الأمين العام لمكتب الإفتاء: الإمام جابر تتلاقى فيه جميع الأفكار التي تشكّل المفهوم الإسلامي القائم على تكامل العقل والنقل

من حيث حكم النص الديني وفهم العقل السليم –
عرض: سيف بن سالم الفضيلي –

أكد سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام بمكتب الإفتاء أن الإمام جابر بن زيد شخص تتلاقى فيه جميع الأفكار التي تشكّل المفهوم الإسلامي القائم على تكامل العقل والنقل من حيث حكم النص الديني، وفهم العقل السليم.
وقال في بحث قدمه بعنوان: «تكامل العقل والنقل في فكر الإمام جابر بن زيد» في ندوة الإمام جابر بن زيد التي أقيمت بالنادي الثقافي الأسبوع الماضي إن الإمام شخصية عظيمة اجتمعت فيها الأمة الإسلامية ثقة بالعلم، وشهادة بالفضل، لأنه نال شهادة عدد من الصحابة الكرام رضوان الله عنهم باعتباره تلميذاً لهم، كما أنه نال شهادات عدد من علماء التابعين باعتباره زميلاً لهم، معطين له القيادة العلمية.
مشيرا إلى أن الأمة الإسلامية قد وثقته، وفي ظني أنها لم توثق أحداً غيره بعد الصحابة وتلك منزلة لا تدانيها أو تضاهيها منزلة.
بدأ البحث ببطاقة تعريف عن الإمام جابر؛ أعلم أن هنالك الكثير من الباحثين إن لم يكونوا جلهم قد عرّفوا بالإمام جابر بن زيد، وترجموا له.
غير أنه لعل في هذه البطاقة التعريفية المختصرة شيئاً من الفائدة، يضاف إلى ما في تلك البحوث، فأقول:
الاسم: جابر بن زيد اليحمدي الأزدي، من بني عمرو بن اليحمد.
قال ابن دريد: ومن ولد عمرو بن اليحمد، جابر بن زيد الفقيه، ومن بطون اليحمد، المــُجد، وهو بنو ماجد، والشُري، وهو بنو شار. والإمام جابر من بطن المجد.
صحابية زيد: الظاهر أن أباه زيداً كان صحابياً، فقد أورد له الجصاص رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيها: روى أبو معاوية عن ابن جريج عن جابر بن زيد عن أبيه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن محرم أتي بلحم صيد يأكل منه، قال احسبوا له.

تابعية جابر: أما الإمام جابر فهو على الصحيح تابعي بل من كبار التابعين، وسيدهم وإمامهم وثقتهم.
تاريخ الولادة: ولد في أحد العامين، 18، 21 للهجرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
مكان الولادة: بلدة فرق القريبة من مدينة نزوى، وهي حالياً داخلة فيها، حيث أصبحت منطقة من مناطقها.
اسم الزوجة: آمنة، وهي زوجته المعروفة، وكانت له زوجة أخرى، قيل إنه كان يعدّ القــُبَل بينهما، وهذه هي قمة العدالة الزوجية.
اسم البنت: الشعثاء، وهي المعروفة والمكنـــّى بها، ويقال إنها توفيت في بلدة فرق وبها قبرها.
أشياخه: صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجاته، وأكثر ما أخذ وحمل من علم عن ابن عباس رضي الله عنهم، «أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم إلا البحر» المقولة المنقولة عنه.
تلاميذه: حمل عنه خلق كثير، وفي مقدمتهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله عنه.
تاريخ الوفاة: سنة 93 هـ على الراجح والصحيح.
ثم عرج سعادته الى (تكامل العقل والنقل في فكر الإمام جابر) فذكر أولاً: المظاهر العقلية، وقال: والمقصود هنا هو العقل الكسبي الذي هو العقل الثاني، ولكن لا بد من اعتماده على العقل الغريزي الذي هو العقل الأول.
وتتجلى المظاهر العقلية عند الإمام جابر في «الزهد» أولا، كان الإمام جابر على غاية من الزهد في الحياة، كيف لا يكون كذلك؟
أليس هو القائل لأصحابه: ليس منكم أحد أغنى مني ما عندي درهم وليس عليّ دين.
وقال: طلبت من ربي ثلاثة أشياء، وقد منحها لي: زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقاً كفافاً حلالاً يوماً بيوم.
وقال: مضى من عمري ستون سنة، نعلاي هاتان أحبّ إليّ مما مضى، إلا يك خيراً قدّمته).
وقال: ما أملك من الدنيا إلا حماراً.
ولذلك قال فيه محمد بن سيرين: كان أبو الشعثاء مسلماً عن الدرهم والدينار.
والزهد في الدنيا عن أطماعها من أهم روافد العقل بالحكمة والحكمة هي ثمرة العقل.
وقد روى جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً قال: ما من عبد زهد في الدنيا إلاّ أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا، داءها ودواءها، وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام.
قال نور الدين السالمي رضي الله عنه:

إن ملاك الدين يا صاح الورع * وإنما يهدمه منك الطمع

«الاتصال بالناس» ثانيا: كان الإمام جابر متصلاً بالناس ومتواصلاً معهم على اختلاف مشاربهم، وتنوّع أفكارهم، وتعدد مبادئهم، حتى أنه كان على علاقة جيّدة مع يزيد بن أبي مسلم الثقفي بالولاء وزير الحجاج بن يوسف، كما أنه كان يلتقي بالحجاج عن طريق وزيره المذكور.
وكان قد زاره ذات مرة، فأعجب الحجاج بعلمه، وقال له: نجعلك قاضياً بين المسلمين.
بيد أن جابراً تهرّب من ذلك باعتذار لطيف، قائلاً للحجاج: إني أضعف من ذلك، فسأله، وما مبلغ ضعفك ؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر، فلا أحسن أن أصلح بينهما.
وكان يزوره الوزير يزيد بن أبي مسلم في بيته، وكان يبالغ في إكرامه تقديراً له ولعلمه وفضله.
والظاهر أنه كان على صلة مع والي البصرة الحكم بن أيوب، ولكنه ما كان يجد فرصة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ انتهزها معهم، مستعملاً اللياقة واللطف.
على أن جابراً لم تكن زياراته مقتصرة على المسؤولين، فقد كان يزور جميع الناس، مثل عاتكة بنت المهلب بن أبي صفرة وأخواتها وأمهن، وزار أيضاً مالك بن دينار الذي كان عمله قائماً على نسخ المصاحف بالأجرة، وقد أذن له الإمام جابر في ذلك، كما أنه زار الحجاج بن عيينة.
هذا التواصل مع الناس أعطى الإمام جابراً مرونة في التعامل مع الآخرين بعقل منفتح غير متزمت، فصار مقبولاً عند الجميع رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، مسئولين وغيرهم.
وقد أجاز لأتباعه تولي المناصب في الدولة الأموية وكانوا يوجّهون إليه الأسئلة فيما يتعلق بطبيعة عملهم وكان يجيبهم، وقد عمل مفتياً على البصرة في عهد الدولة الأموية، بل مفتياً للأمة.
وقد ذكر أبو يعقوب الوارجلاني رضي الله عنه: أربعة أمور يجوز العمل للجبابرة فيها وهي: الجهاد والغزو في سبيل الله وولاية الجيش، شريطة معرفته بكونهم جبابرة ليسوا على حق، حتى يحترز لدينه.
ومما يجوز «الفتوى»، قائلاً: إن أمور الفتيا ليس به باس من عالم صالح إن كان لا يقارّهم على مذهبهم، ولا يسوّغ لهم شيئاً من الباطل، كجابر بن زيد رحمه الله، فلا باس وهو المتولي الفتوى بالبصرة أيام الحجاج بن يوسف.
كذلك القضاء والأحكام وولاية القسّام.
وأيضا تولّي خراج الأرضين والسعاية على الصدقات والعشور والزكوات، والكنوز والرسل والرسائل والبرد والنفقات وتفصيل العطايا والدواوين.
مع تحفظه على المأموريات الأخيرة مشدداً على من يتولاها، مظهراً تخوفه عليه منها.
من هذا التواصل عرف الناس الإمام جابراً وعلمه وعقله، فقد روى حفيده العلمي الربيع بن حبيب رضي الله عنه عن بعض الناس قوله:
أتيت جابر بن زيد في بعض الفتيا مما يبتلى به الناس، فما أعلم أني كلّمت فقيهاً ولا عالماً ولا أميراً قط أعلم منه، ولا أعقل منه).
«حساب الأمور»، ثالثا: كان الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه يحسب للأمور حسابها، ويستشرف مآلاتها، دون أن يتهوّر فيما لا تحمد عقباه.
فهو لم يصطدم بالدولة الأموية، وإنما ظل متواصلاً مع مسؤوليها، وأجاز لأتباعه العمل تحت قيادتها مع أنه كان يرى عدم شرعيتها، وقد ظل يعمل على نشر العلم بالإفتاء والتدريس والإرشاد، الأمر الذي مكّنه من تكوين أشخاص حملوا فيما بعد أمانة العلم ومسؤولية العمل، وفق المنهج الإسلامي الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم، وسار عليه خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم، قبل أن ينحرف بذلكم المنهج المبارك القويم المستقيم سلوك بني أمية الذين عايش وعاصر الإمام جابر النصف الأول من دولتهم.
ومع أن موقفه منهم معروف، ولم يرتض تولّي القضاء لهم، لأنه هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: يحشر الظلمة وأعوانهم على بري قلم أو بمدة ليقة في النار.
لكنّه لم يخرج مع من خرجوا في ثورة محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وثورته كانت في سني 81–84هـ، واجتمع عند ابن الأشعث خلق كثير فيهم العلماء والزهاد، وخلع فيها طاعة الحجاج وعبدالملك بن مروان، فلم يخرج الإمام جابر معه، ليس لأنه لا يرى الخروج على الدولة الأموية، وإنما رأى الأحوال غير مواتية للخروج، لأن الدولة الأموية على عهد عبدالملك بن مروان كانت في عنفوان شبابها وقوتها، ومن شأن الدولة أن لا تسقط في مثل هذه المراحل من أعمارها.
ومن المعلوم أن مذهبه ومن بعده أصحابه جواز الخروج على الحاكم الجائر، وهو قول وسط بين القول بوجوب الخروج والقول بعدم الجواز.
والعاقل هو الذي يزن الأمور بموازينها، ويضعها في محلها، فإذا ما كان الخروج يؤدي إلى نتيجة طيبة لصالح الإسلام والمسلمين كان أفضل وإلا فلا، حتى لا يعرّض الإنسان نفسه إلى الخطر والهلاك، فقد روي عن ابن مسعود قال: ما من كلمة تدفع عني ضرب سوطين إلا تكلمت بها، وليس الرجل بأمين إذا ضرب أو عذّب، أو حبس أو قيّد).
وكان الإمام جابر والحسن البصري في البصرة كما يقال كعينين في جبين، وكان أهل البصرة يفضّلون الحسن عليه فلما خرج الحسن مع ابن الأشعث أخذوا يفضّلون جابراً.
وصدق أيوب السختياني في وصفه جابراً بقوله: كان لبيباً، لبيباً، لبيباً.
ومن حسابه للأمور حرصه على إخفاء بعض الخطابات التي كان يرسلها إلى بعض تلاميذه إجابات على رسائلهم وأسئلتهم، فقد كتب إلى سالم بن ذكوان الهلالي قائلاً له: واعلم أنه لا يعجبني أن تترك لي عندك كتاباً إلاّ محوته، ولا تروِ عني شيئاً مما أكتب به إليك.
وكتب إلى طريف بن خليد: ما كتبت إليك من كتاب فامحه.
ولكن السؤال الذي يدور في الأذهان، أنه كيف أمر الإمام جابر هذين الشخصين بمحو ما كتبه إليهما ؟.
وفي رأيي: إنه ربما كان ذانك الشخصان لهما نشاطات حركية في التنظيم الدعوي للإمام جابر، وربما أنهما كانا مراقبين في حراكهما الدعوي ذي التوجّه السياسي.
وعن «المظاهر النقلية» لدى الإمام جابر بن زيد فيبيّن السيابي انها تتجلى في أربعة أمور أولها «التكوّن العلمي»، فمما عرف عن الإمام جابر، حبه للعلم وشغفه به منذ الصغر وما رحيله من عمان إلى البصرة ثم الحجاز إلا دليل على ذلك، وكذلك ترددّه على الحجاز مكة المكرمة والمدينة المنورة حرسهما الله تعالى، للقائه بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
والظاهر أنه كان حريصاً على تسجيل كل شيء عنهم سواء رواياتهم أو آراؤهم.
وقوله رضي الله عنه: أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم إلا البحر دليل كاف على اجتهاده في طلب العلم، واستيعابه لما عندهم من علم، ما عدا بحر الأمة عبدالله بن العباس رضي الله عنه، وهو الذي يقصده بقوله، إلا البحر.
ومن مظاهر حرصه على تتبع دقائق علم الشريعة ومعرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية والقولية والتقريرية، أسئلته الدقيقة وربما المحرجة للسيدة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: دخل جابر بن زيد على عائشة رضي الله عنها، قال: فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها عنها أحد من قبل، سألها عن جماع النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كان يفعل، وإن جبينها يتصبب عرقاً، وتقول سل يا بني.
وقد أورد الإمام النووي في كتابه المجموع: أنه كان يسألها عن أخص أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حتى جماعه وكانت رضي الله عنها تخجل حتى ليحمرّ وجهها، وهي تقول له: سل يا إبناه، وصاحب الرواية هنا عروة بن الزبير وهو ابن أختها.
ولعل البعض يستغرب أو يستنكر ما جاء في الرواية من سؤال الإمام جابر أم المؤمنين عن جماع النبي صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي دفع الشيخ أبا إسحاق إبراهيم أطفيش إلى القول: بأن السؤال عن مقدمات الجماع، وليس عن الجماع مستدلاً بما فهمه عن الإمام محمد بن يوسف اطفيش من توجيه لمعنى الرواية.
وأقول: إنه لا مانع من الأخذ بالرواية على ظاهرها، لأن السيدة عائشة رضي الله عنها باعتبارها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم هي أم المؤمنين {وأزواجه أمهاتهم}، وإن كانت الأمومة هنا ليست من باب المحرميّة، فهي أمومة أدب ودين والمسألة مسألة دين، وكل حركة في الحياة في نظر الإسلام مؤطرة في إطار الدين وفق الأحكام الشرعية الخمسة الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح التي قرّرها الفقه الإسلامي.
ومن المعلوم أنه في حكم الإسلام حتى كيفية الجماع التي ربما سأل عنها جابر، هي متطلب من متطلبات الإسلام، وإذا لم يعرف المسلمون ذلك عن نبيهم عليه الصلاة والسلام، فعن من يعرفون ؟.
إذن لا غضاضة في إجراء الرواية الجابرية العائشية على ظاهرها وإذا كان جابر لم يذكر جوابها له في ذلك، فلعله حفظه في نفسه ليفتي الناس به عندما يسأل عنه، ولم يذكر الحديث عن عائشة تأدباً معها ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي أن يعترض معترض، أو يقدح قادح.
وفي سياق التكوّن العلمي لدى الإمام جابر، ما أورده الإمام أبو سعيد الكدمي في كتابه الاستقامة: إن الإمام جابر خرج ذات يوم على أصحابه يتكئ على عكــّاز، قالوا له، أو قيل له: أين تمضي يا أبا الشعثاء؟ قال: أتعلم ديني.
وذلك يعني أن الإمام جابراً كان مستمراً في طلب العلم والتعلم، لم يثنه كبر السن، وانحناء الجسم، وبذلك امتلأ جابر علماً، وصار فيه إماماً، وللأمة مفتيا.
وثانيها: «العبادة» فالعبادة هي روح الدين الإسلامي، وفي مقدمتها الصلاة التي هي من أهم مظاهر الدين، فهي كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم أنها عمود الدين: لكل شيء عمود، وعمود الدين الصلاة.
وأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة كما جاءت الرواية بذلك.
وكان الإمام جابر من المجتهدين في العبادة، فقد وصفه ابن الأعرابي بالقول: وكان من المجتهدين في العبادة.
وقال عنه الشماخي: وكان أعلم الناس، وأورع الناس وأعبد الناس.
ولتمسكه الشديد بالدين، واجتهاده في العبادة كانت له نظرة جميلة وراقية إلى تصنيف أعمال الإسلام، وأهمية كل منها، فقال: نظرت في أعمال البر، فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج، أفضل من ذلك.
ولذلك كان شديد الحرص على الذهاب إلى أداء الحج كل عام لكي يقوم بإفتاء الناس وارشادهم وتوجيههم، لا سيما أصحابه من عمان واليمن وخراسان وسائر الأقطار الأخرى، وحدث ذات سنة أن حبسه عامل البصرة عن الذهاب إلى الحج قائلاً له: إن الناس يحتاجون إليك ولم يطلقه إلا بثبوت رؤية هلال ذي الحجة بشفاعة جماعة من الناس، فأطلقه ظناً منه أن جابراً لا يمكنه الذهاب إلى الحج، غير أنه لما وصل إلى منزله أمر زوجته أن تجهّز له زاداً للطريق، وأمرها بكتمان الأمر وركب ناقته وهو يتلو قول الله تعالى {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} حتى أدرك الحج في عرفة وعند وصوله الموقف بعرفة ضربت ناقته بصدرها الأرض من شدة الإجهاد، فظنّ الناس هنالك أنها ربما تموت، فقالوا له: ذكّها، ذكّها، وذلك حتى يستفاد من لحمها.
ولكن جابراً كان وفياً لناقته، فقال: حقيق لناقة رأت الهلال في البصرة أن لا يفعل بها هذا.
وكان من أريحيته في العبادة، أنه إذا وقف على الصفا والمروة يرفع صوته بالدعاء، رفعاً قوياً، حتى شبهته المصادر بالأعرابي الجافي.
ثالثها: «الإفتاء» والإفتاء هو تبيين الأحكام الشرعية للمستفتي، وهي مهمة الأنبياء والرسل، بل صفة من صفات الله الفعلية، لقوله عز وجل {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ } {النساء/‏176}.
وبعد الله وأنبيائه ورسله، صارت الفتوى من مهمات العلماء العاملين، والأئمة المخلصين.
وقد اشتهر عن الإمام جابر جلوسه للفتيا، وكانت له حلقة للإفتاء في البصرة قال ابن الأعرابي: كانت لأبي الشعثاء حلقة بجامع البصرة يفتي فيها.
ونظراً لاشتهار جابر بالعلم والفضل الأمرين اللذين أكسباه ثقة الناس، كان الحجاج بن يوسف يستفتيه عن طريق وزيره وكاتبه يزيد بن أبي مسلم الثقفي بالولاء، وقد سأله مرة في شيء من أمر القدر، فقال جابر للوزير قل للأمير: يكثر ترديد خطبته، فإن فيها بيان ما سأل عنه، فردّدها الحجاج مراراً فلم ينتبه بادئ الأمر، ثم انتبه إلى قوله { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فلا هادي له} قال الحجاج لوزيره: ويحك يا يزيد ما أعلم صاحبك.
حتى وهو كان في السجن، كانوا أرسلوا إليه يستفتونه في ميراث الخنثى، كيف يورّث ؟
فقال لهم قبل أن يجيبهم، تسجنوني وتستفتوني، ثم أجابهم: انظروا من أيــّهما يبول، أي إذا كان بوله كبول الذكور فيورث ميراث الذكر، وإذا كان بوله كبول الإناث، فيورث ميراث الإناث.
والظاهر أن ذلك السجن كان في زمن إرسال الحجاج حملاته إلى عمان لإخضاعها للدولة الأموية على عهد سليمان وسعيد آل الجلندى ملكي عمان.
ولعل حبسه كان احتياطياً لئلا يتصل بقومه أهل عمان، أو يتصلوا به، أو لسبب آخر.
ومما يدل على عمق فهمه لأحكام الشريعة وأسرارها ومقاصدها، أنه لما هدم عبدالله بن الزبير الكعبة الشريفة، ليعيد بناءها على قواعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
احتار الناس في الطواف، كيف يطوفون، هل من خلف الحجارة حيث وضعت أو من خلف الأساس.
حتى دخل الإمام جابر فلما رآهم وقوفاً لا يطوفون، عرف الذي بهم، فمضى وطاف من حول الأساس، وتلا قول الله تعالى { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} {النمل/‏91} فكان أول من طاف وطافوا بعده.
وعقّب نور الدين السالمي على هذا بقوله: وهذه من مناقب أبي الشعثاء ومن فضائله التي لا يدرك شأوها، والله يدّخر من مواهبه لمن شاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
على أن فتاوى الإمام جابر كما يقول يحيى بكوش: الحكمة منها الرفق بالناس، والتوسعة عليهم، دون إخلال بأحكام الشريعة، أو من حق من حقوق الله.
رابعها: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جند من جنود الله عزّ وجّل، لا بد لتطبيق الأحكام الشرعية منها، وهما على درجات ثلاث، باليد أو باللسان، أو بالقلب، حسب الظروف والأحوال.

وقد عرف عن جابر حرصه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان لا يتوانى في ذلك؟
دخل المسجد الحرام ذات يوم فرأى رجلاً يصلّي فوق الكعبة فناداه بأعلى صوته قائلاً: يا من تصلي فوق الكعبة لا قبلة لك، وكان ابن عباس في ناحية من المسجد، فقال: إن كان جابر هنا فهذا القول منه، لأنه رضي الله عنه كان عارفاً بتلاميذه.
وتلك هند بنت المهلب تتحدث عن جابر قائلة: كان جابر بن زيد أشد الناس انقضاضاً إليّ وإلى أمي، وكان لا يعلم شيئاً يقربني إلى الله عز وجل إلاّ أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عنه إلا نهاني عنه، وكان ليأمرني أين أضع الخمار، وتضع يدها على الجبهة لتبيّن موضع الخمار من جبهة المرأة المسلمة.
كيف لا يكون ذلك من جابر، وهو قد روى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: لا يمنعنّ أحدكم مخافة الناس أن يتكلّم بالحق إذا شاهده، وينكر الباطل إذا قدر عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: قل الحق وإن كان مراً، ولا تشرك بالله شيئاً وإن عذّبت أو أحرقت.
وقد فسّر هو نفسه الشرك الوارد في الحديث بأنه الشرك بالقلب.

وأمّا باللسان فقد أباحه الله لمن أكره. ومواقفه رضي الله عنه في هذا الأمر كثيرة.
وفي خاتمة البحث أتى سعادة الشيخ بأقوال رائعة جداً من روائع الإمام جابر بن زيد، وهي تدل على جمعه بين المعقول والمنقول، ويظهر فيها استيعاب العقل الجابري للنص الديني ليخرج لنا روائع من القول تعبّر عن عميق الفهم للدين الإسلامي، وهذه الروائع هي:
قوله: إن الله نصب الإسلام للناس، وأمرهم بطلبه، والناس بين مصيب ومخطئ.
وقوله: ليس للعالم أن يقول للجاهل، أعلم مثل علمي، وإلاّ قطعت عذرك، وليس للجاهل أن يقول للعالم، أرجع إلى جهلي، وإلاّ قطعت عذرك، فإذا قال العالم ذلك للجاهل قطع الله عذر العالم، وإذا قال الجاهل ذلك للعالم قطع الله عذر الجاهل.
وقوله: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه.