أمواج عاتية من المهاجرين غير النظاميين تضرب الساحل الأفريقي

الرباط – الأناضول: تشهد شواطئ المغرب أمواجًا عاتية من مهاجرين غير نظاميين من المغرب والدول الإفريقية جنوب الصحراء، إذ تجاوزت المحاولات الفاشلة الـ54 ألفًا منذ بداية العام الجاري، مقابل 50 ألفا خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2017.
وتتعدد أسباب هؤلاء المهاجرين، لكن هدفهم واحد، وهو العبور إلى أوروبا، على الضفة الأخرى، بحثًا عن غد أفضل.
هذه الأسباب، وفق حقوقي مغربي، هي: ارتفاع البطالة بين الشباب، الافتقار إلى دينامية اقتصادية، المقاربة الأمنية في معاجلة الاحتجاجات الشعبية، انتشار مافيات تهريب البشر من المغرب ودول أخرى، وعودة الاقتصاد الإسباني إلى الانتعاش.
ولا يبالي المهاجرون بصعوبات عديدة تكتنف رحلتهم، لاسيما غرق الكثير من المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط، حتى بات يُلقب بـ«مقبرة المتوسط».
المؤسسات الرسمية في المغرب ترسم واقعًا أكثر قتامة لقضية الهجرة غير النظامية، فيما بدأت نقابات وجمعيات غير حكومية التفكير في خطوات جديدة، بعد أن بلغ الاحتجاج مداه.
فمثلًا: اعتصم مكفوفون فوق بناية وزارة التضامن، للمطالبة بتوفير فرص عمل، واستقال 130 طبيبًا من مستشفيات حكومية، ويفكرون في هجرة جماعية.
فيما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي حلبة صراع .. صفحات تبحث عن مرشحين للهجرة، وأخرى تنشر مقاطع فيديو لمحاولات الهجرة.
في ظل هذا وغيره الكثير، يطفو موضوع الهجرة غير النظامية من جديد على السطح في المملكة.

أسباب متعددة

محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان (غير حكومي) قال للأناضول إن «أسباب الهجرة غير النظامية مركبة».
وأضاف أنها «تضم أسبابًا اجتماعية، مثل ارتفاع البطالة وتهميش الشباب، واقتصادية تتمثل في عدم وجود دينامية اقتصادية».
وتابع أن «عودة انتعاش الاقتصاد الإسباني وانتشار مافيات تهريب البشر التي تستهدف المغاربة ودول جنوب إفريقيا، من بين الأسباب الرئيسية».
وأشار بن عيسى أن «المؤشرات تبين أن عودة الهجرة بشكل كبير تم تسجيلها بعد الحراك الذي وقع في (منطقة) الريف (شمال المغرب)».
وبداية من أكتوبر 2016، وعلى مدى 10 أشهر، شهدت مدينة الحسيمة ومدن وقرى أخرى في الريف احتجاجات، للمطالبة بـ«تنمية المنطقة وإنهاء تهميشها»، وفق المحتجين.
وتغذي منصات التواصل الاجتماعي قضية الهجرة، حيث تنتشر عليها بشكل واسع مقاطع فيديو توثق محاولات هجرة شباب مغاربة عبر قوارب من سواحل المغرب إلى إسبانيا.
هذه المقاطع، وبعضها لأسر بأكملها برفقة أطفال، أثارت جدلًا كبيرًا على هذه المنصات وفي وسائل الإعلام المحلية.

وضع اجتماعي مقلق

وأعرب حزب التقدم والاشتراكية (مشارك في الائتلاف الحكومي) عن قلقه بشأن «التطورات الخطيرة لظاهرة الهجرة غير القانونية والأوضاع السلبية المتردية للشباب المغربي».
ولفت الحزب، في بيان له أواخر سبتمبر إلى «التطورات السلبية والخطيرة التي تشهدها ظاهرة الهجرة غير القانونية، خاصة في شمال المملكة».
وأضاف أنه يرافق ذلك «انفلات على أرض الواقع، ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي».
وحذر من أن ذلك يحمل «إشارات سلبية تعبر عن ما يخالج فئات واسعة من الشباب المغربي من إحساس باليأس وفقدان الثقة في المستقبل».
وشدد الحزب على أن «تزايد مظاهر الاحتقان على الساحة الاجتماعية ينتعش في الأجواء السلبية التي تخيم على الوضع العام بالمغرب».
فيما قال «بن عيسى» إن الحكومة المغربية «لم تستطع الاستجابة لمطالب الشباب، المتمثلة أساسًا في توفير فرص عمل، وكذلك عودة قمع الاحتجاجات في كل من الريف وجرادة».
وأفاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي (حكومي)، الشهر الماضي، بأن «الشـباب لا يـزالون يعانـون مـن صعوبـات كبيـرة فـي الحصـول علـى عمل».
وأضاف أن معـدل البطالـة بين الشباب يتجاوز معدلها علـى الصعيـد الوطنـي بــ 6.2 مـرة، وتبلغ نسبة بطالــة الشــباب 40 بالمائــة فــي الوســط الحضــري.
وشدد المجلس على أن «هــذه الوضعيــة تحيل علــى التأثيــر المحــدود لمختلــف برامــج إدمــاج الشــباب (في سوق العمل)».

احتجاجات متنامية

وتدعو النقابات في المغرب إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق في إطار «الحوار الاجتماعي» (يجمع الحكومة وأرباب العمل والنقابات)، مع ضرورة زيادة أجور الموظفين.
وتحدث المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، في تقرير له الشهر الماضي، عن «انفجار الوضع الاجتماعي في شكل احتجاجات شعبية متنامية بمناطق متعددة من البلاد».
ورأى أن هذه الاحتجاجات «وضعت المشاريع التنموية المحلية في مهب ريح سوء تدبير السياسات العمومية المتعاقبة».
وشدد على أن هذه السياسات «لم تقدر، بعد أكثر من ستين عامًا على الاستقلال، على ضمان خدمات الحد الأدنى من الحاجيات الأساسية للمواطنين».
وانتقد المركز «ارتهان سلوك الدولة المغربية في معالجة الاحتجاجات الاجتماعية إلى المقاربة الأمنية».
وأوضح أن هذه المقاربة «تغلب الهواجس الضبطية التحكمية، بعيدًا عن المقاربة التنموية الشاملة التي تنظر في علل الاحتجاجات».
وشدد على أن هذا الوضع «يطرح أسئلة عميقة على القبضة الأمنية وعلى مصداقية شعارات حقوق الإنسان».
والشهر الماضي، هدد أطباء القطاع العام في المغرب بالهجرة الجماعية، إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم، المتمثلة أساسًا في زيادة الأجور وتحسين وضعية العمل.
وقالت النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام، في بيان، إنها تعتزم إجراء بحث ميداني حول رغبة الأطباء في الهجرة الجماعية.
وأضافت أنها «راسلت الحكومة، وحملتها مسؤولية أي تصعيد مستقبلي مع الإعداد قانونيًا وتنظيميًا للخطوات التصعيدية النوعية وغير المسبوقة».
وحدد من هذه الخطوات «الإضراب بالمصالح الحيوية في أفق تعميمه على كل المستشفيات بجهات المملكة دون استثناء، وتعبئة الاستمارات (بيانات) الخاصة بالهجرة الجماعية».

شبكات الاتجار بالبشر

رسمياً، أعلن المتحدث باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي، أن المملكة أحبطت أزيد من 54 ألف محاولة للهجرة غير القانونية منذ بداية عام 2018.
وأضاف الخلفي، في سبتمبر أن الأجهزة تمكنت أيضًا من «تفكيك 74 شبكة إجرامية تنشط في مجال التهريب والاتجار بالبشر خلال العام الجاري».
كما حجزت السلطات «أزيد من 1900 آلية تستعمل في مجال تهريب البشر (زوارق مطاطية، دراجات مائية، محركات مستعملة في الإبحار)».
وردًا على انتقادات، بعضها حقوقية، لفت إلى أن المملكة سبقت وأن اعتمدت استراتيجية للهجرة واللجوء، منذ عام 2013، «تتميز بأبعاد إنسانية وتضامنية».
وأوضح الخلفي أن الرباط سوت الوضعية القانونية لنحو 50 ألف أجنبي، من خلال عمليتين لتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين غير القانونيين، خلال 2014 و2017.