نوافذ – يقال: هذا أسطورة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

في فترة الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، انتشر بين أوساط الناس أسطورة الرجل «الأخضر»، والرجل «العنكبوت»، ومن ثم تلاها الرجل «الحديدي» ولبساطة الوعي الجمعي في ذلك الوقت المبكر – كحال مجتمعنا العماني؛ على وجه الخصوص – مثلت الأفعال الخارقة التي صورتها الدراما الأجنبية لهذه الشخصيات المتخيلة، هاجسا نفسيا شديد الإلحاح لدى الغالبية الكبيرة من الشباب المراهقين في المجتمع، وأصبح تقليد هذه الأفعال مما يثير القلق والخوف لدى أولياء الأمور، ليس كتقليد فقط، وإنما كممارسة على أرض الواقع، وقد وقعت بعض الحوادث؛ كما تم تناقله؛ حيث كان يرمي الشاب نفسه من علو مرتفع من أسطح المنازل، وكانت فعلا إشكالية شغلت أبناء المجتمع في ذلك الوقت.
الحديث هنا يذهب أكثر إلى حيث التصور الذي قاد مؤلفي هذه القصص لهؤلاء الرجال الـ«خارقين» والخارجين عن الطبيعة البشرية المعروفة، حيث إنه ليس من المعقول أن يمارس هذه الأفعال المخيفة والخارجة عن هذه الطبيعة إنسان معروف بقدراته المحدودة التي لا تتيح له كل الممارسات التي يود تنفيذها على أرض الواقع، وإلا لهلك من في هذه الحياة؛ لأن هذه الممارسات بهذه «الصفاقة» أو «النرجسية» لا تعكس سوى حالات التجبر والتعالي التي يمارسها الإنسان؛ في حالات كثيرة؛ بقدراته المحدودة، إلا أن المؤلف يصر على أن الإنسان يملك قدرات أكثر، وباستطاعته أن ينجز أكثر أيضا عندما يتحرر من مفهوم التواضع الذي يلبسه نفسه في مواقف كثيرة، وخاصة في مواقف مواجهة الشر والأشرار؛ حيث يذهب التصور أكثر إلى ضرورة وجود (معادل) كمي أو نوعي، في كل الممارسات التي يأتي بها البشر، سواء أكان ذلك في جانب الخير، أو في جانب الشر، لتبقى الحياة على توازن جميع الكائنات التي تعيش فيها، ويبقى السلطان الأكبر هو لله سبحانه وتعالى؛ حسب الفهم الديني عند البشر أيضا.
ولذلك على الرغم من معرفة الإنسان بقدراته المحدودة، إلا أنه في أحايين كثيرة يذهب إلى اعتناق سلوكيات خارجة عن قوته المتواضعة والمحدودة، طبعا ليس بهذه «الصفاقة» التي يصورها مرجوا هذه الأفلام؛ التي تأخذ جل اهتمامنا؛ عندما نشاهدها، ولكن وفق ما يتيسر له من قوة؛ ولذلك فالإنسان في مواقف كثيرة يستبسل متجاوزا قدراته المحدودة، فالمهم ألا يظهر أمام الآخرين بعجزه أو ضعفه عن تحقيق ما يصبو إليه، وهذا أمر محمود في ظل أنه «لا ضرر ولا ضرار» حيث تقتضي الضرورة الابتعاد نهائيا عن الدخول في دوائر الآخرين، أما بخلاف ذلك، ووفق ما هو مقبول – شرعا وقانونا – فلا بأس به، بل هناك إشادة لمواقف الحزم والشدة في بعض الأحيان، والنص المعروف حول ذلك هو ما يشير إليه الحديث الشريف فيما يروى عن أَبو هُرَيْرَةَ رضِيَ الله عنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
يأتي الفهم عند الناس؛ غالبا؛ هو الإشادة بالذين يأتون بالأفعال الخارقة، حيث ينزلهم المجتمع منازل الأبطال والشجعان، وهذا ما يشجع البعض من الناس الذين يستهويهم مثل هذه التميز، فأبطال سباقات السيارات أو الدراجات المثيرة، أو تسلق الجبال عبر المنحدرات الخطيرة جدا والمخيفة، وغيرها من المشاهد التي توقف نبضات القلوب، هي امتداد لهذه الأفعال الخارقة التي تستهوي الأفراد في أي مجتمع بلا استثناء، ولذلك جاء هذا التصور من قبل مؤلفي هذه الأفلام، لامتصاص هذه الثيمة الغريزية عند البشر، وتوظيفها في الواقع بهذه الـ«صفاقة» المبالغ فيها كما أرى وأقدر، وأصفها بالصفاقة لأنها تعطي انطباعا سلبيا آخر، وهو حسبما يعبر عنه العض بالقول: «إن لم تكن وحشا أكلتك الوحوش».