السياسة الخارجية العمانية نابعة من قناعات راسخة بأن التعاون المشترك مع كل دول العالم يفسح المجال أمام حلول لمشكلات أكثر أهمية بالنسبة للإنسانية من الخلافات أو الصدام، تتمحور حول محاربة الفقر وإطلاق التنمية المستدامة وتعزيز الأمن وتحقيق الرفاهية وتجاوز المشكلات الراهنة عبر الحوار والطرق السلمية .
لذلك كانت عمان متسقة مع نفسها في دفاعها عن هذه الرؤية فلم تدخل في خلافات أو مشاكل مع أية دولة وتعاملت مع الأطراف المختلفة في إطار القانون والشرعية الدوليين .. والواقع أن عمان في كل مراحل البناء والتشييد لم تنفصل عن محيطها الجغرافي ولا العربي ولا الدولي، وتميزت سياستها الخارجية على كل هذه المستويات بالهدوء والرزانة والفعالية، ترتدي فيه دبلوماسيتها قفازا حريريا ولكنه رصين ومؤثر ونافذ ..
وفي هذا الإطار استحقت مؤشراتها في السياسة الخارجية أن تكون محل تقدير لمصداقيتها كقناة دبلوماسية باتت جديرة بالإسهام في إدارة الكثير من الأزمات .. والدفع نحو الحل السلمي لها . وهو ما يقوم على تغليب روح المصالحة ومبادئ السلام والوفاق والاستقرار . وكانت أول من طبق هذه الروح في إدارتها لملف علاقاتها مع الدول الأخرى . كما أن إسهاماتها الخليجية والعربية جلية واضحة في دعم القضايا وحل المشكلات العربية دون الانحياز إلى طرف ضد آخر فهي ليست على خلاف أو خصومة أو نزاع في أي مشكلة تتصدى للمشاركة في حلها ..
كما ينظر المراقبون بتقدير بالغ للدور العماني في إقامة شراكة سياسية واقتصادية مع مختلف بلدان العالم بما يعطيها في كل الأحوال وعلى كافة المستويات حرية الحركة والعمل على بناء علاقات قوية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
إن نظرة متأنية للدور الذي لعبته السياسة الخارجية العمانية طوال العقود الأخيرة بدءا من موقفها من رفض المقاطعة العربية لمصر، وكذلك رفض المقاطعة لأي من الأشقاء والأصدقاء، وانتهاء إلى هذا الحراك السياسي العربي والإقليمي والدولي مؤخرا يكشف عن رؤية حكيمة وثاقبة في قراءة المشهد الإقليمي والدولي، وفي فهم حكمة صنع القرار وإدارة الأزمات بما يمثل بعد نظر للسياسة الخارجية العمانية، امتد ليشمل أيضا مواقف أخرى مؤثرة تشكل علامة فارقة في السياسة العربية عموما ومنها موقف عمان حيال قضايا عديدة وتحديات مرت وتمر بها المنطقة .
والواقع أنه ليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن المشروع العماني نجح منذ انطلاقه، وخلال فترة وجيزة، في تقديم نموذج مختلف في مجال التنمية بأبعادها الاجتماعية والسياسية، يمتد ليشمل أيضا السياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية والدولية .. وكما حملت سنوات البناء مؤشرات مهمة على الصعيد الداخلي فإننا أيضا أمام مؤشرات أخرى خارجية تتصل بدور عمان الإقليمي والدولي على قدر كبير من الأهمية ..ويعتبر هذا الدور على الصعيد الخارجي جزءا أيضا من مسؤوليتها الثقافية والأخلاقية الذي اطلعت به من خلال دورها التاريخي عبر طريق الحرير القديم، وكذلك رحلات تجارها التجارية البحرية وانفتاحها على العالم القديم، حيث ساعد موقعها الاستراتيجي في أن تكون في القلب من هذا العالم تؤثر فيه بقوة، وهو ما يتجدد الآن بوسائل مختلفة، ومنها أنها شريك في مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تقوم الصين بتنفيذها حاليا . وجدنا ذلك سمة أساسية في علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية قديما وحديثا ..
ومازالت عمان تمارس دورها بحنكة وهدوء، ودون ضجيج أو افتعال، وهي تبني على مواقف أولية برؤية ثاقبة وبعد نظر جعل من سياستها الخارجية سياسة ذات مصداقية ومرجعية تقوم على دعم الاستقرار والسلام والأمن الإقليمي والدولي ..