المناسبات الوطنية.. نقطة استراحة وتجديد عزم

تأكيد على غرس الهوية الثقافية للمجتمع –
د.صالح بن سعيد الحوسني –

يمثل الرصيد التاريخي والحضاري لأي شعب من الشعوب زادا عظيما ووقودا ملهما لأفراد المجتمع؛ لأن الإرث الموغل في القدم والضارب في جذور التأريخ يساهم مساهمة فاعلة في تحريك الهمم وإشعال العواطف، وتحفيز الوجدان وبعث الطاقات؛ ولذا كانت الناس تنظر إلى الأبناء على أنهم امتداد للآباء، وأن صلاح الآباء يسري عادة على الأبناء فيظهر في خلقهم وتعاملهم واستقامتهم، وهو أمر معروف منذ القدم؛ وفي قصة السيدة الطاهرة مريم ابنة عمران ما يدل على ذلك فشاءت إرادة الله تعالى أن يولد سيدنا عيسى عليه السلام من غير أب، وكان ذلك مثار تعجب واستنكار ممن كان هناك، وعندما خرجت السيدة مريم به تحمله في يدها قالوا بلسان الحال: (..يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا)، فهنا ذكرّوها بأصلها العظيم من قبل الأب والأم، وأنه لا يليق بالفرع إلا أن يشبه الأصل الذي خرج منه، لأن التاريخ الحافل بالمكارم والمنجزات مما ينعكس خيره على الأجيال فإن رأى الجيل الجديد آباء وأجدادا أسهموا في رفعة وطنهم بحسن فعالهم وطيب أخلاقهم وعلو همتهم أحدث ذلك دافعا لدى اللاحق في اقتدائه بالسابق، وهو ما حدا بقوم السيدة مريم أن ينكروا عليها ما رأوه منها بعد أن ذكرّوها بآبائها وتاريخهم المجيد، وهو قبل أن تتبين لهم حقيقة الأمر المعجز الذي اختصها الله به.

ويحكي لنا القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام مع الخضر العبد الصالح عندما سار موسى معه لغرض أن يتعلم منه ما يكون زيادة في الرشد والخير، فكان أن مرّا بجدار يريد أن يسقط فأقامه الخضر عليه السلام وأصلحه، فتعجب سيدنا موسى من ذلك كيف يقوم ببناء جدار لأناس لا يعرفون للضيف حقه، ولا يقومون بإكرامه، وكان من الطبيعي أن تكون المعاملة بالمثل أما أن يعْمَد إلى جدار مائل معرض للسقوط فيعيد بناءه فهو أمر عجيب يحتاج إلى بيان، فكان أن أظهر الحكمة من ذلك بقوله: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك..)، فهنا تكشّف الأمر ووضح عندما ذكر أن كنزا دفينا تحت ذلك الجدار وهو لغلامين يتيمين ويخشى أنه بانهيار الجدار يظهر ذلك الكنز الدفين، فيكون عرضة للنهب والسرقة مع صغر سن الغلامين وعدم قدرتهما على استعادته فكانت الحكمة أن يبقى في موضعه ريثما يكبران ويمكنهما الانتفاع به وهو راجع إلى صلاح أبيهما الذي قيل إنه الجد السادس، فكان ذلك الصلاح والالتزام من قبل الأب قد انعكس توفيقا وسعادة وخيرا وفيرا لمن يأتي من بعدهم من الأبناء.
وها هو نبي الله يوسف عليه السلام عندما كان في السجن مع الرجلين، وكان لهما ناصحا ومعلما فكان يناديهما بالصاحبين تحببا إليهما وتقربا منهما ليستمعا لكلامه، وكان من جملة ما قاله لهما إنه اتبع ملة وطريقة آبائه الأخيار الذين أخلصوا العبودية لله وقاموا بما يلزم من أوامر الله تعالى، فكان ذلك لهم من الله فضلا وخيرا، وهو يشير إلى أن طريقة الآباء قد ترسمها سلوكا وفكرا وعملا؛ قال تعالى: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون).
واجتماع الناس لتذاكر السير والأخبار السابقة والوقوف على آثار العظماء ومآثرهم أمر درجت عليه الشعوب قديما وحديثا، فكان لكل شعب أيام معروفة تمثل منعطفات مهمة تكون محطات يلتقي فيها أبناء الشعب الواحد لغرض نشر تلك الفضائل والإشادة بها وتذكير الناشئة بها، وها هو القرآن الكريم يذكر لنا أن فرعون الطاغية الذي بلغ من الجبروت والظلم مبلغا عظيما، ومع ذلك كان لهم يوم يجتمعون فيه يخرج الناس فيه بزينتهم، كما قال تعالى في ذلك: (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى)، فهو يوم عيد لهم يخرجون بزينتهم ويلتقون في مكان واحد، ومن الطبيعي أن يكون لهم في هذا اليوم تذاكر لمآثرهم وتاريخهم دفعا للأجيال نحو المزيد من الجهد والعمل لرفعة وطنهم، وكان للعرب أيام في الجاهلية يلتقون فيها يتذاكرون مفاخرهم ويعرضون أشعارهم ويشيدون بهويتهم وانتمائهم للقبيلة ونحوها.
ولذا عمدت الشعوب خاصة في العصور المتأخرة إلى تحديد يوم يكون لهم فيه وقوف مع تاريخهم المجيد وآثارهم الحاضرة، ومنجزاتهم في مختلف المجالات والجوانب العلمية والحضارية والاجتماعية والسياسية والتربوية وغيرها من مجالات الرقي والحضارة الإنسانية؛ ليكون ذلك اليوم منطلقا لمزيد من العمل الدؤوب المثمر ومحطة لشحذ الهمم نحو مستقبل أرحب من البناء والتعمير والجد والاجتهاد، فلا يكفي أن يتم الاقتصار على التغني بمآثر الأسلاف والترنم بما حققه السابقون الذين أدوا أدوارهم وانتقلوا إلى القبور كما يقول القائل: «إنا وإن كرمت أحسابنا يوما لسنا على الأحساب نتكل، نبني كما كانت أولاؤنا تبني ونفعل مثلما فعلوا»، وكما كان يعاب الأفراد إن اكتفي بالتمسح بقبور السابقين وترديد أمجادهم مع التقصير البين والتراجع الفاضح عن سيرهم وأخلاقهم وحسن فعالهم كما يقول القائل: لئن فخرت بآباء لكم سبقوا نعم الرجال ولكن بئس ما ولدوا. وجدير بالقائمين على أمثال هذه الفعاليات أن يلتفتوا إلى جملة من المرتكزات والقيم لتكون هذه المحطات الوطنية محققة لثمارها المرجوة منها ومن أهمها: – التركيز على ما يربط الأجيال الحاضرة بماضيهم التليد فليس كل ماض ينبغي أن يحتفل به وأن يهتم به فليست الشعوب وما يقع لها عبر تاريخها خلوا من الهنات والسقطات والمثالب؛ لأن من طبيعة البشر الخطأ، كما قال عليه السلام: «كل ابن أدم خطأ وخير الخطائين التوابون»، ولذا يحسن بالقائمين على هذا الشأن أن يوجهوا نظر الأجيال إلى تلك المآثر الكريمة والخلال العظيمة والشواهد الطيبة التي خلفها الآباء والأجداد؛ ليكملوا ذلك البناء الضخم ويواصلوا حيث انتهى أولئك العظماء، وأما الأخطاء والهنات والسقطات فهذه أيضاء يستفاد منها لا للوقوع فيها مرة أخرى، وإنما للحذر منها والابتعاد عنها ودراسة أسبابها وظروفها وما نتج عنها من أضرار على المدى البعيد أو القريب.
– التأكيد على ثمرة هذه الاحتفالات كونها تدفع نحو مزيد من الجهد والعمل والبناء لهذا الوطن العزيز، فليست الوطنية شعارات تغنى أو أغان تلحن أو أهازيج يترنم بها، وإنما الوطنية حب وانسجام بين الإنسان ووطنه ليجعل رفعة وطنه فوق أي اعتبار أو أي غرض أو شأن، فما أكثر تلك الأصوات التي يعلو بها صاحبها في المنتديات والمحافل ووسائل الإعلام التي يكثر فيها الزعم ويملأ الأرض صراخا أنه محب ولِهٌ لوطنه ولكن الأفعال والشواهد بخلاف ذلك تماما، فهي معول هدم في بناء هذا الوطن، وكأنه يتمثل قول القائل: وإذا «ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا»، كما نرى أن البعض يكتب الخطب الطوال والعبارات المنمقة ولا يكاد يحل في مجلس أو موقع إلا ولسانه يردد الكلمات الوطنية، وقد يظهر ذلك في شكله بوضع ما يدل على وطنيته العميقة، ولكن للأسف نجد أفعاله وطرائق حياته مختلفة تماما عما يظهره فلا احترام لنظام ولا اعتبار لمنهج ولا التفات إلى قيم ونحوها. – التأكيد على غرس الهوية الثقافية للمجتمع برعاية الفكر القويم وغرس القيم الراقية، والتأكيد على محبة الأرض، والإلمام بالتاريخ مع الحرص على رعاية اللغة التي هي الوسيلة العظيمة لنشر الفكر القويم.
– الاستفادة من هذه الاحتفالات بالتحذير من الفكر الدخيل المستهجن الذي أخذ يدخل علينا من غير استئذان خاصة مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وضروب وسائل الإعلام المختلفة، وذلك ببيان أثرها السيئ الخطير، وتأثيرها على الأجيال، وضررها على المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية.
– التأكيد على الرموز والقدوات الوطنية: ففي أي مجتمع ودولة رجال ونساء ضحوا بأوقاتهم وأعمارهم وأموالهم لرفعة المجتمع ووصوله لأعلى درجات الرقي وكان نتاجهم الخير والسعادة لمجتمعهم.
– التأكيد على دلائل الهوية وخصائصها من نحو السمات الظاهرة، والعواطف المشتركة وقيم الولاء وإبراز السلوك القويم والأخلاق الراقية في كل شؤون الحياة ومجالاتها المختلفة سواء أكان في البيت أو المدرسة أو الشارع وأماكن العمل وغيرها لأن الأخلاق هي أساس قوة الشعوب وثباتها واستمرارها.
– إظهار هذه الخصال وإبرازها للمجتمعات الأخرى: فمن التقصير أن نمنع هذه المزايا والمكتسبات لتظل حبيسة في إطار ضيق، وإنما على المختصين إبراز هذه الخصال والصفات وتصديرها لمن يحتاج إليها ليتم الانتفاع بها وتعميمها.
ولأجل ذلك كان ولا بد من مراعاة هذه القيم والمرتكزات لإنجاح هذه الفعاليات الوطنية ولتكون ثمارها يانعة زاكية ترقى بالمجتمع وتأخذ به لأقصى درجات العزة والكرامة.