عقوبات إيران ستؤذي أمريكا

هنري فارِيْل وأبراهام نيومان- نيويورك تايمز –
ترجمة : قاسم مكي –

أثناء الحرب على الإرهاب حَوَّلَت الولايات المتحدة النظام المالي العالمي، في هدوء، إلى إمبراطورية خفيَّة. لقد استخدمت حكومتها قوة الدولار ونفوذه في منظمات بمنأى عن الأنظار مثل شبكة سويفت لمراقبة ما يفعله خصومها والإرهابيون وفي بعض الحالات لعزل دول بأكملها مثل كوريا الشمالية عن تدفقات العالم المالية. (سويفت اختصار من الأحرف الأولى لاسم جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك. وهي نظام مركزي عالمي لإرسال واستقبال الحوالات المالية بين البنوك العالمية الكترونياً- المترجم). في الواقع سخَّرَت هذه السياساتُ البنوكَ الأجنبية لخدمة النفوذ الأمريكي وساهمت في دفع دول مثل إيران إلى طاولة المفاوضات. وفي 4 نوفمبر الجاري صعِّدت الولايات المتحدة العقوبات ضد إيران كجزء من قرارها بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني. ( فقد أعادت الولايات المتحدة رسميا فجر الاثنين 5 نوفمبر فرض كل العقوبات التي سبق أن رفعتها كجزء من الاتفاق النووي الإيراني وأضافت إلى قائمة العقوبات ما يقرب من 700 هدف من بينها 50 مؤسسة مالية إيرانية – المترجم.) تشمل هذه العقوبات التحويلات المالية بحيث يمكن لإدارة ترامب الضغط على سويفت لفصل البنوك الإيرانية عن شبكتها. ومن شأن فصل إيران عن هذه الشبكة عزلها من النظام المالي العالمي تماما تقريبا وستترتب عن ذلك آثار بالغة وفورية على الاقتصاد الإيراني. وإذا مضت إدارة ترامب قُدُما في هذه الخطة ستنجم عنها نتائج خطيرة على الولايات المتحدة أيضا. فهي ستقوِّض سيطرة أمريكا على النظام المالي العالمي وستقلص من سطوتها على الحلفاء والخصوم على السواء. قبل عامين حذر جاك ليو الذي تولى وزارة الخزانة في الفترة من 2013 إلى 2017 من أن بلدانا أخرى قد تشرَع في البحث عن بدائل للدولار وعن منظمات مثل سويفت إذا افترضت أمريكا أن نفوذها السياسي بديهي (تحصيل حاصل). ومؤخرا هدد وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس بذلك بالضبط. ففي مقال افتتاحي نشرته صحيفة هاندِلِسْبلات الالمانية التي تهتم بشؤون المال اقترح ماس أن تنشئ أوروبا قنواتها ونسخة سويفت الخاصة بها للمدفوعات الدولية. تراجعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل جزئيا عن دعم هذا المقترح ، لكنها أيضا قالت إن أوروبا لا يمكنها الاعتماد على الولايات المتحدة وأن من الواجب «أخذ مصيرنا بأيدينا.» وفي الأثناء يبحث واضعو السياسات الألمان والفرنسيون عن بديل لشبكة سويفت وعن طرق أخرى لفك ارتباط البنوك الأوروبية بالأسواق المالية الأمريكية. لقد سبق أن أنشأ الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة نظام مدفوعات خاصا لتيسير التجارة مع إيران. ربما تتعثر هذه الخطوات الصغيرة لكنها تتيح إلقاء نظرة سريعة لما يمكن أن يبدو عليه العالم إذا تحولت أوروبا إلى قوة مالية دولية منافسة. من بين الأشياء التي وعدت بها العولمة أنها ستعزز السلم والاستقرار بإيجاد شبكات اقتصادية دولية تجعل البلدان أكثر اعتمادا على بعضها البعض. لكن الولايات المتحدة، بدلا عن ذلك، حوّلَت هذا الاعتماد المتبادل إلى سلاح. وتلاعبت بخدمة سويفت ونظام المقاصة الدولارية لخنق خصومها. ومن الممكن أن تفعل قوى أخرى نفس الشيء. بل يمكنها حتى القضاء على نفوذ الولايات المتحدة بإقامة شبكات دولية بديلة. وهذا ما يفسر لماذا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تعاون أوروبا في إنفاذ سياستها للضغط على إيران. فالاتحاد الأوروبي يمثل القوة التي يمكن أن تختبر حقا هيمنة أمريكا. قد لا يكون للاتحاد الأوروبي جيش لكنه يملك جبروتا اقتصاديا. ويمكنه استخدام هذه القوة للإضرار بالشركات الأمريكية بل حتى تفتيت النظام المالي الدولي. لقد أرسى الاتحاد الأوروبي خلال العقدين السابقين مجموعة مثيرة من القواعد المالية وعَيَّن مسؤولين لإدارتها. كما عززت الاضطرابات السياسية الأخيرة بما في ذلك الانكماش العظيم(2008) وأزمة منطقة اليورو من متانة الإجراءات التنظيمية الأوروبية. في السابق كانت هذه الإجراءات توظف في تناغم مع الولايات المتحدة. لكن ربما سيتم استخدامها قريبا ضدها. وشعرت جوجل وفيسبوك سلفا بالضربات الإجرائية الأولى من جانب السلطات التنظيمية الأوروبية من خلال التهديد بفرض غرامات تصل إلى بلايين الدولارات. وإذا بدأت أوروبا في إنشاء هيكلها المالي البديل سيكون ذلك ردَّ فعلٍ على الشطط الأمريكي. لقد سبق لإدارة ترامب أن هددت بفرض جزاءات على الشركات الأوروبية إذا تعاملت تجاريا مع إيران. وكشف الانسداد عن مدى تعرض أوروبا لمثل هذا الإكراه من الجانب الأمريكي . لقد حذر جون بولتون مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب دون لف أو دوران من أن سويفت ستتعرض للمساءلة إذا خاطرت بتحدي عقوبات الولايات المتحدة على إيران. ويعارض وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين ، حسبما ذكر، إجبار سويفت على تطبيق العقوبات الأمريكية.
لكن يمكن للكونجرس أن يدفع منوشين إلى ذلك من خلال تشريع اقترحه عضو مجلس الشيوخ تيد كروز يستلزم من الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على أعضاء شبكة سويفت. غير أن معاقبة سويفت ستكون غلطة من جانب الولايات المتحدة. فإذا لم يعد بمقدور الاتحاد الأوروبي الاعتماد على الولايات المتحدة سيتجه إلى تطوير قنوات مدفوعاته الخاصة به. نعم سيستغرق هذا التحول سنوات لكن يمكن أن تكون محصلته النهائية عزل الولايات المتحدة. وقد تفضل بلدان أخرى وليس فقط تلك التي توجد في أوروبا أن تكون جزءا من شبكة مالية يقودها الأوروبيون ويدعمها التزام علني بحكم القانون لا أن ترتبط بنظام مالي دولي تهيمن عليه أمريكا التي تتحول باطراد إلى دولة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها. منذ فترة طويلة ظل الساسة الأوروبيون ينظرون في حسد إلى قوة دولار الولايات المتحدة. والآن أتيحت لهم الفرصة لِمَوضَعَة اليورو كمنافس محتمل له. تكره إدارة ترامب تقييدها بواسطة حلفائها. لكن ما لا تدركه هو أن قوة أمريكا الاقتصادية تعتمد على قبول البلدان الأخرى بأن تكون جزءا من النظام المالي الذي تقوده. وإذا اشتد الضغط على هذه البلدان قد يؤدي ذلك إلى القضاء نهائيا على سلطة أمريكا ونفوذها.
• فارِيْل أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن ونيومان أستاذ بمدرسة الخدمة الخارجية (السلك الدبلوماسي) وشعبة أنظمة الحكم بجامعة جورج تاون