التكافل مفهومه وعناية الإسلام به

جاء في كتب اللغة أن الكَفِيْل: الضامِنُ للشَّيْ، وكَفَلَ به يَكْفُلُ كَفَالَةً، والْكَفَالَةُ الضَّمَانُ مِنْ حَدِّ دَخَلَ، وَأَصْلُهَا الضَّمُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ كَفَلَ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا ضَمَّهُ إلَى نَفْسِهِ يَمُونُهُ وَيَصُونُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}، والكافِلُ: الذي يَعُوْلُ إنساناً.
ويعرف بعضهم التكافل بأنه التزام الأفراد بعضهم نحو بعض في المجالات المادية والمعنوية على حد سواء، ويعدد مصطفى السباعي أقسام التكافل إلى أقسام عدة، التكافل الأدبي: وذلك بوحدة المشاعر وأن يحب المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه، والتكافل العلمي ويكون بإشاعة العلم وعدم كتمه واعتباره حقا للناس فحق العلم وزكاته نشره والتكافل السياسي وفيه تبادل الحقوق والواجبات بين الراعي والرعية، والتكافل الدفاعي بتضافر الجهود في الدفاع عن حياض الأمة وجهاد العدو، والتكافل الجنائي من خلال نظام العاقلة الذي بمقتضاه يقوم عصبة الجاني بالتعاون بينهم في دفع الدية الواجبة عليه، وهكذا الشأن بعد ذلك في دور بيت المال في الديات، والتكافل الأخلاقي بالأمر بالمعروف والنصيحة وبث روح النصيحة وقبولها، والتكافل الاقتصادي بتحريم التبذير ومنع الاحتكار التلاعب بالأسعار، والتكافل العبادي ويمثله على سبيل المثال تشريع أداء العبادات بصورة جماعية وكذلك الجنائز والأذان ، و التكافل الحضاري بإنشاء المؤسسات الحضارية العامة، و التكافل المعاشي كرعاية الفقراء والمساكين والأيتام والعجزة وغيرهم، والتكافل الاجتماعي من صور التكافل في الإسلام، وهذا الأخير يعتبر جامعا لصور عديدة من التكافل.
وقد عني الإسلام بتكوين مجتمع متعاضد متآخٍ متكامل ودعا لذلك بجملة من النصوص، وليس هناك من نص أعظم من وصف الرسول صلى الله عليه وسلم مجتمع التكافل والتآخي بقوله: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، فكأن المجتمع يربطه جهاز عصبي ودوري واحد يتم من خلاله نقل المشاعر والأحاسيس والألم أو الفرح، والتكافل في الإسلام ليس مقتصرا على الجانب المادي فقط، وإن اعتبره الإسلام جانبا مهما جدا في التكافل، وتكشف لنا أقسام التكافل المشار إليها سابقا أن الإسلام يلبي بتنوع صور التكافل فيه حاجات المجتمع كاملة أفرادا وجماعات، وهو يضمن بها كل الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات داخل الأمة، وتصل عظمة الإسلام في دعوته للتكافل أن يكفل كل بني الإنسان على اختلاف أديانهم داخل المجتمع المسلم، قال الله تعالى : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } ؛ إنه يؤسس لحق المواطنة المكفولة في المجتمع والدولة المسلمة.
فأساس التكافل هو كرامة الإنسان فالله تعالى يقول : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا }.
وللتكافل مستويات متعددة ينطلق به الإسلام بدءا من الفرد إلى الأمة، فهناك تكافل الفرد مع نفسه، فالإنسان مسؤول عن تزكية نفسه وتهذيبها ودفعها للخير ومنعها عن الشر، قال الله تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا }{ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا }{ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } ومسؤول عن حفظ نفسه بكل مكوناتها الجسمية والعقلية والنفسية والروحية صحتا وتجنبا للتلف ونهيا عن تعذيب النفس وتمتيعا لها بالمباح الطيب، قال الله تعالى : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }وقال : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَتَوَجَّأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
وتكافل داخل الأسرة بين أفرادها، فالإسلام يحفظ رباط الأسرة من التفكك والانهيار، مؤكدا على التكافل بين الزوجين متحملين المسؤولية الملقاة على عاتقيهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) على أن تؤدى فيها الحقوق والواجبات المادية والمعنوية قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } وقال منبها على ضرورة الود والحب الغريزي بين الزوجين : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً }، وقال: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا }، وقال: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ }.
ويكفي في التكافل صورة رائعة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، وهكذا فالتكافل داخل الأسرة شامل لكل الجوانب، وضمن ذلك يأتي حق الأولاد في الرعاية والتربية والكفالة مادية أم معنوية.
ثم تتوسع دائرة التكافل من الأسرة إلى الجماعة، فالإسلام يرعى حق الفرد والجماعة معا وبانسجام تام، والإسلام حين يغرس التكافل داخل الجماعة يربطه بمقتضيات الإيمان، ويجعله من لوازم الولاية بين المؤمنين، قال الله تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }، وهل الولاية إلا المحبة والنصرة والعون أيها القارئ الكريم، وهل يثمر ذلك إلا تكافلا كافلا لكل حاجة.