الشراكة عبر المحيط الهادئ..إلى أين؟

عبد العزيز محمود –
بصراحة لولا جهود اليابان، ورئيس وزرائها شينزو آبي، لما صمدت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، ولما تم الإعلان عن دخولها حيز التنفيذ في ٣٠ ديسمبر المقبل، لتصبح ثاني أكبر اتفاقية للتجارة الحرة في العالم بعد اتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية الذي تقوده الصين.

فمع تصديق فيتنام قبل أيام على الاتفاقية، باعتبارها سابع دولة تصدق عليها بعد استراليا واليابان والمكسيك وسنغافورة ونيوزيلندا وكندا، بدأ العد التنازلي لسريان اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التي تغطي ١٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (١٠ تريليونات دولار) وسوقا تضم ٥٠٠ مليون نسمة.
ولم يكن هذا ممكنا، لولا الدور الذي لعبته اليابان من أجل تشكيل ودعم الاتفاقية التي وقعت عليها الدول الـ١٢ المطلة على المحيط الهادي في أوكلاند بنيوزيلاندا في فبراير عام ٢٠١٦، لتصبح منصة لتحرير التجارة في آسيا والمحيط الهادي.
لكن الاتفاقية واجهت أخطر تحد لها مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير عام ٢٠١٧ انسحاب بلاده منها بحجة أنها تشكل تهديدا للاقتصاد الأمريكي، وتبنيه سياسات تجارية أحادية الجانب أشعلت نزاعات تجارية مع حلفاء وشركاء واشنطن التاريخيين.
ومع تأكيد ترامب أن الانسحاب الأمريكي لا رجعة فيه ، أصبح انهيار اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، مسألة وقت، بعد أن افتقدت أهم أسباب وجودها، وهو مشاركة الدول الموقعة عليها للولايات المتحدة، الاقتصاد الأول في العالم، وبالتالي تغطية الاتفاقية لـ ٤٠٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي ونحو ٢٥٪ من حركة التجارة العالمية. وفي مواجهة هذا التحدي نجحت اليابان في إقناع الدول الأخرى بالمضي قدما رغم الانسحاب الأمريكي، فالاتفاقية وفق توقعات البنك الدولي سوف تزيد التجارة بين الدول الأعضاء بنسبة ١١٪ بحلول عام ٢٠٣٠، كما أن انهيارها سيمكن الصين من تعزيز صادراتها، وصياغة قواعد التجارة والاستثمار في منطقة آسيا والمحيط الهادىء.
وهكذا وقعت الدول الـ 11 المطلة على المحيط الهادي في مارس الماضي بالعاصمة التشيلية سانتياجو على نسخة منقحة من الاتفاقية، تحمل اسم الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادي، تلتزم بموجبها الدول الموقعة بفتح الأسواق وخفض الرسوم الجمركية وتخفيف القيود على الاستثمار وحماية الملكية الفكرية وإنشاء آلية لتسوية المنازعات بين المستثمرين والدول.
ومع دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في ٣٠ ديسمبر المقبل، تبدأ المرحلة الأولى لخفض الرسوم الجمركية بين الدول السبع التي صدقت عليها، وهو ما سيشجع باقي الدول الموقعة وهي: تشيلي وماليزيا وبروناي وبيرو على تسريع إجراءات التصديق.
ويبقى الهدف الأهم بعد ذلك هو توسيع دائرة العضوية، وهو ما سيناقشه شركاء المحيط الهادئ في المحادثات التي يجرونها على هامش أعمال منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، والذي يعقد في بابوا غينيا الجديدة، خلال الفترة من ١٢ إلى ١٨ نوفمبر الجاري.
والحقيقة أن الشراكة عبر المحيط الهادئ تثير اهتماما إقليميا ودوليا، فهناك عشر دول أبدت بالفعل رغبتها في الانضمام وهي: كوريا الجنوبية وتايوان والفلبين وكولومبيا وتايلاند ولاوس واندونيسيا وسيريلانكا وكمبوديا وبنجلاديش، لكن ذلك يتطلب أولا تخليها عن الحمائية والتزامها بمعايير الاتفاقية المتعلقة بحرية التجارة والاستثمار وحماية الملكية الفكرية.
من جهة أخرى أجرت بريطانيا محادثات غير رسمية بهدف الانضمام أو التعاون فور خروجها من الاتحاد الأوروبي، بينما أبدى الاتحاد الأوروبي استعدادا مماثلا، في إطار استراتيجية أوروبية تستهدف تحسين التجارة مع آسيا والمحيط الهادئ.
لكن شركاء المحيط الهادي يتطلعون إلى ما هو أبعد، وهو انضمام الصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي إلى الاتفاقية، بشرط التوصل معها إلي تسوية تضمن التزامها بالمعايير المطلوبة. وقد يبدو هذا الهدف غريبا، فالشراكة عبر المحيط الهادئ تشكلت أساسا لمواجهة نفوذ الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادي. لكن الأوضاع فيما يبدو أنها قد تغيرت، عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية، وتبنيها سياسات تجارية أحادية الجانب، ودخولها في نزاعات تجارية مع شركائها، وهي نزاعات دفعت اليابان والصين، ثاني وثالث أكبر اقتصاديين عالميين، إلي التقارب، وفتح صفحة جديدة في العلاقات، وهذا ما بدا واضحا خلال القمة التي عقدها الزعيمان بينج وآبي في بكين أكتوبر الماضي.
ومع ذلك فإن انضمام الصين إلى الشراكة عبر المحيط الهادئ قد لا يبدو واردا، فهي تركز على الترويج لاتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية، وهو الاتفاق التجاري الأكبر دوليا، حيث يضم ١٦ دولة من بينها الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا ويستهدف فتح الأسواق وخفض الرسوم الجمركية دون الالتزام بالمعايير المتعلقة بالبيئة والعمالة والملكية الفكرية.
لكن التعاون بين الطرفين يظل ممكنا، رغم ما يبدو من منافسة بين الشراكة عبر المحيط الهادئ التي تقودها اليابان، والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تقودها الصين، فهناك توافق في وجهات النظر بشأن حرية التجارة والاستثمار والتصدي للسياسات التجارية أحادية الجانب.
وهذا ما بدا واضحا خلال اجتماعات قمة رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) التي عقدت في سنغافورة من ١١ إلى ١٥ نوفمبر الجاري، حيث أبدى الجانبان رغبة مشتركة في مزيد من فتح الأسواق بلا قيود أمام التجارة والاستثمار والتصدي للحمائية.
وهكذا ومع اتساع دور كل من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ واتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة تزداد عزلة الولايات المتحدة، ما لم تحسم خياراتها وتقرر العودة إلي الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهذا ما تراهن عليه اليابان مستقبلا.